حين يغدو “النعش” حلبة للتطبيع الناعم

حين يغدو “النعش” حلبة للتطبيع الناعم

عبد الرحيم التوراني

     في ردهات السياسة الميكيافيلية، تتردد حكمة قديمة ذات أصل فقهي، إذ تنسب للإمام الشافعي، غير أن  السلطة ألبستها اليوم لبوسا تكنولوجيا.. تقول الحكمة: “العامة إن لم تشغلهم شغلوك”…

إنها استراتيجية الإلهاء الاستباقي لملء الفراغ الذهني للجماهير بجدل الهوية، كي لا يلتفتوا إلى خبزهم المر أو يسائلوا من بيده الحل والعقد.

تبدأ الحكاية من اللحظة التي لا تقبل الجدل، وهي لحظة الموت… فجأة وبدون مقدمات، يصدر قرار بمحو “الشهادتين” من سيارات نقل الأموات بالمغرب. لم يكن إجراء إداريا عابرا، بل هو تجريد قسري للموت من هويته في بلد يمثل فيه الإسلام الوجدان المشترك…

إن فرض هذا الحياد البارد على الجثامين هو عملية جس نبض للمجتمع، تهدف لزجه في صراعات جانبية تستهلك طاقته الاحتجاجية.

وعلى وقع هذا الصمت الجنائزي، تطل سيدة تقدم نفسها كـ”مؤثرة” عبر الشاشات لتجاهر بإفطارها رمضان منذ سنوات. لم يكن التصريح عفويا، بل كما قال الناشط الحقوقي عزيز غالي، بمثابة  وقود أُلقي في حطب التريند…

الرهان هنا خبيث.. والمحرك يعرف أن المغربي مهما تحلل من الطقوس، يظل رمضان وحرمة القبور خطاً أحمر في وعيه. فالمغاربة يؤمنون أن صيامهم هو العروة الوثقى التي تجمعهم، وفي الموت يبتلع المغرب كل الاختلافات، إذ يُحمل المؤمن واللاديني على الأكتاف تحت شعار لا إله إلا الله، في سلطة جماعية ترفض أي وصية تخالف الهوية.

إن الربط بين شطب ومحو الرموز الدينية ومشروع التطبيع مع الكيان ليس شططا، بل هو جوهر الحكاية.. فالتطبيع يتطلب مجالا عاما محايدا  بصريا ونفسيا، لا يصطدم فيه “الشريك الجديد” بعبارات دينية أو قومية.. إنها عملية تلطيف قسرية لتهيئة البيئة لقبول المحتل دون حساسيات، عبر استخدام معارك الهوية كمخدر موضعي يستهلك طاقة الشعب، ويقيس مدى تنازله عن رموزه الصغرى تمهيدا للتنازل عن القضايا الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين.

هذا التغريب القسري وصفة تاريخية مكررة للعبور من الأصالة إلى التبعية…

لقد ظن شاه إيران عبر ما سماه بـ”الثورة البيضاء” ومحوه للهوية سيمر بسلام، لكن الاحتقان كان يغلي تحت الرماد، ولم تنفعه طائراته حين انفجر البركان…

وفي تركيا، مارس مصطفى كمال أتاتورك تغريبا جذرياً لقطع صلة الشعب بجذوره، وهي ذات الوصفة الناعمة التي نراها اليوم بهدف تجفيف منابع التعاطف مع قضايا الأمة…

كذلك فعل الحبيب بورقيبة في تونس حين دعا للإفطار علنا بدعوى زيادة الإنتاج، فما حصدت تلك المنظومات إلا الفجوات السحيقة والانفجارات التي أطاحت بها.

إن الذين يديرون اليوم الريموت كنترول الخاص، ويضغطون على زر التطبيع والتغريب المتواري خلف أقنعة العولمة والعصرنة، يتناسون قانون الفعل ورد الفعل.. فحين تُهدد الهوية، يتحول الدين من ممارسة روحية إلى فعل مقاومة سياسية…

ومحو “لا إله إلا الله” من فوق النعوش لن يمحوها من الصدور، بل سيجعل من كل جنازة تظاهرة صامتة ضد من يريد بيع الهوية والمتجارة بها في سوق النظام العالمي الجديد…

الشعوب قد تنشغل بالخبز حينا وبالهوية حينا، لكنها أبدا لا تغفر لمن يحاول طمس كيانها.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!