حين تكون قضايا الشعب هي بوصلة الوطن
مصطفى المتوكل الساحلي
إن التاريخ المغربي الحي الذي عاشته أجيال الخمسينيات إلى اليوم يوثقون بحضورهم ومشاركاتهم الوطنية كل الأحداث، سواء شاهدوها أو أطروها وقادوها؛ فتحقق استقلال المغرب بتضحياتهم وصمودهم وإخلاصهم، فكانت الفرحة العارمة بعودة محمد الخامس من المنفى.
وقامت القوى الديمقراطية والحداثية – بسبب ما آلت إليه الأوضاع – بنضالات ومواجهات وتدافع سياسي معقد بين طرفين طوال الستينات وما بعدها، واتفق الجميع على تسميتها بـ “سنوات الجمر والرصاص”، فسعت الدولة إلى اعتبار الموضوع قضية وطنية؛ لأن نسبة لا يستهان بها من الشعب تتعاطف معهم وتتقاسم بعض أفكارهم ومطالبهم، كما أن الدولة تعلم بأن ظروف العيش والقمع تجاوزا كل الحدود، ففتح حوار أولي نتج عنه قضيتان:
- الأولى: الالتزام بإجراء انتخابات تطوي بعض صفحات الماضي.
- الثانية: النضال والعمل من أجل تحرير الصحراء المغربية، ومعها لاحقاً سيدي إفني وآيت باعمران وطرفاية.
وأفرزت هذه المرحلة نجاحاً في دخول المغرب للصحراء المغربية، لكن في قضية الديمقراطية لم يترك تدخل جهات في الحكومة الانتخابات تمر بسلام، فكان التزوير والقمع والاعتقال… ثم وصلوا إلى القضية الحقوقية والقانونية المتعلقة بإصلاح أولي للدستور المغربي في سنة 1998، حيث أفرزت التوافقات والضمانات احتلال الاتحاد الاشتراكي للرتبة الأولى عددياً في الانتخابات، وهو الحزب الذي يشكل العمود الفقري للمعارضة الشعبية سياسياً ونقابياً وجماهيرياً.
لكن تعطيل المنهجية الديمقراطية بإقصاء الحزب الأول في انتخابات 2002 ليحل محله “تيكنوكراطي” أثار وفتح نقاشاً ما بين محتج ومنتقد وغاضب، مما تسبب في أزمة تنظيمية وسياسية بين بعض الأحزاب وداخل تنظيمات القوى اليسارية، وسجل المتتبعون ارتباط هذه التحولات حكومياً وترابياً بتحرك آليات في الغرف المغلقة للتوجيه والإعداد لمرحلة ما بعد التناوب الديمقراطي، باستعداد جهات مختلفة ستكون جديدة في المشهد السياسي والحزبي لتعويض حكومة ترأسها حزب الاستقلال بعد انتخابات 2007، والذي شهدت المراحل الأخيرة لولايته انطلاق الربيع الديمقراطي الذي أتقن تأطيره وتوجيهه عدة منظمات تعتبر رسمياً غير معترف بها، ويسجل عدم مشاركة بعض أحزاب اليسار في الحراك الذي ركزت شعاراته ولافتاته وصوره على إضعاف الحزب الجديد الثاني واتهام بعض مؤسسيه بما يحصل في المغرب.
فأصبحنا بذلك أمام قضيتين وطنيتين:
- الأولى: الإصلاح الدستوري الذي اعتمد سنة 2011، الذي تفاعل مع بعض ما بقي معلقاً من ملف الإصلاح السياسي والدستوري لأحزاب الاتحاد والاستقلال والتقدم والاشتراكية واليسار الاشتراكي الموحد.. إلخ، وكذا محاور الملف السياسي والثقافي الذي ناضلت من أجله الحركة الأمازيغية منذ الستينات.
- الثانية: إجراء انتخابات استلم رئاسة الحكومة فيها الحزب الثاني المنافس للذي تراجع لاعتبارات “تكتيكية” سياسية في علاقة بالثورات التي شهدتها عدة دول عربية وإسلامية، ليصبح رئيساً للحكومة الحزب الذي بدأت بوادر تأسيسه في نهاية التسعينيات، ليصير الحزب الأول في انتخابات الجماعات والمؤسسة التشريعية، ويصبح رئيساً للحكومة بعد 2011 مع تجديده لولاية ثانية 2016.
ومن خلال هذه السردية ومنهجية تدبير مساراتها وأهدافها من طرف الحكومات -ونخص بالذكر التي سيرتها الأحزاب المغربية- تجعل تاريخنا والفعل السياسي المشكل للمؤسسات بالمغرب في ارتباك وتحفظ وتشكك ورفض حسب القوى السياسية، وهذا أبرز ضعفاً في وضع البرامج وفي تنفيذها وفي تدبير ناجع للزمن السياسي، مما فتح انتقادات قوية وتشككات عند نسبة لا يستهان بها من المجتمع؛ لتصبح الصورة اليوم بأن الدولة تدعو باستمرار إلى الإصلاح وتضع البرامج وتراقبها، فأصبح المتتبعون السياسيون بالدولة والمجتمع يسمعون ويسجلون بأن “الحراكيين” لا يريدون وسطاء، وأمثال هذه الإشارات يجب الانتباه إليها ومعالجة أسبابها ومبرراتها مع تغيير حكيم وإيجابي بالمشهد السياسي عند الأحزاب والمترشحين باسمها للجماعات الترابية والتشريعية والغرف. وعلى السلطات العمومية أن تطور من أدائها ومهامها في مجالها الإداري الترابي على مستوى التكوين والتواصل والقرب والتدبير الناجع مع كل قضايا ومشاكل الشعب.
إن الدولة من جهة وضعت التزامات كبيرة واستراتيجية في مختلف المجالات ما بين كل مرحلة وأخرى منذ الاستقلال إلى اليوم، كما أن برامج الأحزاب التزمت فيها بما لو تم تنزيله تشريعياً وترابياً وتنموياً لكانت الأوضاع كما يريد الشعب.
- إن الوحدة الترابية هي القضية الوطنية الأولى.
- ووحدة الشعب المغربي من أجل إرساء وحماية الديمقراطية الحقة قضية وطنية.
- كما أن الوحدة التنموية التي تشمل كل المجالات الترابية المغربية هي قضية وطنية.
- إن الملف الاجتماعي (قضية التعليم وقضية الصحة وقضية الشغل) قضية وطنية.
- إن الملف الحقوقي بجميع مبادئه وتمفصلاته كما حددها الدستور قضية وطنية.
- وملف المساواة وتكافؤ الفرص في توظيف الثروات المغربية العديدة لتنمية العوالم القروية قضية وطنية.
- ولابد من تأكيد أن ملف منهجية توحيد السرعات التنموية بالجبال والمناطق والقرى والجماعات الترابية المهمشة قضية وطنية.
قيل لرسول الله: “أنهلك وفينا الصالحون؟”، قال: “نعم، إذا كثر الخبث“.
