دماغ اصطناعي في جوف تراكتور ميِّت!

دماغ اصطناعي في جوف تراكتور ميِّت!

عبد الرحيم التوراني

       بعد مخاض صاحبه طنين إعلامي عن نية الإخراج القيصري لحكومة مصغرة رشيدة، أسفرت الولادة القيصرية عن جيش حقيقي يضم 32 منصبا وحقيبة، وزعت غنائمها بكرة وأصيلا على رباعي التحالف الحكومي، يتقاسمون كعكة القطاعات مع وزراء السيادة… وفي هذا المسمى اللطيف وغير الدستوري اعتراف صريح لا لبس فيه ولا مواربة، بأن بقية وزراء الوزن الخفيف يمارسون مهامهم طلقاء خارج عناية وعطف السيادة!

غير أن المفارقة الكبرى التي أثلجت صدور المنهزمين كانت في أولئك الذين سحقتهم صناديق الاقتراع، فانسحبوا إلى بيوتهم مخذولين يجرون أذيال الخيبة والانكسار… فإذا بتليفونات اللحظة الأخيرة تطرق مضاجعهم، لتوقظهم من غفوة الهزيمة ومآتم الاحتضار إلى فرحة التنصيب وسحر الاستوزار…

ولعل أكثر ما يثير الذهول في هذه الطبخة العجيبة هو إحداث وزارة مخصصة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وهو اختراع صريح سبقتنا إليه دول عربية شقيقة، مثل لبنان الذي أتحفنا بوزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وشؤون المهجرين، والمقصود بالمهجرين هم أهالي أطراف البلد لا المهاجرون في أرجاء المعمورة.. وكالإمارات العربية المتحدة التي سبقت الجميع عام 2017 بوزارة تقود استراتيجيتها الوطنية وتطبيقات العمل عن بعد. ولن نعدم قريبا رؤية شقيقات عربيات أخريات تحذون الحذو ذاته، فتحول هيئاتها الرقمية إلى محميات وقطاعات وزارية قائمة الذات.

هذا في الوقت الذي نجد فيه غولي التكنولوجيا العالمية، أي الولايات المتحدة الأمريكية والصين، يتدبران هذا الملف بجهل تام لبركة البروتوكولات الوزارية… إذ لا تمتلك أي منهما وزارة مستقلة مخصصة حصريا للذكاء الاصطناعي، بل يديران هذه الفتوحات العلمية عبر هيئات عابرة للقطاعات ومؤسسات اقتصادية مع أجهزة استخباراتية وتنظيمية تتنافس في النهار وتتكامل في الليل.

ففي واشنطن لا وجود لمنصب سعادة الوزير المكلف بالذكاء الاصطناعي، بل تتشابك أدوار وزارة التجارة والبنتاغون ومكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، مستندين في حوكمتها إلى أعتى البيوت التكنولوجية، وإلى عقوبات صارمة تحاصر تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة.

وفي بكين تتولى وزارة التجارة ووزارة أمن الدولة قيادة التنانين الرقمية، بل ذهبت الصين إلى تأسيس تكتلاتها الدولية الخاصة بعيدا عن الغرب، كالمنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي التي اتخذت من شنغهاي عاصمة لها.

 يبدو أن ما فات أول امرأة تتربع على رأس الحكومة في تاريخ المغرب الحديث، هو الإعلان الجريء عن قطاعات وزارية استراتيجية أشد إيلاما وأكثر ملامسة لواقع الحياة وواقع السواد الأعظم من المواطنين، كأن تبادر بإنشاء وزارة الغلاء والاحتكار، ووزارة الفراقشية وتدبير المواشي، ووزارة التضليل الإعلامي وصناعة الوهم (بديلة لوزارة الاتصال المقبورة)، ووزارة التجهيل الممنهج، ووزارة تسريع التطبيع بأكثر مما هو مُسَرَّع… وأخيرا وزارة إذكاء خيبة الأمل وترسيم اليأس…

من أمانة القراءة السياسية أن نعترف بأن هذه الوزارات لم تنس إطلاقا… بل هي مدمجة بعناية فائقة في تضاعيف الحقائب الحالية، وبأسلوب هجين وعالي التعقيد، لا تدركه أبصار العوام المشؤومين، ولا يراه إلا جهابذة وغلاة الذكاء الاصطناعي العصي على الفهم والتحليل.

ويبقى سؤال كيف يراد للعامة أن تنتظر أداء مميزا من وزارة مخصصة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وهي في جوهرها ليست قطاعا مستحدثا بالكامل، بل مجرد إعادة طلاء لشارع قديم، إذ تحل محل الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، التي أثثت الحكومة السابقة دون أن تترك أثرا يذكر سوى في بيانات العلاقات العامة…

إن التوجس السائد لدى عموم المواطنين يذهب نحو الاعتقاد بأن هذه الوزارة في نسختها الذكية الجديدة، ستختص بالدرجة الأولى في مراقبة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتتبع أنفاس المدونين وصناع المحتوى، لاسيما في ظل تواتر حالات الاعتقال والملاحقة التي طالت بعضهم بسبب تهمة التدوين أو التعبير عن رأي.

وهي مخاوف تجد سندها في تلك التقارير الدولية الصادمة، وعلى رأسها تقارير منظمة العفو الدولية – الأمنستي، التي اتهمت المغرب صراحة بتوظيف التقنيات المتقدمة لرقابة الصحفيين والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، في إطار ما بات يعرف عالميا بفضائح برنامج التجسس “بيغاسوس”… لتغدو الرقمنة في المخيال الشعبي لا مدخلا لتحديث المرفق العمومي وتسهيل معاملات الناس، بل أداة مطورة لتحديث القبضة الأمنية وتطوير آليات المراقبة.

ولعل خير ما نختم به هذه المرثية الساخرة، هو تذكير بتلك الحملة الانتخابية العجيبة لحزب الأصالة والمعاصرة، فبعدما دخل الحلبة ممتطيا ظهر جرار وئيد، يجمع العارفون بتضاريس السياسة على أنه أبطأ خطوا من سلحفاة كسيحة، رفع الحزب جهارا شعاره الرنان: “تغيير المسار”…

ويبدو أن التغيير الموعود سيمس فعلا مسار البطء والتذبذب، إذ سيتجاوز التردد القديم ليجهر بكل جرأة وسرعة، بكل ما هو ضد إرادة المواطنين وكرامة الشعب.

ألم يحقق لنا السيد لقجع أسمى المراتب وأعلى الأمجاد في الكرة العالمية؟

 لذلك ومن باب رد الجميل وتعميم البركة تم تفويت قطاع الرياضة لتراكتوري مجرب ذو حنكة، فلا تستبعدوا مطلقا أن نلتقي قريبا بتعديل جديد يهم لوغو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، من خلال إضافة تراكتور صغير يزين الشعار… ليصير الشاهد الأبدي على زمن المعجزات الرقمية والرياضية…

فقريبا جدا وبفضل فتوحات وزارة الذكاء الاصطناعي المعجزة، ستشاهدون هذا التراكتور الخرافي يشارك في مسابقات الرالي الدولية، ويخطف المرتبة الأولى بلا منازع… لا في سباقات المضمار والسرعة فحسب، بل في قطاعات التعليم والصحة والعدل والرخاء الاجتماعي… خاصة وبلادنا تستعد بكل عزيمة وثبات لاستضافة فعاليات رياضية كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال…

ولعل في هذا المشهد ما يفسر اللقطة البديعة لترؤس لقجع ورفيقه وزير الرياضة لمباريات كأس أفريقيا لكرة الصالات التي تحتضنها الرباط حاليا.. حيث بدا الوزيران الباميان وهما يصفقان بحرارة لفوز المنتخب المغربي: بنسعيد بإيقاع حماسي مقتبس مباشرة من أصول الدقة المراكشية، في حين اكتفى لقجع بنقرات متزنة بيده اليمنى على هاتفه الذكي القابع في يسراه… وكأننا أمام توزيع رقمي مدروس لأدوار الحماسة وشؤون التدبير…

فلا عجب أيها الناس إذن إن لم تشعروا بعد بأنكم ولجتم مباشرة عهد حكومة المونديال…

فلا تستخفوا مطلقا بالذكاء الاصطناعي، أو بالأحرى بالتراكتور العجيب، فها هو اليوم يطور كائناته، فيطل بعجلات خفية ناعمة تحسن الاقتحام والمناورة، وتدوس الأخضر واليابس وتلتحف بالصمت، دون أن تثير أي انتباه أو تترك ورائها أثرا لأي صخب أو عنف.

 الذكاء الاصطناعي في نسخته المغربية الجديدة ليس سوى ذلك التراكتور العجيب بعجلاته الملساء لا يترك صدى ولا يثير غبارا، لكنه يمر بنعومة فائقة ليحرث الوعي دون أن يشعر به أحد… حتى وإن كان يترنح صاعدا على ثلاث عجلات كعجوز طاعن في الخرف يستعين بعكاز مكسور، وحتى إن كان يعاني من سمنة المظهر وبشاعة الهيكل ورداءة المحرك…

ففي زمن المعجزات الرقمية والصِّيكان المتفجرة بالغرائب، لا شيء يعلو على قدرة الجرار في حصد الألقاب… وحرث ما تبقى من أمل!

صح النوم يا قوم.. وتصبحون على تراكتور!!!

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!