حملة فرنسية لعزل فرانشيسكا ألبانيز: بين “التضليل الرقمي” والمواجهة الدبلوماسية
مسعود بنعاشور
تواجه فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، حملة ضغط فرنسية رسمية غير مسبوقة تهدف إلى إقصائها من منصبها. وقد بلغت هذه الحملة ذروتها بإعلان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أن بلاده ستطالب رسمياً باستقالة ألبانيز خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المزمع عقدها في 23 فبراير 2026.
تستند التحركات الفرنسية إلى اتهامات أطلقتها النائبة المؤيدة لإسرائيل، كارولين يادان، زعمت فيها أن ألبانيز وصفت إسرائيل بأنها “عدو مشترك للإنسانية” خلال مشاركتها في منتدى شبكة الجزيرة (فبراير 2026).
كشفت تحقيقات استقصائية أجرتها “فرانس 24” و“RFI” زيف هذه الادعاءات، حيث أثبتت مقاطع الفيديو الكاملة أن ألبانيز لم تلفظ هذه العبارة قط، بل تحدثت عن “عدو مشترك” يتمثل في انتهاك الحريات الأساسية وغياب المحاسبة الدولية.
وُجهت اتهامات للسفارة الإسرائيلية في باريس بنشر مقطع فيديو “مُجتزأ” يصور ألبانيز وكأنها تستهدف الشعب الإسرائيلي مباشرة بلفظ “العدو”، وهو ما اعتبره مراقبون “تضليلاً متعمداً“.
سجال “المشاركة” وردود الفعل
حاول الجانب الفرنسي تعزيز روايته بالادعاء أن كلمة ألبانيز أُلقيت “بحضور” قيادات من حماس وإيران. وفي ردها على ذلك، أوضحت ألبانيز:
“شاركتُ عبر تقنية الفيديو في ندوة قانونية مغلقة ضمت خبراء دوليين، بمن فيهم فاتو بنسودة، ولم أكن على علم بهوية المشاركين في الفعاليات الجانبية الأخرى للمنتدى، حيث لم أتواجد جسدياً في المكان“.
وعلى الرغم من هذه التوضيحات، تبنى الوزير جان نويل بارو رواية النائبة يادان بالكامل، متهماً ألبانيز بأنها “ناشطة سياسية تروج لخطاب الكراهية” وتسيء لروح الأمم المتحدة، مستشهداً بمواقفها السابقة التي انتقدت فيها توظيف أحداث 7 أكتوبر لتبرير جريمة الإبادة الجماعية.
أثارت هذه الهجمات موجة من التضامن والتحركات القضائية:
وصفت فرانشيسكا ألبانيز الهجوم بأنه “شخصي للغاية وغير مبرر”، معتبرةً اعتماد وزير خارجية على “فيديو مفبرك” سابقة خطيرة ومثيرة للقلق، مؤكدة أنها تدرس كافة الخيارات القانونية للرد.
واستنكرت منظمة العفو الدولية الموقف الفرنسي، واصفةً المطالبة باستقالة مقررة أممية مستقلة بـ “الأمر الصادم” الذي يقوض استقلالية الآليات الدولية.
فيما أعلنت جمعية “حقوقيون من أجل احترام القانون الدولي” (Jurdi) والنائبة غابرييل كاتالا اللجوء للقضاء الفرنسي لرفع دعاوى بتهمة “نشر أخبار كاذبة” و”التزوير” ضد المحرضين على هذه الحملة.
يتزامن التصعيد الفرنسي مع إجراءات عقابية صارمة اتخذتها إدارة ترامب الثانية (2026)، شملت تجميد أصول ألبانيز المالية وفرض قيود عليها تماثل القيود المفروضة على التنظيمات الإرهابية. وتأتي هذه العقوبات رداً على رسائل تحذيرية وجهتها ألبانيز لشركات تكنولوجية وعسكرية كبرى، مثل مايكروسوفت، أمازون، ولوكهيد مارتن، تنبههم فيها من مغبة التورط في انتهاكات حقوق الإنسان في غزة والضفة الغربية.
يكشف هذا السجال عن فجوة عميقة بين التقارير القانونية الأممية التي توثق “إبادة جماعية” في غزة، وبين مساعي قوى دولية لنزع الشرعية عن الشهود القانونيين عبر أدوات “التضليل” واتهامات معاداة السامية الجاهزة.
