حدود النار والسياسة: قراءة في أبعاد المخطط العراقي السوري
عقيل وساف
ما يجري اليوم على طول الشريط الحدودي الممتد بين العراق وسوريا ليس مجرد استعراض عسكري للقوى المسلحة، بل هو “طبخة سياسية” نضجت على نار هادئة في غرف الاستخبارات الإقليمية والدولية. نحن أمام مشهد معقد يشي بوجود “خطة ثلاثية الأبعاد” تتقاطع فيها مصالح أطراف داخلية في بغداد مع طموحات “الجولاني” في إدلب، تحت رعاية أمريكية مباشرة. الهدف من هذه المناورة ليس تأمين الحدود، بل خلق واقع سياسي جديد يضمن بقاء وجوه معينة في السلطة، ولو كان ذلك عبر التحالف مع قوى كانت بالأمس القريب تذبح العراقيين تحت رايات التكفير.
إن المعلومات المسربة تشير إلى وجود قنوات اتصال سرية، وبوساطات إقليمية معروفة، تهدف لفتح آفاق التنسيق بين أطراف في الحكومة العراقية وبين قيادات في المعارضة السورية المسلحة. هذا “الغزل السياسي” المشبوه يطرح تساؤلاً مرعباً: كيف يمكن لمن يرفع شعار “حصر السلاح بيد الدولة” أن يمد جسور التفاهم مع تنظيمات إرهابية عابرة للحدود؟ الحقيقة أن هناك من يريد استخدام الورقة السورية كـ “فزاعة أمنية” لتبرير تمديد الولايات لبعض الشخصيات، وفي الوقت نفسه ضرب محور المقاومة في العراق عبر عزله عن عمقه الاستراتيجي في سوريا ولبنان.
وعلى الضفة الأخرى من هذا المخطط، تبرز كذبة “الانسحاب الأمريكي” التي يروج لها البعض بسذاجة منقطعة النظير؛ فمن يتحدث عن خروج القوات الأجنبية يتناسى عمداً وجود أكثر من مائتي قاعدة وموقع عسكري تنتشر كالألغام في جسد الخارطة العراقية. ما يجري في الحقيقة هو عملية “إعادة تموضع” ذكية، تهدف لتحويل إقليم كردستان إلى منصة انطلاق استراتيجية لاستهداف إيران، وجعل العراق ساحة خلفية لأي عدوان شامل قادم. واشنطن اليوم لا تكتفي بالتحكم في الدولار والكهرباء، بل تضع اشتراطات مهينة تمنع العراق من ممارسة سيادته الحقيقية، بينما تنبري أقلام “الطابور الخامس” للدفاع عن هذه التجاوزات تحت ذريعة الواقعية السياسية.
المؤلم في هذا المشهد هو حالة “الانفصام السياسي” التي تمارسها بعض الجهات التي تدعي الولاء للمرجعية والوطن، بينما هي في الواقع تختار التموضع في المناطق الرمادية حين يتعلق الأمر بمواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي. إن التباكي على السيادة الوطنية يختفي تماماً عندما تملي السفارة الأمريكية أوامرها بتعيين هذا الوزير أو إقالة ذاك القائد، لكنه يظهر فجأة وبشكل عدائي عندما يتعلق الأمر بالتعاون مع الحليف الذي ساند العراق في أحلك ظروفه ضد “داعش”. هؤلاء يراهنون على ذاكرة قصيرة للشعب، لكن دماء الشهداء التي امتزجت على هذه الأرض لا تزال تشكل العائق الوحيد أمام مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يراد له أن يمر عبر تمزيق النسيج الشيعي من الداخل.
إننا نعيش اليوم لحظة “الفرز التاريخي” الكبرى، حيث تتساقط الأقنعة عن الوجوه التي باعت ثوابتها مقابل مكاسب سلطوية زائلة. المعركة الحالية هي معركة وعي بامتياز، تتطلب منا ممارسة “جهاد التبيين” لكشف هذه الخيوط المتشابكة. فالمخطط الذي يستهدف “بيضة الإسلام” – كما وصفتها المرجعية- لا يفرق بين حدود جغرافية، ومن يتصور أنه سينجو بالتحالف مع الإرهاب في سوريا أو بالارتهان للإرادة الأمريكية في بغداد هو واهم وضال. البقاء في هذه الأرض لن يكون إلا لمن يمتلك البصيرة، ويتمسك بخندق الكرامة، ويرفض أن يكون العراق جسراً لمرور المؤامرات التي تستهدف وجوده وهويته.
الخطر حقيقي، والقادم أعظم، والكرة الآن في ملعب القوى الشريفة التي يجب أن تدرك أن التهاون في الملف السوري اليوم يعني بالضرورة سقوط بغداد غداً في أتون صراعات داخلية لا تبقي ولا تذر. إن السيادة لا تمنح كصدقة من واشنطن، بل تنتزع بالثبات وبالولاء المطلق لمصالح الشعب، لا لأجندات “الجولاني” ومن يقف خلفه.
