حصاد الريح: إيران والمنطقة في مواجهة العاصفة

حصاد الريح: إيران والمنطقة في مواجهة العاصفة

عبد الرحمان الغندور

           في لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلة، يبدو الشرق الأوسط مرة أخرى واقفا على حافة بركان مدمر، تتطاير منه شرارات العدوان لتشعل فتيل صراعٍ لا يبقي ولا يذر، حيث تشن آلة الحرب الإسرائيلية والأمريكية هجوماً غاشماً على الأراضي الإيرانية، في عدوانٍ أعمى لا يراعي لأي شيء حرمة ولا للقوانين الدولية اعتباراً. إنه زلزال عنصري يستهدف نسيج الأمن الإقليمي والعالمي، ويقدم مشهداً استعراضياً بغيضاً للقوة يتجاوز كل الخطوط الحمراء التي يفترض أنها ترعى استقرار الدول. والمؤلم في هذا السياق هو ذلك الصمت العربي والدولي الرسمي المطبق، بل وتلك الأصوات التي اختارت، بأسف شديد، أن تقف في خندق العدوان، متوهمة أن النيران التي تساهم في إذكائها اليوم ستشتعل بعيدا عنها، غافلة عن حقيقة أن الرياح إذا عصفت لا تعترف بالحدود، وأن العروش التي تظن أنها بمنأى عن الدمار قد تكون أولى ضحايا الغد.

وإذا كان لا بد من قراءة هذا المشهد الدامي بموضوعية، فإن النقد لا يقتصر على الخارج المعتدي، بل لا مناص من توجيه سهام اللوم إلى السياسات الإيرانية ذاتها، التي لعبت دوراً بارزاً في تمهيد هذا الطريق الوعر. فطهران، التي أعلنت ثورتها مشروعاً عالمياً، انخرطت لعقود في مغامرة إقليمية باهظة الثمن، تغذّي بؤر التوتر وتمول الميليشيات وتتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها، معتمدة على لغة التصعيد التي ظنت أنها ستردع الأعداء، لتجد نفسها اليوم في مأزق وجودي، وقد انقلبت أدواتها عليها، وأصبحت أرضها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. هذا النهج القائم على سياسة الدفع بالاحداث إلى “حافة الهاوية” لم يخلق توازناً، بل زعزع كل الثوابت، وأعطى القوى الغربية الذريعة المثالية للتدخل باسم حماية المصالح، فإذا بإيران تكتشف أن من يزرع الريح يحصد العاصفة.

أما على المستوى العالمي، فالصورة لا تقل قتامة. في ظل هذا الجنون العسكري، يبقى التساؤل الأكبر معلقاً حول الموقف الروسي والصيني والتركي، هذه القوى الصاعدة التي طالما تظاهرت بامتلاك مشروع بديل للأحادية القطبية، تكتفي اليوم بالتفرج، وكأن صمتها المريب يمنح ضوءاً أخضر ضمنياً للغطرسة الأمريكية لتعيد ترسيم خريطة المنطقة وفق مزاجها. هذا العجز، أو ربما هذا التواطؤ المستتر، يحول العالم إلى غابة دولية لا يسودها قانون ولا أخلاق، حيث تُنتهك السيادات تحت أنظار “الحلفاء” الذين يفضلون مصالحهم الضيقة على حساب دماء الأبرياء.

لا يمكن للمرء في خضم هذا الكابوس إلا أن يلتفت إلى ذلك المشهد البائس للشماتة التي تعلو بعض الأوساط العربية والإسلامية، وكأن الفرح بمصيبة الغير سيمنحهم مناعة من النار. إنها نظرة قاصرة، تخفي وراءها جهلاً تاريخياً وسذاجة سياسية، فالاختلاف في الرأي لا يبرر أبداً التخندق مع المعتدي، خاصة عندما يكون المستهدف دولة ذات ثقل إقليمي. إن نتائج هذه الحرب لن تكون محصورة في حدود إيران، بل ستمتد كالنار في الهشيم لتطال الجميع، فتنهار الاقتصادات، وتضطرب إمدادات الطاقة، وتتسع رقعة اللجوء والتشرد، وتغرق المنطقة كلها في ظلام دامس لا بصيص فيه من نور، وتتحول فيه الشعوب إلى وقود لصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، ويبقى السؤال الأبدي معلقاً في فضاء الصمت الدولي: إلى متى يستمر هذا العبث بمصير الملايين؟

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!