حكايات مدرِّسين من أيّام المدرسة

حكايات مدرِّسين من أيّام المدرسة

سعيد بوخليط
          توقّفت حقيقة ذاكرتي عن ترسيخ سيمياء المدرّسين؛ وترميم أشلاء ما بقي عالقا، مع نهاية حقبة حصولي على الباكلوريا. في المقابل، لم تعد لذات الذّاكرة نفس الانهماك خلال سنوات الجامعة مطلع التّسعينات، وصارت مكتفية تماما بالماضي البعيد جدا في خضمّ عوالم الأمس.
*نهاية مأساوية:
كان المدرِّس الوحيد الذي يأتي إلى المدرسة، بلا محفظة أو تحضيرات أو مجرّد ورقة دالّة تطويها يده. يمرُّ بداية إلى الإدارة كي يحمل حفنة من الطبشور ذي الألوان المتباينة. يرتدي وزرته. يشرع ولم ينبس بكلمة واحدة في ملء السبّورة من ألفها إلى يائها بالمعادلات الرياضية. يهمس في نفسه، ولا يلتفت قط وجهة التّلاميذ أو حتى الانتباه لبعض إشاراتهم،بل فقط مصوِّبا اهتمامه كليّا نحو مايكتبه بكيفية متسارعة.
ينتهي. يقذف بجزئية الطبشور صوب السّقف أو الباب، مع تلفُّظه دائما بلازمة ”إلى الجحيم أيّها العالم!”. يدسّ يديه في جيبي وزرته. يتسمَّر خارج الحجرة أو بمحاذاتها قليلا. يشعل سيجارة على طريقة نجوم أفلام الويستيرن؛ يطفئ الوقود كما تُطفأ شموع عيد الميلاد. يأخذ نَفَسا عميقا. يحدّق في السماء طويلا.
كان أستاذا موهوبا في الرّياضيات، متخلِّصا من بروتوكولات التّدريس المألوفة. لم يعرف عنه مناداته لتلميذ باسمه؛ غير مهتمٍّ بهذه التفاصيل وإن درس عنده أحدهم لأكثر من سنة. الجوهريّ بالنسبة إليه، تركيزه على السبُّورة كي يسقط مجمل هواجسه عبر تحليل المعادلات.
مرّت سنوات.شاءت الصُّدف أن أقطن منزلا غير بعيد عن سَكَن هذا المدرّس. طبعا، رغم طول الفترة، انقشعت بسرعة البرق ملامح شخصيته التي مرّت عليها آنذاك اثنا عشر سنة، بمجرّد أن رمقتُ طيفه عابرا بجواري رغم التغيُّرات الجذرية التي رسمت حضوره الجديد بَدَنيا ومظهريا؛ قياسا لما كان عليه خلال زمن المدرسة.غير أنّها هيئة لم تكن عادية بل تستدعي الارتياب.جاء حدسي صائبا. باستغراب شديد، بدأتُ أعاين تواجده غير ما مرّة جالسا صحبة جماعة من ”المتشرِّدين” منغمسا في أحاديث على ترانيم قارورات كحولية من النّوع السَّيء جدّا.
لم تكد تمضي حقبة قصيرة على الرّصد العجيب، حتى سمعتُ ذات ظهيرة زعيقا وعويلا من داخل منزله: مات عاشق الرياضيات بعد نهاية سوريالية تماما، اختبر خلالها التشرّد والإدمان، رغم وضعه المهني والرّمزي.
*أكلة التّمر المفضَّلة:
عرفتُ هذا المدرِّس المولع بفاكهة التَّمر، نهاية الطّور الابتدائي. لاحظت وزملائي التلاميذ دائما انتفاخ واكتناز جيب جلاَّبيته بحفن التّمر، لا يتوقّف عن رميها بسرعة في فمه طيلة الحصص، كأنّه قوت يلهمه سحر قواعد اللغة العربية التي يعشقها بشكل ملحوظ للغاية.
حضر إلى الحجرة الدراسية باكرا قبل مجيئنا بفترة.يملأ السبُّورة بنصٍّ طويل كتبه بخطٍّ جميل.بعد استواء التلاميذ على مقاعدهم، يتناول عصاه الطويلة والرّفيعة ويشرع في الإشارة على بعضنا قصد تشكيل النصِّ وإعراب بعض جمله، مع استمرار تناوله التّمر. خلال إحدى المناسبات، كاد أن يفقد حياته أمامنا، عندما انفعل بطريقة زائدة وفي فمه ثمرة، فقد استشاط غضبا لأنَّ تلميذا أخطأ تقدير حركة إعرابية. كادت نواة، أن ترضيه قتيلا، لولا تداركه الأمر بعد ثوانٍ لم تكن هيِّنة مثلما تابع كلّ الفصل.
*نظَّارة طه حسين:
لم يكتشف قط أيّ تلميذ عيني مدرِّس اللغة الفرنسية، خلال السنة الثَّالثة من التّعليم الابتدائي أواخر السّبعينات، على الأقلّ، إبّان تلك الحقبة من انتمائي إلى المدرسة. فضاء اشتهر أيضا، بحفرة مظلمة كبيرة مخيفة تشغل الواجهة الخلفية. قيل لنا آنذاك، كي نبتعد، بأنّها مأوى غول عظيم لا يغادر الحفرة سوى ليلا. زاد ثِقَل رعب هذا الأمر على نفوسنا كأطفال، أنَّنا صادفنا بين الفينة والأخرى، عظاما بشرية فجّرت إشاعات جانبية تؤَكِّد استيطان هيكل المدرسة على أطلال مقبرة قديمة.
إذن، يسود بجانب ذلك خوف دائم من أشكال العقاب التي يمارسها في حقّ التلاميذ، المدرِّس الذي لم يزح قط نظّارة سوداء تحجب عينيه تماما، واستحال معرفة سرّه: العمى؟ الحَوَل؟عيب خلقي؟ رغم انسياب نسيج جملة تأويلات عبر آذان التلاميذ خلال فترات الاستراحة، بأنّ الأمر لا علاقة له بالاحتمالات السّابقة، بل مجرّد حيلة للتَّمويه تحديدا عن وجهة نظراته كي يرصد شغب بعضنا، والويل لمن رصده سواد الزّجاجتين.
ينهض من مقعده حيث يقبع شبه غافل. يقصد الهدف المرصود. يمسكه من شعره أو رقبته إن كان أصلع. يأمره ببسط يديه معا فوق الطاولة. يشرع في ضرب الأنامل بمسطرة حديدية، وفي أسوأ الأحوال ينادى على أقوياء الفصل أصحاب الجثث الضّخمة؛ حيث اختارت الصّدفة أربعة على الأقل خلال كلّ موسم دراسي. يجلسون آخر الصفِّ، يحصر المدرس وظيفتهم الرئيسة في حمل ”المذنبين” على ظهر أحدهم إشارة إلى حصة الفلقة، بينما يحكم الثلاثة الآخرون الإمساك به.
*أستاذة الفرنسية التي اعتقدناها أوروبّية:
لم تتفوّه داخل الفصل بكلمة واحدة، من قاموس العربية الفصحى أو الدّارجة المغربية. ترسّخ لدى التلاميذ دون لبس يقين هويتها، كونها جميلة، شقراء، ترتدي على طريقة الأوروبيين، فاعتقدوها فرنسية الأب والأمّ والسُّلالة لاتفقه شيئا في المعاني العربية، بالتالي يمكننا التّهامس حولها بشتّى المجازات المحليّة، دون استيعابها مايجري.
غير أنّ حقيقتها تلك، اختلفت فجأة عن مجرى الظّاهر تماما، فالآنسة ذات الشكل الأوروبي قلبا وقالبا، مراكشية خالصة مثلما انكشف كنهها بوضوح ذات يوم، عندما كانت بصدد توزيع أوراق اختبار. حينها، لم يتردّد أحد التلاميذ في تمزيق ورقته تعبيرا عن استيائه من نقطة التّقويم.
رمقت الأستاذة الموقف، فأضحت فورا جرّاء انفعالها الشَّديد شخصية مغايرة جذريا لما ألِفناه التلاميذ غاية تلك اللحظة، وشرعت تشتمنا بلهجة مراكشية قُحَّة، تنهل من معجم الدُّروب والأحياء العتيقة.
*الدرّاجة الهوائية:
أحَبَّ الدرّاجة الهوائية حبّا شديدا. فقط منذ سنوات قليلة، رأيته بالصّدفة في الشارع يسوق دراجة بتؤَدة وتركيز حالمين، كما عهدته قبل أكثر من أربعين سنة، عندما درست عنه سنوات الابتدائي. انذهلت، فلازال الرّجل يحافظ عموما على نفس القوام والملامح، رغم اتّساع الفجوة الزَّمنية.
دأب على تخصيص بداية كل حصة، لإنشاد بعض موشّحات صباح فخري أو التسلّي بأعمال فنية. عندما يسمع آذان الظّهر أو العصر، يأمرننا كي نلتزم الصّمت، ثم ينتصب فوق طاولة شاغرة لأداء الصلاة، وقد غدا أشبه صاروخ صاعد إلى السَّماء أو صومعة الكتبية قد انبجست فجأة وسط الفصل، نظرا لطول قامته ونحافته الرياضية الشّديدة.
بعد انتهائه من مراسيم الشّعيرة، يعود إلى مكتبه حيث وضع بعض التلاميذ قطع حلوى أو فواكه موسمية؛ لا أعرف حاليا هل كانت هدايا محبّة حقا أو استدرارا لسخاء علاماته؟ يجلس بأريحية كي يتذوّق المعروضات وتقييم جودتها من عدمه وتوجيه الثّناء أو النَّقد لأصحابها حتى يواصلوا أو يتداركوا خلال المناسبة التالية. يستمتع أمام أنظارنا، وهو يدندن بترانيم المقطع الشّهير لسلسلة جزيرة الكنز: ”خمسة عشر رجلا ماتوا من أجل صندوق”.
*يستحيل طرد طالبِ العلم:
طالب العلم لا يردّ. لازمة أشاعها مدرِّس عرف باستقباله داخل الفصل على امتداد حصصه لكل تلميذ طُرِد من فصل آخر، لداعٍ من الدّواعي، مثل الشّغب، التأخُّر في الحضور، عدم تحضير واجبات منزلية، إلخ.
يغادر التلميذ قاعة المدرِّس المنزعِجِ، وحتى يتحاشى تعقّد وضعيته أكثر من طرف الإدارة التي ستطالبه حتما باستدعاء إحدى والديه أو هما معا، يختار سبيل التسلُّل إلى القاعة المعلومة. يدقُّ الباب دقّات خفيفة. يُفتح الباب. يشير عليه المدرِّس الجالس في مكتبه، بصوت عال كي يدخل، معضِّدا ترحابه بجملته الشهيرة: ”طالب العلم لا يردّ”. وفق نبرة خطابية مفخَّمة، شديدة الوقع، نظرا لقوَّة صوته الجهوريّ.
أذكر تمسُّك هذا المدرِّس بمبدأ استقبال المطرودين والمغضوب عليهم، ودفاعه الفعلي عن قناعته تلك، رغم حساسية الأمر في علاقاته اليومية مع باقي المدرِّسين ومنظومة المؤسَّسة.
*لقب اليابسة:
أطلقنا عليه لقب اليابسة، لأنّه استعمل باستمرار عصيّا يابسا يكسَّر في ضربتين على جلد أحدنا.كان يابس الطبع، جافّ العريكة، غليظ القلب، قويّ الشَّكيمة، لا يعرف للودِّ طريقا، بل لم نر رسم ابتسامته على فتورها سوى نادرا جدا.
حقيقة امتعاضه فعليا من البهجة والابتسام، أبان عليها خلال إحدى المناسبات نحو تلميذ لطيف، جمّ الأدب، مميّز، أظهرت ملامحه وبنية شفتيه ابتسامة دائمة بلا مبرِّر، متوهَّمة تبعث الالتباس من الوهلة الأولى لدي أيِّ ملاحِظ. فقد أخطأه ذات صباح، المدرِّس المدعو اليابسة، وأشبعه ضربا ورفسا بدعوى ضحكته السّاخرة أثناء استظهاره لآيات قرآنية، رغم نداءات التلاميذ المستعطِفة كي يتوقّف عن تعنيف التلميذ لأنّه فقط ضحيّة لشكل محياه.
أما الواقعة الثانية، فتعيدني ذكراها إلى لحظة تقويمه النّتائج التي حصلنا عليها بعد تصحيحه للأوراق. كان ارتداد صدى جملته الأولى، كافيا لاستفزاز الاسم المعنيّ بالإشارة المتهكِّمة التي أثارت قهقهات الفصل برمّته:
-”لقد استحقّ أصغركم سِنّا على أعلى نقطة، بينما حظي بأسوئها عبد الرحيم عِجل هذا القِسم وثوره الهائج ”.
لم يتردّد الأخير،صاحب البنية الجسمانية ”العِجْلية”، في النُّهوض من مقعده، ثم المغادرة، منتقدا بكل صراخه نعته من طرف اليابسة بتلك الصّفة. منذ تلك اللحظة، لم يعد التلميذ ثانية إلى المدرسة وانقطعت أخباره تماما.
*سقراط الفيلسوف وسقراط برازيليرو:
أعتقد بأنّ تلابيب ذاكرة أغلب أفراد جيلي، تحتفظ بآثار جميلة عن لاعب الكرة سقراط، نجم منتخب البرازيل الشهير خلال مونديال إسبانيا سنة 1982، مباريات بثَّها آنذاك تلفزيون صغيرة بالأبيض والأسود في حجم علبة كبريت، كانت بمثابة ترياق مسائي من السماء، ينتشلني وأنا طفل، قبل بريق شمس اليوم التالي ومكابدة ثانية، من الرّمضاء التي تشوي مراكش، خلال تلك السنوات العجاف والعسيرة جدا، جرّاء توالي سنوات الجفاف، جعلت من سائل صنبور الماء معجزة، بحيث لا تنضبط قطراته سوى فترات محدودة على امتداد اليوم كي يتوارى ثانية؛ غاية إشعار ثان.
شكّلت مهارات الكرويّ البارع، صاحب الكاريزما اللاتينية الغيفارية، والدكتور اليساري الذي خصَّص جانبا من يومياته المهنية لمعالجة الفقراء مجّانا، سلوى منعشة تأتي للحظات على تداعيات قسوة الطبيعة وجفاء منظومة الحُكْم،حيث المعاناة مضاعفة.
في خضمّ ذلك السياق، يشرح لنا مدرّس التاريخ خلال السنة أولى إعدادي، بعض معالم الحضارتين الفرعونية واليونانية. يتجشّأ إبّان حديثه دون توقّف، ربّما نتيجة صعوبات هضمية كما اعتدنا معه خلال حصص الظّهيرة. ورد ذكره على الفيلسوف الإغريقي سقراط. تأمل هنيهة، ثمّ توقّف قليلا مستفسرا عن مدى معرفتنا بهذا الاسم.
لوّح سريعا بسبابته أحد التلاميذ، المعروف أصلا بكسله وشغبه. أبدى المدرس استغرابه من المشهد العجيب وفي نفس الوقت تحفيزه:
-”تفضل يا بنيّ، ربما استيقظت أخيرا من سباتكَ الطّويل! ” .
-”سقراط لاعب كرة برازيلي”.
قذف المدرِّس صوب السّقف بما كان في يديه. انقضّ على صاحبنا وتحوّلت الحصّة إلى مجزرة.

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!