حين تصبح السرقة في باريس قضية.. ونهب الشعوب مجرد تفصيل
ذ. يوسف مقران
ليست الأزمات التي تشهدها فرنسا وغيرها من الدول المتقدمة سرا يستعصي على الفهم، ولا لغزا يحتاج إلى كثير من البحث. فالفقر والهشاشة والتفاوت الاجتماعي، وما يرتبط بها من اختلالات، موضوعات تناولتها تقارير ودراسات عديدة. ومع ذلك، يصر البعض على اختزال النقاش في جنسيات المتورطين في حوادث السرقة، وكأن معرفة أصولهم تكفي لتفسير ما يحدث، أو كأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الفقر وتعمق الهشاشة لا علاقة لها بما يجري.
هذا الخطاب لا ينشغل بفهم الظواهر بقدر ما يبحث عن متهم جاهز. فبدلا من مساءلة السياسات التي توسع الفوارق الاجتماعية وتدفع فئات من المجتمع إلى الهشاشة، تتجه الأنظار إلى المهاجرين وأصحاب الجنسيات التي يسهل استهدافها بخطاب الكراهية. وهكذا يصبح الأصل الوطني أو العرقي تفسيرا جاهزا لكل مشكلة، فيما تغيب الأسئلة المتعلقة بأسبابها ومسؤولية السياسات العامة عنها.
وتتجلى المفارقة لدى أولئك الذين يرفعون شعار «هذه ليست قضيتي» كلما تعلق الأمر بمآسي شعوب أخرى، ثم يكتشفون فجأة أن ما يحدث في باريس يعنيهم، تماما كما حدث من قبل مع الرياض. وليس الاعتراض هنا على اهتمامهم بحوادث السرقة، فمن حق أي إنسان أن يدين الجريمة أينما وقعت، وإنما على تحويل هذه الحوادث إلى مناسبة لإلصاق تهم الهمجية بجنسيات بعينها، والتعميم على شعوب بأكملها انطلاقا من أفعال أفراد.
لماذا تصبح جنسية المتهم أهم من طبيعة الجريمة وظروفها؟ ولماذا تتحول حادثة سرقة في مدينة أوروبية إلى مادة لإدانة جماعية، بينما لا تحظى مآسي شعوب أخرى بالاهتمام نفسه؟ إن مثل هذه الأسئلة تكشف أن النقاش يتجاوز أحيانا حدود الجريمة والقانون، ليتحول إلى أحكام مسبقة تحدد من يستحق التعاطف ومن يوضع في قفص الاتهام قبل النظر في الوقائع.
وتبرز هذه الإشكالية أيضا عند استحضار تاريخ القوى الاستعمارية. ففرنسا التي استعمرت بلداناً وشعوباً، واستفادت من مواردها وثرواتها، وارتبط تاريخها الاستعماري بأشكال من النهب والقمع ومآس إنسانية، لا يمكن النظر إلى ماضيها باعتباره مجرد صفحة طويت وانتهى أثرها. وليس المقصود أن كل ما تعانيه فرنسا اليوم نتيجة مباشرة لماضيها الاستعماري، أو أن ذلك الماضي يبرر أي جريمة تقع على أراضيها، بل إن فهم العلاقات بين الدول والشعوب يقتضي الاعتراف بالتاريخ وآثاره، وعدم التعامل معه باعتباره تفصيلا لا يستحق النقاش.
ومن هنا، يبدو لافتا أن تثير سرقة متجر في باريس كل هذا الاهتمام، في حين لا تحظى سرقة ثروات الشعوب وتدمير مقدراتها، وما خلفته الحروب والتدخلات من مآس، بالقدر نفسه من النقاش. فحين يتعلق الأمر ببلدان بعيدة، كثيرا ما تتوارى خلف المسافة الجغرافية مسؤوليات سياسية وتاريخية، وتختزل معاناة الناس في أرقام وأخبار عابرة.
لا خلاف على أن السرقة جريمة تستوجب الإدانة، أيا كان مرتكبها ومهما كانت جنسيته. لكن تحويل جريمة فردية إلى حكم على جماعة بأكملها ليس دفاعا عن القانون، بل تعميم قائم على الهوية والأصل. كما أن نقد الاستعمار والسياسات التي ألحقت الأذى بالشعوب لا يتعارض مع رفض الجرائم التي تقع في فرنسا أو غيرها؛ فلكل فعل مسؤولية، ولكل ضحية حق في الإنصاف، بصرف النظر عن جنسيتها أو موطنها.
المشكلة، إذن، ليست في الاهتمام بما يحدث في باريس أو الرياض، بل في استغلال بعض الأحداث لتغذية الصور النمطية وتكريس العداء تجاه فئات بعينها، بدلا من مناقشة الوقائع في سياقها الحقيقي. فالجريمة لا تمنح أحدا الحق في إدانة شعب بأكمله، كما أن التاريخ الاستعماري لا ينبغي أن يكون ذريعة لتبرير جرائم الحاضر أو التغاضي عنها.
فالعدالة تبدأ حين نحاكم الأفعال لا الهويات، وحين نعترف بأن كرامة الإنسان لا تتغير بتغير جنسيته أو موطنه. أما أن نرفع صوتنا دفاعا عن ضحايا قريبين منا، ثم نصمت عن معاناة شعوب أخرى، فذلك لا يخدم العدالة، بل يفرغها من معناها الإنساني.
