حين يتحول العشق من طقس عابر إلى سؤال وجودي
المختار عنقا الادريسي
فاتحة كلام
في عالم تتسارع فيه كل الايقاعات وتفقد المعاني ألوانها ودلالاتها تحت وطأة الاستهلاك والاعتياد، يطل علينا مايعرف بـ”الفالنتيان” بوصفه لحظة رمزية كثيفة الدلالة، متنوعة المقاصد . غير أنها – على بساطتها – تُخْفي سؤالا أعمق من طقس عابر أو مناسبة احتفالية منفلتة.
فما الذي يعنيه عندنا ذاك المسمى “عشقا” في زمن التحولات المتلاحقة في كل صباح ومساء؟
وهل يا ترى مازال الحب قيمة مؤسسية للوجود البشري، أم أنه أصبح مجرد خطاب عاطفي … لحظي … زئبقي … منفلت؟
ولعلني – في هذا التوقف – لا أنظر الى عيد العشاق هذا، من زاوية تاريخية أو احتفالية فحسب، بل اتخده مدخلا للتأمل في معنى صفة “العشق” باعتباره تجربة وجودية وأفقا أخلاقيا. فالعشق حين يُنْزَع عنه بريق المناسبة؛ يظهر كقوة خفية، هائلة تعيد ترتيب علاقاتنا بالذات… بالآخر ومن خلالهما بالعالم.
إنه ليس انفعالا عابرا محكوما بالزوال، بل هو إمكانية للتحول والتكيف الداخلي واختيار لمدى قدرتنا على الوفاء… الرقة… الاستمرارية.. الصفاء. ومن هنا بالضبط يأتي هذا التوقف ونحن نعيش هذه الذكرى/ المناسبة، في محاولة للاسهام ولإعادة الاعتبار للعشق بوصفه قيمة إنسانية عميقة، لا يمكن العيش دونها ، قيمة تتجاوز كل رومانسية استهلاكية، وتلامس جوهر الكينونة.
1 – مناسبة “الفالنتاين” بين الذاكرة والأسطورة
يحل مايعرف بعيد العشق كل عام في الرابع عشر من فبراير . غير أن التاريخ – مهما تعددت رواياته – لا يمنحنا سوى الإطار الخارجي لمعنى “Saint Valentine” الذي يرتبط هذا اليوم باسمه ، فالأساطير لا تعيش بقوة الواقع، بل بقوة الحاجة الانسانية اليها. فنحن من نصنع الرمز حين نحتاجه ، ونستبقيه حين نحس أنه يلامس شيئا عميقا في ذاكرتنا الجماعية. ويبقى استدعاء مناسبة “الفالنتاين ” ليس استدعاءً لشخص بقدر ماهو استحضارا لفكرة: الدفاع عن “الحب” في وجه المنع، أو الإيمان به في زمن القسوة… البعد… الإكراه. ومن هنا تتحول العديد من حكايا التاريخ الى توقف تأملي وسؤال حضاري، يُلَخص في القول التال: لماذا يحتاج الانسان دوما إلى أن يؤطر عاطفته بطقس محدد؟ ويكمن جواب هذا السؤال في القول بأن القلب رغم بداهته يحتاج اعترافا علنيا، يخرجه من سِفْرِ الخفاء الى بريق العلن والضوء. ومنه نجد أن الذاكرة والأسطورة تتداخلان لتقولا لنا أن الحب ليس مجرد احساس خاص، لأنه – قبل كل شيء – قيمة تستحق أن تحاط بالرمز ، وأن تُمْنَحَ يوما خاصا يُذَكِّرُ بها.
2 – العشق بين السوق والروح
في زمن العولمة، تحول العشق – في كثير من الأحيان – الى صناعات موسمية… فساتين وورود حمراء… علب شوكولاطة… بطاقات مزخرفة… صور مثالية للحب تغطي كل منصات التواصل. وهذه جميعها مؤشرات تدل على أنا نعيش زمن الاقتصاد العاطفي. حيث غدا الحب سلعة للتغليف… للتسويق… للتباهي… لاختزال المشاعر… ولاختصار العلاقات في الهدايا والكلام المُنمق.
غير أن العشق في عمقه يتمنع عن كل اختزال من هذا القبيل، فهو لا يقاس بقيمة الموقف أو بثمن الهدية، بل بالحضور الصادق. لأن السوق لا يَعِدُنا الا بذاك الاحساس السريع والمؤقت ، أما الروح فهي دائمة البحث عن المعنى الممتد والراسخ العميق في كينونتنا… سلوكنا… تواجدنا. وقد يشدنا اليه بعرض الصور الرائعة، الجاهزة للحب. أما الروح فتجعلنا قادرين على خوض تجربة فريدة لا ولن تتكرر أبدا. وهنا يكمن التوتر: (فهل نحتفل بالحب بوصفه صورة اجتماعية أم بوصفه خبرة داخلية؟).
إن العشق الحقيقي لا يحتاج إلى أي اعلان مناسباتي، بل إلى صدق دائم ومستمر وقد يكون أجمل ما في الحب هو البساطة اليومية… الكلمة الصادقة… الالتفاتة الرقيقة… الصبر الأنيق في لحظات الضيق، فحين يتحرر العشق من هيمنة الاستعراض، يستعيد صفاءه الأول، ويصبح تحولا داخليا وحضورا دائما، متخطيا عتبات كل تَمَلك أو أي استهلاك فج.
3 – العشق كقيمة انسانية
يؤكد جميع المهتمين بحالات العشق على أنه ليس حكرا على العلاقة الثنائية بين رجل و مرأة، وانما هو طاقة انسانية شاملة في أوسع معانيه، وهو من يرى في الوجود جمالا يستحق الانتماء. وفي التراث الانساني لم يكن العشق مجرد علاقة بين شخصين، بل كان:
* عندالصوفيين معراجا وطريقا إلى المطلق.
* عند الحكماء ارتقاءً نحو الإشراق.
* عند الفلاسفة بحثا عن الكمال والجمال.
* عند الشعراء كشفا يتجاوز جماليةاللغة.
وبالتالي فان العشق في معناه الواسع، لا يرتبط بالحبيب (ة)، بل بعشق الحياة… القيم… الصفاء… الحقيقة… فحين نحب، فإننا نمزق رداء الأنانية الضيقة ونخرج إلى أفق المشاركات، فندرب القلب على التعاطف والعقل على الاإصات. لأن العشق يربينا على أن الآخر ليس وسيلة لاشباع رغباتنا، بل هو كائن مستقل يستحق منا كل التقدير والاحترام. ومن هنا يصبح الحب مدرسة أخلاقية تعلمنا التواضع، ففي حضرته: ندرك هشاشتنا ونتعلم الصبر والتحمل. لأن العلاقة ليست دائما هي ذاك الانسجام الكامل. فنستدمج الوفاء، لأن الاستمرارية ليست قرارا عابرا بل التزاما طويل النفس. وبهذا المعنى ومن خلاله، يمكن لعيد العشاق أن يكون تذكيرا بقيمة انسانية كبرى تتحدد في القول: أن نحب يعني أن نرتقي، وأن نراجع أنفسنا، فهل نحن فعلا أوفياء لمن أحببناهم؟ وهل نجيد خاصيةالاصغاء والتأمل؟ وهل باستطاعتنا أن نحفظ الودَّ في دوائر زمن السرعة؟ ثم هل بمقدورنا صيانة المشاعر في زمن الاستهلاك؟
4 – بين الرومانسية والنضج
ورغم أن الرومانسية هي لحظة اشراق بامتياز فإنها ليست كافية لضمان دوام الصفاء، فالعشق الذي يولد من الانبهار يبقى في أمس الحاجة الى النضج كي يستمر، لأن البدايات غالبا تكون ملتهبة . أما الاستمرار فيحتاج دوما – للبقاء – الى المزيد من الوعي والمسؤولية. والنضج في الحب يعني قبول وتقبل اختلاف الاخر، لا أن نحاول تشكيله وفق أهوائنا وهو مايعني أن نفهم العلاقة بأنها ليست حالة مثالية ثابتة، بل مسارا يتقلب جيئة وذهابا بين الفرح والتوتر بين القرب والبعد ، بين الاتفاق والاختلاف. وإذا كانت الرومانسية وعدا يمنح العلاقات جمالها ، فان النضج وفاء بذاك الوعد يمنحها العمق الذي هي في حاجة إليه. ومن تمة يتحقق التوازن الذي بدونه قد يتحول العشق إلى ذكرى جميلة لا إلى تجربة متجذرة في دوالب الزمن ومنعرجاته .
5 – العشق كمسؤولية أخلاقية في زمن القلق
قد نخلص إلى أن الحب ليس احساسا بريئا من المسؤولية، بل هو في جوهره، تعاقد أخلاقي شفهي – غير مكتوب – ، يُلزمنا حين نعلن حبنا للاخر ويجعلنا نلتزم ضمنا بأن لا نُؤْذي، وأن لا نخون الثقة، وألا نستغل الضعف. لأن العشق الحقيقي لا يسعى الى السيطرة، بل الى المشاركة والتقاسم. ولا يَفْرِض بل يقترح، ولا يبتلع شخصية الاخر، بل يفسح لها المجال لتنمو وتسمو مع الأيام. وفي زمن العلاقات الهشة والسريعة يصبح الحفاظ على الكرامة المتبادلة فعل انسجام وشجاعة، لأن المحبة التي تهين هي بعيدة كل البعد عن الحب. كما أن الغيرة التي تُلْغي خصوصية الاخر ليست وفاءً، والتملك الذي يُخْنِق ليس شغفا. لأن العشق الأخلاقي هو الذي يجعل من العلاقة فضاء للحرية لا سجنا للعاطفة، خاصة وأنَّا نعيش زمنا تتسع فيه المسافات وتطول، ويطغى عليه القلق رغم كثرة وتعدد وسائل الاتصال والتواصل. فأضحت الوحدة الرقمية مَلْمَحا مميزا. وفي خضم هذا التفكك، يكتسب الحب معنى مقاوما، فـ :
* أن تحب بصدق في عالم سريع الاستبدال، هو أن ترفض منطق الاستهلاك .
* أن تبقى وفيا في زمن الخيارات المفتوحة بلا حدود، مؤمنا بقيمة الالتزام.
* أن تمنح وقتك… شغف … اهتمامك لشخص واحد، وأن تختار العمق بدل الانتشار.
ومن هنا فالعشق ليس ترفا عاطفيا، بل ضرورة انسانية تعيد للانسان شعوره بالانتماء وتخفف من وطأة القلق الوجودي.
6 – نحو تأويل أعمق لمناسبة عيد العشق
ربما لا يحتاج الحب الى يوم محدد، لكنه يبقى في أمس الحاجة الى لحظة عميقة من الوعي وقد يكون هذا اليوم مناسبة/ فرصة رمزية لمراجعة علاقاتنا بالعشق باعتباره مفهوما… قيمة…ممارسة… سلوكا. فهل نحب بالوعي أم بالعادة؟ وهل نعبر عن مشاعرنا أم نؤجلها على الدوام؟ ثم كيف يمكن لهذا اليوم أن يتحول إلى مساحة للمصالحة مع شريك أهْمَلْناه أو أَهْمَلَنا، مصالحة مع من ابتعدنا عنهم (ن)، مصالحة مع ذات لم نمنحها ما تستحق من رعاية وعناية. كما يمكن أن يتسع أفق العشق ليشمل معاني أرحب وأوسع: عشق الوطن… المعرفة… المسؤولية… الخير العام. لأن الحب في جوهره طَاقَةُ بناء ، وكلما اتسع أفقه ، اتسعت انسانيتنا.
خاتمة تأملية
إن “عيد العشق” ليس مجرد احتفال عابر، بل هو مناسبة تستوجب طرح السؤال الانساني الأقدم “كيف نحيا بالحب؟”
فالعشق ليس هو ضجيج الكلمات المنتقاة، بل هو التزام أفعال، وليس احتفالا بالوردة، بل بالقدرة على الإحساس بجمالها وروعة منظرها وعبيرها المنعش. وليس مناسبة للتباهي بالعاطفة، بل للتواضع التام أمام هشاشة القلب.
إن العشق في أعمق معانيه ليس امتلاكا، بل انفتاحا متوازنا. وليس ضجيجا بل سكينة، وليس وعدا بالكلمات، بل التزاما يوميا بالفعل، وبالتالي فهو مدرسة للمعنى نتعلم فيها ومن خلالها، أن الوجود لا يقاس بطوله، بل بعمقه، ولا بعدد علاقاته، بل بصدقها. وإذا كان التاريخ يمنحنا يوما للاحتفال، فان الحياة تمنحنا كل يوم فرصة لنُبرهن أن الحب ليس ذكرى سنوية، بل أسلوب عيش متميز.
فهل مازلنا قادرين على الحب؟… وهل نكتفي بالرمز، أم نحيا المعنى؟
طنجة في 14. 2 . 2026
