جماليات الغيب في رواية شعيب حليفي

جماليات الغيب في رواية شعيب حليفي

أسماء الريسوني 

             يعتبر حضور البادية في إبداع الروائي شعيب حليفي مظهرا من مظاهر توظيف ذاكرة المكان لخلق عوالم الرواية وفضاءاتها، في علاقاتها المختلفة والمتداخلة مع المكان، سواء في امتداده الأفقي والعمودي، أو الواقعي والتخييلي أو الفكري والحكائي. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل عن سبب تميز رواية خط الزناتي بالاعتماد على ذاكرة البادية:

   أهي العودة إلى ذكريات الطفولة والشباب للمتح منها؟ باعتبار السيرة الذاتية –كما يقول جورج ماي- حاضرة دائما في الرواية، (ص:199) خاصة وأننا جميعا نعلم أن كاتبنا هو ابن مدينة سطات، وابن منطقة الشاوية المعروفة ببواديها المتعددة، وسهولها الخضراء الممتدة.. وهو ما قد تؤكده قراءتنا الأولى لإحدى عتبات الرواية: “الأحداث بكل تفاصيلها .. حقائق وقعت بالفعل.. ويشهد المؤلف أنه نقل كل ما جرى بأقصى ما يمكن من الأمانة والمسؤولية” .

    أم هو انخراط فيما عرف بظاهرة المحلية في السرد المغربي، بتعبير مصطفى يعلى، وهي ظاهرة لا تخص المبدعين المغاربة بل أضحت ظاهرة عالمية “بسبب فتنة العولمة الكاسحة التي تتحدى هجمتها الجبارة الجغرافية والتاريخ وفي مقدمتهما ثقافات الشعوب رسمية وشعبية”.

     أم هما السببان معا وهذا أمر غير مستبعد صدوره عن كاتب أكاديمي جمع بين النقد والإبداع، ليعرب عن مواقفه تجاه قضايا فنية وظواهر أدبية، تعج بها الساحة النقدية.

   تكمن الإجابة عن ذاك التساؤل في كل الأسباب السابقة، غير أن الدارس للرواية لا يفوته الكشف عن سبب آخر أكثر عمقا، يتوارى خلف توسل الكاتب بفضاء البادية والمحلية في روايته، هو المتمثل في السعي إلى كتابة رواية ذات أبعاد فكرية ورؤى تأملية، تقوم على مساءلة الوجود، واستخلاص الحكمة، انطلاقا من استنطاق عوالم الطبيعة التي تبرز بصفة خاصة في البادية، سيرا على نهج ميلان كونديرا القائل: “الرواية لا تمتحن الواقع بل الوجود”.

   في هذه الورقة سنعمل على إثبات أن الكاتب لم يكتف في روايته بالانفتاح على أشكال سردية ومعرفية من مثل التاريخ والسيرة والأنتربولوجيا والرحلة وهي رحلة في الزمن حين كان السارد يسافر إلى طفولته، يضيق مقامنا هذا عن تفصيل القول فيها، بل أراد كتابة رواية عالمة أو رواية فلسفية، ليحاور فيها قضايا كونية ووجودية متعددة.. وهو الأمر الذي يتكشف من خلال تعريف السارد فعل التذكر بقوله: “النظر إلى الوراء متعب ويضعف قوة القلب الدافعة. ما قيمة التذكر إذا كان مجرد ذكرى مقطوعة عن الزمن الذي نحياه، وما جدواه إذا لم يفسر ما يجري أو يصون اللحظة الراهنة من ألاعيب النسيان” (ص: 58)

   يتعزز هذا الرأي إذا ما نظرنا في معنى خط الزناتي الذي هو عنوان الرواية الذي يختزل دلالاتها الفكرية، فقد جاء على لسان السارد: “الخط الزناتي هو منطق الخروج من ظلمة الكهف والأنا الغامض إلى وضوح الضمير السابح. ضرب الرمل .. شكل الطريق، والطريق مجرد أربع نقط.. نار وهواء وماء وتراب..” (ص: 51).

  وهذا ما يعني أن الرواية هي تأكيد على أن خيارات الحياة لا تخرج عن هذه الأمور الأربعة: فهي إما نار أي شر وظلام، أو هواء أي خنوع وتبعية واستسلام، وإما ماء أي خير وحياة ونضال أو تراب أي موت وفناء.. وهو ما يجعل منها دعوة إلى تبني موقف في الحياة من خلال اختيار الطريق المناسب الذي من شأنه أن يقودنا إلى الانعتاق من الظلمة والخوف قصد معانقة السلام والسعادة.

  من ثم سأحاول إبراز طبيعة التأملات الفكرية الثاوية في الرواية، قصد استكناه موقف الكاتب ورؤاه من الإنسان ومن الوجود بصفة عامة، وهي تأملات كثيرة سنركز فيها على فكرتين اثنتين هما: الخوف من الغيب ثم البادية والحكمة.

1-  الخوف من الغيب:

       تعالج الرواية توجس الإنسان من الغيب أو بالأحرى خوفه منه، من ذاك المجهول الذي سيأتي في الغد؛ وهذا الخوف هو الذي يجعله يلجأ إلى من يكشف له المستقبل، ويتطلع إلى تكهناته ويصدقه لا لسبب سوى من أجل التغلب على قلقه مما ينتظره في الغد القريب والبعيد على السواء، يقول السارد:

 ” تنمو حياة البسطاء وسط الحكايات والتلفيقات والوقائع المتقطعة. خوفهم الوحيد أن يفقدوا أحبابهم الذين سيبكون عليهم بعد موتهم، وهم ليسوا مثل أثرياء المدن الذين يضجرون سريعا من كل شيء، ويحيون وسط الأرقام والحسابات والمضاربات والأقراص المنومة، خوفهم القاتل من اللحظة التي تلي وجودهم، لذلك فهم مستعدون، وبأي ثمن، لمن يخبرهم عن تلك اللحظة، ويصدقونها”(ص:37-38).

    يتضح إذن، أن الكاتب حين أبدع رواية خط الزناتي أراد إثارة الانتباه إلى خصوصية النفس البشرية التي جبلت على الخوف من المستقبل، دون فرق ما بين الغني والفقير، البسيط والمثقف، القروي والحضري. هذا الخوف يكون من الموت، كما يكون من العجز ويكون كذلك من الغيب، لذلك كانت الرواية كلها محاولة لتهوين هذا الخوف، من خلال تغيير الرؤى إلى تلك المخاوف؛ وهو ما يتجلى من هذا الحوار الذي دار بين السارد والحاج صالح:

  “قال: – لم أتخيل يوما أن يخونني الجسد وأشعر بالعجز. معجزتنا في عجزنا.

قلت له:  – إذا كان عجزنا معجزة، فماذا تسمي الموت؟

–      هو بداية الحياة الفعلية.. لأن ما عشناه مجرد تمرينات لاختبار الحدود النهائية للعجز.” 84

    إن خوف الإنسان من الموت نابع من خوفه من الفناء والمجهول، فـ ” نحن -كما يقول السارد -عالقون بين الحياة والموت”، لهذا يعمد الكاتب إلى تقديم الموت وفق رؤية مغايرة، وإن كان على وعي بأنه معادلة تخص كل الكائنات 54، من ثم حاول إبراز حقيقته الغائبة عن البال، الممثلة أساسا في كونه الخلاص من كل الفتن والأتعاب، لأنه بداية الحياة الحقيقية.. الحياة التي لا عجز فيها ولا هوان.. وكأنه أراد أن يقول إن الحياة التي نعيشها هي حياة زائفة لأنها ملآى بالتوتر والخوف والتوجس، لذلك فإن الموت سيكون هو الخلاص من كل المشاكل والسبيل إلى تحقيق السلام. 

   نلمس مما سبق أن الكاتب في روايته خط الزناتي الذي يفيد ضرب الرمل، كما رأينا، إنما أراد أن يثبت أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن الخوف من القادم هو الذي يدفع الإنسان إلى ضرب الخط؛ لأن ” الناس بقدر ما يكذبون بخصوص ماضيهم لملء ثقوبه، يجهلون حاضرهم ويخشونه كما يخشون اللحظة التي تليه مباشرة، فلا يملكون حيلة للاقتراب منه، وأي قول حوله هو صفحة بيضاء.. هم من سيكتبون عليها ما يريدون أو ما يريدونه لهم”25

  وبهذا تبث الرواية رؤية جديدة للغيب، باعتبار أن الإنسان هو الذي يصنعه كما قال السارد “شغاف الغيب الذي نصنعه وليس الذي يصنعنا” 24، قد نصنعه بالتصرفات الحكيمة التي منها الكتمان، ” فالكتمان ثلث عقل القدر” 97. لأن “الأيام كلها صراع، ونحن نحارب لنصل مقام البهجة والرغبة”164.

2-  البادية والحكمة:

إن احتفاء الكاتب بالبادية لم يكن مقصودا بحد ذاته فقط، بل كان استراتيجية أيضا لعرض قناعاته المختلفة، التي منها بسط أفكاره الوجودية المتعددة، التي تهمنا في مقامنا هذا، وهو ما يعني أن المؤلف اتخذ من الطبيعة بغناها وتنوعها واختلاف مظاهرها، فرصة للتأمل في نفس الإنسان وحياته وفي الوجود بصفة عامة؛ وهناك مقاطع سردية كثيرة تفيد ذلك، يقول مثلا:

” ساد الصمت في كل الضيعة والحقول البعيدة إلا من عواء خافت ومتقطع.. الصمت معجزة هذه الدنيا.. لحظة منه تغني عن كل الصخب الذي يفسد تذوق الحياة”(ص:8).

ويقول في موضع آخر على لسان سوسو (الكلبة) مخاطبة الراعي ولد الحيمر عاشق امرأة تدعى بنت دويدة: ” أنت مثل الطائر المتسرع الذي أبصر من عل دودة تتلوى فهوى عليها حتى لا يسبقه طير آخر لها، فوجد فكي الفخ في انتظاره، الدودة طعم، وبنت دويدة طعم أيضا.. وبعضنا لبعض طعم”(ص:69).

وهذا ما يقودنا إلى معرفة مدى أثر البادية في استخلاص الحكم ومعرفة حقائق الأمور، بفعل امتدادها ورحابة فضائها وتنوع كائناتها وبساطة سكانها.. وهو ما يعطي للمرء فرصا أكبر من أجل التفكير في كثير من الأمور المادية والمعنوية على السواء، فكلما كانت النظرة ممتدة وبعيدة، كانت الرؤيا أكثر شمولية، كما هو شأن الشيخ الزناتي الذي اختار العيش في قمة الجبل “يرى السعادة بداخله، وهو صاعد نحو خلوته عابرا في سكون وخشوع ذلك الممر الذي يقوده إلى رحابة بلا حدود، لذلك اختار الزهد في تلك القمة، وكلما نظر إلى السفح تراءت له الكائنات صغيرة وهائمة على وجهها”(ص:76).

تقدم الرواية مفهوما جديدا للسعادة التي يبحث عنها كل الناس، لذلك لجأوا إلى ضرب الخط مخافة فقدانها، متناسين أن السعادة تكمن في الانشغال بما ينفع الآخرين والترفع عن تفاهات الأمور، لأن المرء كلما تسامى عقله كلما تلاشى خوفه وقلت هواجسه واستطاع النظر بعمق أكبر ووعي أقوى.

 وهكذا، تقدم الرواية سردا مفعما بالحكم، ينبثق من بين ثنايا الحكي، ويتبدى من تفاصيل الأحداث الواقعة في البادية، على لسان شخوصها، منها مثلا:

“النجوم الحقيقية في حياتنا ليست تلك التي تطوف في السماء .. وإنما هي الكائنات التي نحيا معها(ص: 14).

كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورعونته فليست بحقيقة(ص: 33).

الزمن يوم واحد والكلام معنى واحد (ص: 145).

الكذب هو الفن الأرقى لقول الحقيقة(ص: 145).

 ولعل أبرز تلك الحكم هي التي جمعتها وصايا الجد الآتية:

لا تخبر أحدا بما تفكر فيه، لا تكلم أحدا لا تعرفه، لا تستمع إلى أحد لم تنظر في عينيه، أهمل من يهملك، لا تصدق من لا يصدقك، الكرامة قوة والخط عزة والجهل مذلة..(ص: 95).

    هذه ومضات متفرقة عن تسريد الغيب والحكمة في رواية خط الزناتي، ولا يمكنني أن أنهي ورقتي قبل أن أشير إلى مدى حضور ذاكرة البادية في الرواية، من حيث ذكر أنواع الطعام وطقوس الشاي، والفرق الموسيقية وكلمات الأغاني المشهورة والحكايات الشعبية والأمثال المتداولة والأسماء المحلية، والحرف المختلفة (من مثل الرعي وضرب الرمل والحجامة واستخراج الكنوز وصيد الأفاعي  وهو ما شكل مادة سردية أغنت المتن الحكائي للرواية ووجهت القارئ إلى تبني موقف إيجابي من البادية، أو على الأقل جعلته يحن إليها ويعيش يومياتها، التي تبدو بسيطة ورتيبة لكنها في الحقيقة هي مصدر الإلهام ومنبع الحكمة.. وهذا ما تجلى من أحداث الرواية التي تميزت بسردها بأسلوب فني جميل راق، يعتمد أساسا على الصور المركبة غير المألوفة، كما يتبدى مثلا من قوله:

الشمس تتدلى كأنها دلو مثقل بالحمم في بئر مهجورة بلا قعر(ص: 65).

   الليل سلطان بربري بسلهام أسود على فرس أدهم يجري من الظلام إلى الظلام، عابرا اللحظة الفاصلة في الزمان من ضوء النهار إلى نور العتمة.. والأرواح تتراقص مثل شرارة من سراج جف زيته، تستعجل المقاومة وهي لا تعقل مساحة الليل(ص: 83).

   خبا ضوء النهار، وعادت الروح إلى سكينتها تلملم ما تستر به نفسها من نور الليل الأشد لمعانا(ص: 82).

   وبهذا، لا يملك القارئ أمام هذه الصور إلا أن يعترف للكاتب بالقوة في السرد كما أقر له بالعمق في الفكر. هذا الفكر الذي انبثق من البادية ليقتحم مجاهل الغيب ويطرق أبواب الحكمة.

المراجع:

– جورج ماي. السيرة الذاتية، ترجمة عبد الله صولة ومحمد القاضي، عن دار رؤية للنشر والتوزيع- الطبعة الأولى .2017.

– مصطفى يعلى. ظاهرة المحلية في السرد المغربي. مطبعة الأمنية. الطبعة الأولى الرباط. 2011.

شارك هذا الموضوع

أسماء الريسوني

باحثة وأستاذة بجامعة عبد المالك السعدي- تطوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!