حكاية جماعة فرقتها الأنا

حكاية جماعة فرقتها الأنا

المختار عنقا الادريسي

 المقطع السابع

فيما تبقى حين تنتهي الكلمات  

        تمة حقيقة مفادها أنه حين تنتهي الكلمات ، لا ينتهي كل شيء . فيبدأ ماهو أصدق منها في الظهور، فذاك الذي لا يقال عادة ما يظل حاضرا في الأعماق كأثر خافت لن يزول . ولعل ماتكشف في كل تلك المحطات ومن خلال دروبها ، لم يكن فقط طبيعة مشروع عابر ، بل جاء نتيجة طبيعية وضعت على محك المصالح والاختيارات . وهناك  حيث لا تعود اللغة قادرة على حمل كل ماجرى ، نجدها   “الذاكرة” متكفلة بصيانة ما تبقى ، لا لتعيد

سرد تفاصيل الأحداث والوقائع ، بل لتحتفظ بخلاصاتها ومعاودة طرح السؤال من جديد ، ولكن بصيغة أوسع هدوءا وأكثر عمقا :

          من الذي كان صادقا؟  من الذي كان عابرا ؟ من الذي يستحق أن يبقى؟ من الذي يستوجب استحضارا دائما؟ من الذي بقي من القواسم التي جمعتنا والحلم الذي تقاسمناه ذات زمن، بعد كل تلك الهزات…؟

صديقي

لا أدري أيطوينا الزمن، أم نحن من يطويه، وتخفت الأصوات فتتراجع الكلمات الى خلفية المشهد، فلا يبقى من التجارب سوى ماترسّب في الأعماق من أثر صامت. هناك في تلك المنطقة الهادئة من الذاكرة، عندئد تبدأ الحقيقة في الظهور بعيدا عن أي  رتوش أو زينة أخوية ، وبلا حاجة الى أي رياء عاطفي أو تبرير رفاق. فالعتاب مهما اشتد ليس سوى لحظة صدق عابرة في عمر الصداقة – ان لم أقل الأخوة – التي جمعتنا ذات زمن. فيأتي ليكشف عن معدنها الحقيقي ، ويبرز الى السطح أسئلة جوهرية : هل كانت قائمة على مجرد تقاطع في الأفكار … النوايا … المصالح، أم هي قائمة على شيء أعمق …أنبل…أسمى … شيء يصمد حتى حين تتباعد الطرق وتختلف الاتجاهات والتوجهات؟  

لقد علمتني الأيام والأحداث – مع بعض من التأمل والتروي – أن العلاقات التي تنهار عند أول اختلاف ، لم تكن في الأصل سوى تقارب / تفاهم مؤقت ، تلفه الضبابية وتغلفه الأنانية . وأن الصداقة التي تحتاج الى تطابق وتقارب دائم في الرأي ، ونهل  من أحواض التقاسم ، انما تبحث عن صدى لنفسها لا عن لقاء مع الاخر ، كيفما كان موقعه . أما الصداقة الحقة – التي تستحق هذا الاسم – فهي تلك التي تقبل الاختلاف دون أن يتحول الى تغول في الأنا أو الى قطيعة للمشترك ، وتحتفظ في ذاكرتها بما كان ذات زمن جميلا … مثمرا … صافيا … بريئا ، دون أن تسمح للحظة عابرة أو موقف طارئ ، أو تعصب في الرأي – ضدا على مصلحة الجماعة – من أن يمحو أثر سنوات عدة من التفاهم الأخوي … الهم المشترك … الحلم الجماعي … القرب الانساني التشاركي … ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الواحد منا  بعد تجربة القطيعة … التغول … التقوقع … العتاب ، ليس أن ينتصر لرأيه ، بل أن ينجح في حفظ توازنه الداخلي ، والمحافظة على من هم دوما على العهد وأن: يتذكر دون مرارةيمضي دون ضغينةيترك للأيام قدرتها على الاجلاء-  يقتنع بأن الزمن كفيل بترميم ما لا يرمم بالكلمات، وانما بالممارسة   والأفعال..

فكثيرة هي  العلاقات التي  تتحول من حضور يومي متوازن الى ذكريات ضاربة جذورها بعمق في تاريخية الزمن العلائقي، تتراوح جيئة وذهابا بين الهدوء والألم .

وهنا لا يعود السؤال: من كان منا على صواب؟ بل يصبح: ماذا بقي في القلب بعد كل هذه التفاصيل، ونشر ذاك الغسيل الداخلي؟ فان بقي بعض من صفاء ما ثاويا في زوايا الذاكرة أو في ثنايا المخيال، فهو لا يكفي ليشهد أن ماجمعنا يوما لم يكن وهما ولا سرابا . وان بقى بعض من احترام خافت ، فذاك يكفي ليمنح الماضي المشترك حقه في البقاء دون أي انكار . أما ماعدا ذلك ، فيترك للزمن لأنه أعدل من الكلمات وأصدق في اعادة ترتيب المعاني .

ولهذا أضع هذا ” الحكي ” وكلام ” الذاكرة

وتلك ” التأملات ” عند هذا الحد ، لا كخلاصة نهائية ولا كحكم على تجربة أمل ، بل كأثر خفيف ومتروي لمحاولة فهم ماجرى والاحتفاظ – قدر الامكان – بما يستحق أن يُحتفظ به . فربما كان طريقا  غير مباشر الى شيء أعمق : الى أن نفهم أنفسنا أكثر – بعيدا عن الأحكام المسبقة –  وأن ندرك أن بعض الصداقات لا تقاس بما انتهت اليه ، بل بما تركته فينا من ترسبات … جروح … أثر … معنى .

                الرسالة السابعة

   ما بقي من الصداقة بعد العتاب  

صديقي

       لا أكتب لأستعيد خلافا – يندرج في الماضي – بل لأضع الكلمات في موضعها الأخير، كما هو فاعل من يريد أن يُنْهِي حديثا طال أكثر مما ينبغي، دون أن يفقد احترامه لنفسه، ولا لما كان يؤلف بين مجموعة أمل. لقد جمعتنا بداية لا يمكن أن تنسى ، كان فيها الحلم أكبر منا جميعا ، وكانت المجلة امتدادا لروح امنت بأن العمل الثقافي لا يقوم الا بالجماعة، وبأن الكلمة لا تُزهر الا حين تتقاسمها العقول والقلوب ، فكان “مشروعنا الفكري أكبر من أي واحد فينا”. غير أن ماحدث لاحقا لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كان انزياحا عن تلك الروح التي بدأنا بها . وأُعِيدَ المشروع على غير ماخطط له والتزم به، ثم مضى في اتجاه لم يكن ثمرة نقاش مشترك، بل نتيجة قرار متفرد … منفرد، ومع هذا الاختيار، بدأ شيء ما ينكسر … في المجلة، وفي ماكان يجمعنا.

لم يكن الأمر متعلقا بمن بقي ومن غادر، ولا بمن أضيف الى المشروع أو أبْعِد عنه ، بل بمافقدته التجربة من معناها. فالمجلة التي ولدت من صلب “جمعية الأمل الثقافية” وروحها، لم تعد تعكس ذاك النفس، والوجوه التي التحقت بدوالب عملها… تفكيرها… خطها الناظم، رغم كفاءتها لم تستطع أن تحافظ على الخيط الأول الذي كان يربطنا.

ولعل ما يدعو الى التأمل أكثر، أن التجربة وهي تعاد صياغتها لم تستطع أن تحافظ على التوازنات التي سعينا اليها، وكأنها كانت بدورها تعبيرا عن خلل أعمق – غير مقصود – لا يتعلق بالأشخاص ، بل بطريقة النظر الى المشروع ذاته.

وأنا الان عندما أكتب هذا فاني لا أُدِينُ أي كان . فالتجارب الانسانية أعقد من أن تُختزل في حكم ، ولكن لأذكر الجميع – ومعكم نفسي – بأن ماخسرناه لم يكن مجرد اطار للعمل الثقافي ، بل شيئا من تلك الثقة التي يصعب تعويضها حين تنكسر .

لقد اخترت صديقي طريقك ، اعتمادا على رغبة دفينة – حتى لا أقول خاصة –  وكنت ترى فيه ما لم نره نحن – كجماعة – لكن ما لا يمكن انكاره ، أن هذا الاختيار كان ثمنه : تفرق من بدأو معك ، فانسحب كل من امن بالمشروع في صيغته الأولى ، وعمدت بصمت مطبق – لا مبرر له – كان أبلغ من أي اعتراض ، الى جرأة اقصاء الاخرين .

ومع ذلك ، يبقى شيء لا يمكن أن يُمحى بالكامل : ذاك الأثر الأنساني … الفكري ، الذي تركته بدايات أمل . فمهما تباعدت المسارات وافترقت الطرقات ، يظل لما عشناه معا مكانا لا يصل اليه الخلاف ، ولا تطاله القرارات . ولهذا فأنا اليوم ، لا أستعيد مامضى، بل أكتب لأضع حدّا فاصلا بين زمنين: أولهما كان فيه حلمنا مشتركا ، وثانيهما صار لكل واحد منا طريقه الخاص . وان كان العتاب قد قيل ، فان ماتبقى من الصداقة لا يحتاج الى أي كلام … يكفيه أن يُترك في مكانه ، دون أن يُثْقَل بما لم يعد يحتمله .

         طنجة في 6 أبريل 2026

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!