حين يصبح الصمت حمايةً للفكرة ومسافةً للحق

حين يصبح الصمت حمايةً للفكرة ومسافةً للحق

المختار العنقا الإدريسي

الصمت كعتبة للإنصات

لم أتعلم الصمت دفعة واحدة، ولا أنا اخترته منذ البداية. ففي سنوات التكوين -الأساس والتكميلي- الذي استفدت منه، ثم في زمن المسؤولية التربوية المتنوعة، وفي لحظات الفعل والانخراط الحقوقي، كان الكلام جزءاً من الواجب الذي يتراوح بين الشرح، والتوضيح، والاحتجاج، والمحاجة، وتسمية الأمور بمسمياتها. لكن مع تراكم التجربة وتنوعها، بدأت أكتشف أن ما لم أفعله في البدايات علمتنيه الحياة ببطء، فغدا الصمت -حين يُختار- ليس تراجعاً، بل انتقالاً إلى شكل آخر منه.

بلاغة الصمت في زمن الكلام المستهلك:

في سنوات العمل التربوي، كنت أؤمن أن الشرح المتواصل يضمن الفهم، وأن الإكثار من القول يحضن المعنى. كنت أشرح.. وأعيد.. لأراهن على الكلمة بوصفها أداة إصلاح، لكن الواقع -كما الزمن- كان أكثر تعقيداً من ذلك.

ومع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن كثرة الكلام لا تنتج دائماً وعياً بالأمور، وأن بعض الصمت داخل حجرات الدرس، أو في قاعات الاجتماعات، أو في خضم النقاشات العامة، كان أحياناً أكثر تأثيراً من أي خطاب كامل، صمتٌ يربك، لكنه يجبر على التفكير ويكشف حدود المسلمات.

خارج المؤسسة التربوية، وحتى في الفضاءات العمومية، قد يكون الضجيج أعلى، والكلمات التي تُقال باسم القيم نفسها قد تفتقر إلى العمق ذاته. وهناك -بالضبط- تعلمت أن اللغة يمكن أن تُستعمل ضد معناها، وأن الدفاع عن القيم لا يكون دائماً بتكرار اسمها فقط. وفي مثل تلك اللحظات، يصير الصمت بالنسبة إليّ شكلاً من أشكال الامتناع الواعي عن استهلاك الكلمات النبيلة والعميقة في سياقات تُفرغها من مضامينها. ولم يعد الصمت في تلك المرحلة علامة فراغ، بل علامة مسافة لحماية الفكرة من كل تبسيط، وحماية الذات من التورط في لغات لا تشبهها.

متى يكون الصمت موقفاً أخلاقياً؟

في العمل الحقوقي الذي مارسته في شقيه: التعليمي/التعلمي المنصب على المواطنة، والانشغالات الجمعوية المرتبطة بالتربية على حقوق الإنسان، لم يكن يُسمح بالصمت. فهناك لحظات كان فيها الكلام -كما هو الفعل- واجباً تربوياً لا يقبل التأجيل، لأن الصمت والحالة تلك يصبح شراكة ضمنية في الظلم. وهي لحظات خبرتها في الكثير من المحطات، وتعلمت منها أن أثمان الكلام وتكاليفه، مهما كانت باهظة، تظل أهون من ثمن كل صمت.

وعرفتُ كذلك أن الوجه الآخر المتجلي في لحظات قد يُدفع فيها الإنسان إلى الكلام، ليس من أجل الحقيقة، بل من أجل الاصطفاف، أو التهييج، أو تسجيل المواقف. ففي تلك اللحظات، كان الصمت بالنسبة إليّ طريقة لحماية الأفكار من التسييس المفرط، وحماية القيم الكونية من التحول إلى شعارات.

وعموماً، يبقى الصمت الأخلاقي – كما خبرته في كل التقلبات والتدرجات المهنية منها والجمعوية- لا يعني الغياب، بل هو اختيار المجال والمكان المناسبين للقول والفعل، وأن نقول حين يكون القول إضافة إيجابية لا مجرد صدى، وأن نصمت لأنه أصدق من أي انخراط في جدل بلا أفق. ولم يكن هذا التمييز سهلاً، لأنه لا يكتسب من الكتب، بل من الاحتكاك بالآخر، ومن الخيبات أحياناً، ومن مراجعة الذات بعد كل موقف.

الصمت الذي يسبق الكلمة.. والصمت الذي يحميها:

مع مرور السنوات، تتعدد التجارب ويصير الصمت عندي جزءاً من أخلاقيات وأدبيات القول. ففي الممارسة التربوية تعلمت أن الكلمة التي تُقال قبل نضج المتلقي سرعان ما تضيع، ومن خلال محطات الشأن العام تعلمت أن الكلمة التي تأتي قبل نضج السياق عادة ما تُستعمل ضد مقصدها.

فالصمت الذي يسبق الكلمة هو ذاك الذي يسمح لها أن تتخفف من الانفعال ومن الرغبة في الإقناع السريع، وبالتالي فهو صمت المراجعة والتأني، لا صمت الحيرة والتردد. أما الصمت الذي يلي الكلمة، فهو ذلك الذي يمنعها من التحول إلى شعار، أو من الاستهلاك في غير ما يُراد لها.

وتبقى بعض الكلمات التي أكون قد قلتها في لحظات صمت طويل حيةً نابضة -إلى اليوم- في الذاكرة المشتركة، أما بعضها الآخر الذي قيل تحت ضغط اللحظة أو الموقف، فلم تعش أكثر من صداها المتردد. لهذا لم يعد الصمت بالنسبة لي نقصاً في التعبير، بل شكلاً من أشكاله المتقدمة، وهو ليس انسحاباً من الحياة العامة، بل إعادة تموضع داخلها، وحضوره أقل صخباً لكنه أكثر انتباهاً.

هكذا صار الصمت في هذه المرحلة العمرية اختياراً لا رد فعل، وأسلوباً معتمداً بكل تأنٍ. وعليه، فليس كل صمت حكمة، ولكن كل حكمة -كما تعلمت متأخراً- تحتاج إلى صمت يسبقها ويصونها على الدوام.

16 يناير 2026 Malaga

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!