حفارو القبور في مسرح الموت و الموتى

حفارو القبور في مسرح الموت و الموتى

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

         في كتابه (الاحتفالية في أفق الثمانينات)، والذي صدر عن اتحاد كتاب العرب بدمشق في الثمانينات من القرن الماضي، قال الاحتفالي كلمة هي: (لم يعد الصمت). ويؤكد هذا الاحتفالي دائماً على أن من واجب المسرحي المتكلم أن يتكلم، وعلى أن من واجب المبدع المسرحي العاقل أن يفكر، وعلى أن من واجب المسرحي التجريبي أن يجرب في المسرح؛ كتابة وإخراجاً وأداءً، وليس فقط في المقاهي أو في الندوات أو في المهرجانات الموسمية.. وهذا المسرحي الذي له في وجهه عيون ترى، من واجبه أن يخبرنا ماذا رأى.

وليس بالصمت الجبان يمكن أن نؤسس مسرحاً، ولا بفعل الغياب والتغريب يمكن أن نصنع نهضة مسرحية؛ ووجود ندوات هامشية اليوم في مواضيع هامشية، وفي مهرجانات هامشية، لا يمكن أن تبدع إلا الثرثرة والنميمة المسرحية، والتي يصر البعض على أن يسميها أبحاثاً فكرية وعلمية، مع أنه لا علم فيها، ولا فكر فيها، ولا فن فيها، ولا اجتهاد فيها؛ وهذا هو ما يجعلها تحيا لحظتها المهرجانية العابرة، وتموت بموتها، من غير أن يكون لها أي إشعاع أو أي صدى.

ويقول الاحتفالي، المؤمن بفعل التأسيس والمؤمن بفعل الاجتهاد في الفكر والعلم والفن وفي كل مناحي الحياة، بأن من لا يعرف في الناس من أين أتى، في مسرح الحياة وفي حياة المسرح، لا يمكن أن يعرف إلى أين يذهب؛ وأن من لا يرى، بالعين وبالعقل، لا يمكن أن يمشي في الطريق الحقيقي؛ وأن من يفقد ذاكرته، ينسى العالم بكل تأكيد، وينساه هذا العالم أيضاً، ويعيش على هامش الواقع، ويحيا على هامش التاريخ شبه حياة وهو لا يدري. وهذا هو اليوم حال المسرح العربي، والذي هو مسرح يعيش التيه والضياع والتسكع الفكري والجمالي، فهو مسرح انطلق من درجة الصفر، مثل كل مسارح العالم التي تراكم التجارب، تجربة بعد تجربة، لتؤسس مسرحاً واحداً متكاملاً، ولكن بروافد وبتجارب وتوجهات وحساسيات واختيارات واجتهادات متعددة ومتنوعة.

و(مصيبة) هذا المسرح العربي اليوم، وكما كان ذلك بالأمس، أنه ما زال يدور في حلقة مفرغة، وأنه ما زال يتحرك ولا يمشي، وأنه ما زال ينتج كتباً ليس فيها إلا الأوراق المسودة بالحبر، وينتج مسرحيات ليس فيها إلا الفرجة البصرية، ويتحدث عن (وجود) مسارح لا وجود فيها إلا الأسماء والعناوين والمصطلحات المقتبسة. هو مسرح عربي أكد قدرته على إنتاج مسرحيات فقط، قد تكون مبهرة في كثير من الحالات، ولكنه في المقابل ما زال عاجزاً على إيجاد صناعة مسرحية عربية حقيقية؛ صناعة لها فلسفتها، ولها كتابتها، ولها علمها وفقهها، ولها جمالياتها، ولها آدابها وأخلاقياتها، ولها أعلامها وحكاؤها.

وهذا المسرح اليوم، وهو في حال الشرود، ليس في جعبته إلا المهرجانات، وذلك باعتبارها واجهات إعلانية كاذبة، وباعتبارها بروتوكولية فقط، ولا شيء أكثر من ذلك؛ ففيها إنشائيات للمجاملة والمديح، وفيها تكريمات بلا إكراميات، وفيها جوائز لا تأثير لها على الساحة المسرحية، وفيها نفس الكلام، ونفس المتكلمين، ونفس المحكمين، ونفس المديرين، ونفس المدعوين. هو كرنفال موسمي إذن، تحضره الأقنعة وتغيب عنه الوجوه، وهو فعل قائم على لعبة التخفي؛ كرنفال تغيب فيه الأسماء الحقيقية وتحضره الأسماء المستعارة، ومثل هذا الكرنفال – والذي يصر البعض على أن يسميه مهرجاناً – قد يشبه المسرح، مع أنه بعيد جداً عن روح المسرح، وبعيد جداً عن فلسفة المسرح، وبعيد جداً عن آداب وأخلاقيات المسرح. في هذه اللعبة تصمت كثير من أصوات المسرحيين الصادقين، المغاربة والعرب معاً، ولا يبقى في الساحة إلا الصوت الاحتفالي وحده، ليشكل الاستثناء الصادق الذي يفضح زيف كثير من البهلوانيات البهرجانية الكاذبة، والتي تسمى مهرجانات، مع أنها مجرد تجمعات للثرثرة وتبادل الزيارات.

ونعرف أن الاحتفالية، وكما نريدها أن تكون، هي وجود آخر وهي حياة أخرى؛ حياة نريدها أن تكون أكثر صدقاً ومصداقية، وأن تكون أكثر حيوية وتلقائية، وأن تكون أكثر شفافية، وأن تكون أكثر إقناعاً وإمتاعاً، وأن تكون أكثر صفاءً وشفافية، وأن تكون أكثر حياةً وحيوية، وأن تكون أكثر إنسانية ومدنية.

بين تجريب يجرب وتجريب يخرب

وبخصوص هذا الذي نسميه المسرح العربي، نقول ما يلي: بأن هذا المسرح قد ابتدأ من درجة التقليد من خلال الترجمة والاقتباس، وكان الأمر طبيعياً وقتها؛ ثم انتقل إلى درجة التأصيل عندما طرح على نفسه سؤال الوجود وسؤال الهوية؛ وانتقل بعد ذلك إلى درجة التأسيس في السبعينات من القرن الماضي، عندما أدرك أن هذا المسرح ينبغي أن يكون له أساس فكري وجمالي وأخلاقي يمتد في أعماق الأرض؛ وانتقل بعد ذلك إلى درجة إعادة التأسيس، وذلك عندما اكتشف أن التأسيس الأول قد حضرت فيه النية الحسنة وغاب عنه الفعل الحسن؛ ثم انتقل إلى درجة التجريب. وفي هذا التجريب، نجد هذا المسرح العربي يعود إلى درجة الصفر بدل أن يصعد سلم التطور والتجدد، وكانت درجة الصفر هاته بعنوان “درجة الاتباع والتقليد”؛ وبهذا ينتهي هذا المسرح من حيث بدأ، ويستبدل تقليد المسرح الغربي القديم بتقليد المسرح التجريبي الجديد، وذلك من خلال استنساخ تجاربه ولغته ومعجمه وفلسفاته، وذلك بشكل قد يكون حرفياً.

ونعرف أن الأصل في فعل هذا التجريب هو أنه رحلة باتجاه المعرفة العلمية، وباتجاه الجمال والكمال، وباتجاه الكلمة الشعرية، وباتجاه المعنى والمبنى، وباتجاه الصورة وروح الصورة، وباتجاه الحركة والحركية. ولقد كان هذا التجريب في المسرح العربي فعلاً “رحلة” أيضاً، ولكن باتجاه الخواء وباتجاه اللامعنى، وباتجاه الأمية، وباتجاه الجمود، وباتجاه الكسل العقلي.. وفي كلمة واحدة مختصرة، يمكن أن نقول بأن وجهة هذا المسرح كانت هي: الموت، أو ما يمكن أن يشبه الموت.

ويمكن أن يموت الفاعل المسرحي في فعله المسرحي بفعل فقر الدم، أو بفعل نقص في المناعة، أو بسبب تلوث في المناخ الثقافي العام، أو بسبب فقر في مادة الحرية، ولكن المسرح لا يموت؛ ويمكن أن تموت في هذا المسرح أوراقه الذابلة أو بعض أغصانه، ولكن شجرة المسرح لا تموت أبداً.

ولقد خُيّل لبعض المسرحيين أنه من الممكن قتل هذا المسرح، وذلك من خلال قتل المؤلف، أو من خلال قتل الكتابة الدرامية، أو من خلال قتل الممثل الإنسان وتعويضه بالدمية العملاقة أو بخيال الظل أو بالصور المتحركة، أو من خلال قتل المخرج المفكر والمبدع وتعويضه بـ (المخرج) الحرفي؛ وأيضاً من خلال قتل المنطق، وقتل الجمال، وقتل النظام، وقتل الوحدة العضوية الواحدة في المسرحية الواحدة، الشيء الذي جعل الدكتور كمال يسمي هذا النوع من التجريب – لارتباطه بالموت- بـ “مسرح حفاري القبور”.

ومن خلال صورة هذا الواقع العربي اليوم، والذي يظهر فيها هذا المسرح “القاتل والمقتول” وهو يحارب الخلق والابتكار، ويحارب الحياة والحيوية، ويحارب الصدق والمصداقية، ويحارب العقل والعقلانية، ويعادي الإبداع والمبدعين، ويخاصم الاجتهاد والمجتهدين؛ من خلال هذه الصورة الناطقة والمتكلمة يمكن أن نقول ما يلي: بأن الثقافة العربية، في بنيتها الأساسية والعميقة، هي ثقافة الموت وهي ثقافة الموتى، والمستفيدون الأساسيون من هذه الثقافة هم القتلة بكل تأكيد، وهم حملة النعوش، وهم حفارو القبور، وهم البكاءون بأجر. وفي معنى قتل الميت وتكريمه بعد موته، يقول الشاعر التونسي الشعبي عن فنان الغلبة أو فنان الغلابة ما يلي:

(عاش يتمنى في عنبة.. مات علقوا لو عنقود) وفي صيغة أخرى: (عاش يتمنى في تمرة.. مات علقوا لو عرجون)

ويمكن أن تعيش أنت، المثقف والفنان، حياتك محارباً ومضطهداً ومنفياً، ولكن من الممكن جداً بعد موتك أن يقيموا لك ضريحاً، وأن يقولوا فيك شعراً يفيض مدحاً كاذباً. ومسرح عربي يُقتل فيه المؤلف من خلال قتل إبداعه هو بالتأكيد مسرح نصف حي ونصف ميت؛ ومسرح تحضره الآليات والتقنيات والبصريات والمشهديات وتغيب عنه الإنسانيات – في المعاني وفي الأفكار وفي القيم الجميلة وفي الحالات وفي المقامات وفي العلاقات- هو بالتأكيد مسرح شبه حي وشبه ميت. ولعل هذا هو السر الذي يجعل كل حفاري القبور في المسرح العربي يحاربون الاحتفال والاحتفاليين، بدعوى أنهم مع الفرح العيدي والاحتفالي في الزمن الجنائزي والمأتمي.

ولعل أخطر ما في تاريخ الاحتفالية هو جرأتها، وهو صمودها، وهو أنها قد قاومت الموت وتجار الموت، وذلك بالإصرار على الحياة وعلى الحضور. لقد واجهت هذه الاحتفالية ثقافة الموت وقاومت كل تجار الموت في الفكر والفن والعلم، وكان البديل الذي اقترحته على الحقيقة والتاريخ هو ثقافة الحياة والحيوية وثقافة الأحياء، وثقافة الحق في الفرح، وثقافة الاحتفال والتعييد.

جمهور مسرحي بدرجة “كومبارس”

وبخصوص فعل الرحلة بشكل عام، يقول الاحتفالي في كتاب (الصعود إلى فلسطين) ما يلي: “في هذا العالم الرحب، أو في هذا الكون اللامحدود واللامتناهي، هناك الذين يرحلون إلى الأمام، وهم الأماميون، وهم الطليعيون والحداثيون والمستكشفون والمبتكرون والمبدعون والأنبياء والصوفيون، وهم قلة قليلة من الناس. وبالمقابل، فهناك الذين يرحلون إلى الخلف، ويسيرون في الاتجاه المعاكس للزمن وللتاريخ، وهؤلاء هم الوثنيون والصنميون والمنهزمون والأصوليون والسلفيون والاتباعيون والمدرسيون وحراس المقابر المنسية وحراس المتاحف البالية، وهؤلاء هم (السواد) الأعظم”.

ويمكن أن نلاحظ اليوم، وبكثير من الأسى والأسف، أن الذي يتم قتله ليس هو الكاتب ولا هو المخرج ولا هو الممثل، ولكنه الجمهور المثقف الحقيقي. وبالتأكيد، فعندما يغيب أو يُغيّب المسرح الحقيقي، وتغيب الثقافة المسرحية العالمة، فإنه لابد أن يموت الشغف المسرحي أيضاً في النفوس وفي العقول وفي الأرواح، ولابد أن يتحول “كومبارس” المهرجانات الموسمية إلى كتلة بشرية تلعب دور الجمهور المسرحي، وذلك في مسرحية بائسة لا حياة فيها ولا حيوية.

ومن واجب الشاهد الصادق في هذا المسرح العربي غير الصادق، أن يدلي بشهادته الصادقة، وأن يقرع الأجراس قبل أن (تقع الفأس في الرأس). ومن واجب هذا الشاهد أن يقول بأن من أغرب الغرائب ومن أعجب العجائب، أن هذا المسرح العربي يفقد اليوم كل مكاسبه التي حققها على امتداد ما يقارب قرنين من عمر الألفيتين، وأنه كلما حقق درجة جديدة في التأصيل والتأسيس، إلا ويأتي من أعداء الفرح المسرحي من يتنكر لها ومن يتجاهلها، ومن يعمل على قتلها ومن يعود بهذا المسرح العربي إلى درجة الصفر.

هذا المسرح ما زال يحلم، ومن حقه أن يحلم، وأن يسعى دائماً باتجاه الجديد وبممارسة فعل التجديد، وأكثر هذه الأحلام تظل مجرد نوايا، وقد تكون مجرد أوهام في أغلب الحالات، وتبقى الأوهام تسابق الأوهام من أجل الفوز بالخواء وبالهباء. وهذا المسرح الذي سماه د. كمال يونس “مسرح حفاري القبور”، والذي هو مسرح الموت ومسرح العدم، مهمته غير المعلنة هي أن يدمر القديم، وينسى أن وجود هذا المسرح في المستقبل لا يمكن أن يستقيم وأن يتحقق بدون وجود هذا القديم الذي يسعى حفارو القبور إلى دفنه حياً. وينسى كثير من المسرحيين ومن النقاد أن هذا المسرح القديم هو عمر من أعمار هذا المسرح؛ وهل يحق لأي كائن عاقل أن يتنكر لطفولته ولصباه؟ وهل يمكن أن نحكي حكاية هذا المسرح العربي إلا من بداياتها التأسيسية الأولى؟

وهذا المسرح القاتل ينسى أن الجديد لا يأتي من الفراغ ولا من الخواء ولا من العدم، وهو بهذا حياة جديدة تخرج من رحم حياة قديمة، وأن من لا قديم له لا جديد له. وفي ضوء هذا المعنى يمكن أن نعيد اليوم قراءة المسرح العربي، وأن نعيد تمثل علاقته مع التاريخ ومع التراث ومع ذاكرته الجماعية ومع عبقريته التي تمثلت في كثير من المجالات الفكرية والفنية وغابت في المجال المسرحي.

نعم، هناك أسئلة طرحت، وهناك أسئلة أخرى لم تطرح، ولكن هل تمت الإجابة على كل هذه الأسئلة؟ وهناك قضايا فكرية وجمالية وأخلاقية وسياسية كثيرة جداً في هذا المسرح، وهي قضايا لا يتم تذكرها إلا في مهرجانات وفي ملتقيات وفي ندوات سريعة وعابرة، ثم يتم المرور إلى ما بعدها.. وما بعدها هو الفراغ وهو اللامعنى، وهل يمكن وجود مسرح لا يؤثثه المعنى؟

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!