حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرقتها الأنا
المختار عنقا الادريسي
المقطع الثاني
نوافذ في المعنى والضمير وأسئلة الثقافة
بعد أن اتخذ الحلم شكلاً واضحاً، وتحولت الفكرة التي كانت مجرد نقاش بين مجموعة محدودة من أصدقاء الهم الثقافي، تم إصدار مجلة “أمل” لتكون امتداداً للقلق الفكري الذي جمعنا ووحد وجهات نظرنا. علماً أن الأمر لم يكن سهلاً؛ لأنا كنا نفتقر إلى كثير من الوسائل التي تتطلبها المغامرة/ المشروع. لكن ما كان بيننا من حماس وثقة متبادلة كان يعوض الكثير من النقص. وأنت تعلم أًنَّا جلسنا مراراً حول طاولة واحدة تبادلنا خلالها مجموعة من الأفكار: 【ما اسم المجلة؟ ما هي القضايا التي ينبغي أن تتصدر صفحاتها؟ من سيتحمل المسؤولية فيها معنا وكيف ستتوزع الأدوار بيننا؟ ما هي تقاطعاتها مع جمعية الأمل الثقافية التي احتضنتنا ذات زمن؟ كيف يمكن أن نحافظ على توازنها بين العمق الفكري والانفتاح على هموم المجتمع…؟】.
في تلك اللقاءات، كان كل واحد منا يشعر أنه شريك كامل في المغامرة، يدلي برأيه في شكل المجلة وتوجهها، ولم تكن هناك سلطة تعلو فوق سلطة النقاش والإقناع، ولم يكن القرار يُتَّخذ إلا بعد حوارات طويلة تتقاطع فيها الرؤى وتتقارب خلالها وجهات النظر، فكان الاختلاف نفسه مصدر غِنى، وكان الاحترام هو القاعدة الضابطة للإيقاع بيننا. وهنا أفتح نافذة لأقول حقيقة تغيب عن جُل -إن لم أقل كل- المتتبعين، وهي أن الاسم الذي كان مقترحاً للمجلة في البداية -لم أعد أتذكر بحكم عامل الزمن- أهو “الصدى” أو “الصوت”. وبعد حوار ثنائي بيننا ارتأينا التخلي عن ذاك الاسم لسببين؛ أولهما: حتى لا يقع خلط بيننا وبين إصدار آخر -قليل الانتشار لم يصدر منه إلا عدداً واحداً أو عددين من مدينة آسفي، إن لم تخني الذاكرة-. وثانيهما: حتى نبقى قريبين من نقطة الانطلاق المحددة في جمعية الأمل الثقافية، وحتى نسهم في فك العزلة الإعلامية المضروبة -آنذاك- على العمل الجمعوي اللاحزبي، الذي كنا نندرج تحت يافطته. وفي الأخير انتهينا إلى الاتفاق على أن تكون المجلة فصلية تحت اسم “مجلة أمل للتاريخ والثقافة والمجتمع“.
وهنا ينبغي أن أشيد كثيراً بالدور الكبير الذي قدمه الأخ والصديق والجار، المبدع المقتدر المرحوم مصطفى المسناوي -بحكم علاقتي الشخصية الكبيرة به- لا على مستوى الطبع بدار قرطبة للطباعة، أو النشر والتوزيع عن طريق سبريس. ولم يكتفِ بذلك -رحمة الله عليه- بل كان موجهاً ومستشاراً لنا في الكثير من القضايا ذات الصلة بالعمل المجلاتي خاصة والثقافي عامة. فتوزعت الأدوار بين طاقم المجلة المكون من: 【عنقا الإدريسي مديراً مسؤولاً، محمد معروف الدفالي رئيساً للتحرير، وهيئة التحرير المشكلة من أهلال بوشعيب –رحمة الله عليه– محمد الفلاح العلوي، باقية عبد العزيز】.
وبذلك نكون كرواد لجمعية الأمل الثقافية بالدار البيضاء، قد أقررنا العزم 【على خلق منبر تنشر ضمنه مساهماتها الثقافية، ويتبع سيرورة العمل الجمعوي الذي كان يومها رافداً أساسياً من روافد الحركة الثقافية ببلادنا. ومنذ ظهور فكرة هذا الإصدار إلى الآن –تاريخ إصدار العدد الأول في 1992- مرت عشر سنوات كاملة حاولنا خلالها بين الفينة والأخرى إخراج المشروع لكن دون جدوى. فالظروف العامة على المستويين المادي والمعنوي حالت دون رؤيته النور. وبقدر ما كانت الظروف ضنينة، بقدر ما ازداد إلحاح عدد من الأصدقاء والمهتمين على ضرورة امتطاء صهوة التجربة. فقر العزم مؤخراً بمساعدة العديد من هؤلاء على تحويل الفكرة إلى واقع، وارتأينا بعد مناقشات مطولة أن تتحول اهتمامات “أمل” إلى التاريخ والمجتمع والثقافة】 –من مقدمة العدد الأول للمجلة-.
وشيئاً فشيئاً صارت المجلة بالنسبة لنا أكثر من مجرد مطبوعة دورية. أصبحت فضاءً للقاء الأفكار، ومنبراً لحوار ثقافي كنا نشعر أنه ضروري في تلك المرحلة. وكانت كل مساهمة تصلنا، وكل نقاش يدور حول موضوعاتها، يُعَزِز لدينا الإحساس بأن المشروع يسير في الاتجاه الذي حلمنا به منذ البداية، والمتمثل في 【تأسيس كتابة تاريخ لمجتمعنا عبر سيرورته. وضمن هذا السياق نضع المسألة الثقافية، وموقف الثقافة في تاريخنا من المشكلات الملحة وكشف فترات التغيير الثقافي وديناميته ومميزات بنيته عبر التاريخ، كضرب من التحليل السببي لفهم مدى صمود ثقافة بلدنا في وجه الثقافات الدخيلة وخصائصها، انطلاقاً من أن الثقافة القوية أو المجتمع القوي هو المجتمع الذي يكون أشد انتخاباً في ما ينقله من الثقافات الأخرى】 –من مقدمة العدد الأول-.
لقد كانت تلك الفترة بكل ما فيها من جهد وتعب وتضحيات، زمناً جميلاً في الذاكرة. زمن كانت فيه الكلمة بيتاً للجماعة، وكانت المجلة تعبيراً صادقاً عن روح مشتركة آمنت بأن الثقافة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الفعل المدني الهادئ والعميق في نفس الوقت.
الرسالة الثانية: [معنى أن تكون مثقفاً]
عطفاً على ما تقدم، يا من كنت صديقي. أجدني أتساءل:
- ما معنى أن يكون المرء مثقفاً؟
- هل تمنحه الشهادات العليا المحصل عليها شرف ذلك؟
- هل يكفي أن يقرأ كثيراً، أو أن يكتب مقالات وكتباً، أو أن يحضر الندوات واللقاءات ويجيد استعمال المفاهيم الكبيرة؟
أخشى أن كل ذلك لا يكفي. لأن الثقافة في جوهرها ليست مجرد تراكم للمعرفة، بل هي قبل كل شيء موقف أخلاقي من القضايا التي يعيشها المجتمع. هي قدرة الإنسان على أن يرى ما وراء الظاهر، وأن يقاوم إغراء السهولة والجري وراء النزعات الذاتية، وأن يدافع عن الحقيقة حتى ولو كانت مكلفة.
والمثقف، انطلاقاً من هذا المعنى العميق، ليس هو من يملك المعرفة، بل هو من يملك القدرة على مساءلة نفسه قبل أن يسائل الآخرين. إنه ذاك الذي يستحضر ذاته ووعيه وحدود إنسانيته قبل كل شيء، فلا يجعل من الثقافة حاجزاً بينه وبين رفاق دربه القدامى، أو يتخذها مجرد وسيلة لإشباع نزوات عابرة أو تحقيق طموحات زائلة. كما أنه ليس من يلهث وراء الأضواء أو يسعى إلى تكريس حضوره عبر النفوذ والهيمنة، بل هو من يدرك أن المعرفة مسؤولية وأن الفكر قد يصبح أجوفاً حين يتحول إلى أداة لخدمة الأنا بدل أن يكون طريقاً لتزكية الوعي وتهذيب النفس.
وبالتالي فإن المثقف -كما أتصوره- ليس بالضرورة الأكثر ضجيجاً في الساحة، بل ربما كان أحياناً الأكثر صمتاً وتأملاً، لأنه يدرك أن الكلمة حين تفقد معناها تتحول إلى مجرد صدى في فراغ واسع. ولذلك فإن امتحان المثقف لا يبدأ حين يكتب، بل حين يختار متى يتكلم ولماذا؟ فكم من كلمات قيلت -في غير موضعها- فأفسدت المعنى، وكم من صمت كان أبلغ من كل كلام.
لقد تعلمت مع مرور الزمن وتوالي السنين أن الثقافة ليست امتيازاً، بل هي عبء جميل؛ عبء لأن صاحبها يرى لا ما يراه الآخرون أحياناً من تناقضات، وجميل لأنها تمنحه القدرة على تحويل القلق إلى فهم، والألم إلى معنى. فالمثقف الحقيقي ليس هو من يكدس المعرفة أو يحتكرها، بل هو من ينجح في أن يجعلها مِرْآة لضميره قبل أن يجعلها سلطة على الآخرين. ولهذا كله يكون السؤال الأهم بعيداً عن: هل نحن مثقفون؟ بل: هل ما زلنا قادرين على أن نكون أوفياء لما تفرضه الثقافة من محبة… صدق… تروي… شجاعة… بُعد نظر؟
