راينر ماريا ريلكه كليم الشرق وشمال إفريقيا

راينر ماريا ريلكه كليم الشرق وشمال إفريقيا

كاركاسون – المعطي قبال

         احتفلت الأوساط الأدبية وبخاصة منها الشعرية مؤخرا في كل من النمسا وألمانيا ب150 سنة على ولادة راينر ماريا ريلكه. نظمت بهذه المناسبة قراءات شعرية، ندوات، معارض فنية وموسيقية، وعرض فيلم عنه في القناة الفرنسية-الألمانية آرتي، لإحياء ذكرى واحد من الشعراء الذين بصموا الشعر المعاصر بقوة. عن حياته ومساره ألفت العديد من الدراسات والكتب، آخرها  السيرة التي ألفتها ساندرا ريختر، مديرة الأرشيفات الأدبية لمدينة مارباخ والتي أشرفت على عرض يشمل 300 وثيقة لريلكه تعرض لأول مرة. وبما أن حياة الشاعر ونتاجه  ورشة مفتوحة على كل المفاجئات، لا زال مناطق ظل كثيفة لم ينجح المتخصصون في نتاجه من سبرها.

ولد رونيه كارل فيلهلم يوهان جوزيف ماريا ريلكه في الرابع من ديسمبر 1875 بمدينة براغ (تشيخيا حاليا). ربته والدته، التي فقدت ابنتها ولم تقدر على تجاوز الصدمة، ربته تربية فتاة. بعد مروره من المدرسة العسكرية لسان بولتين، ثم أكاديمية التجارة بمدينة لينز، عاد إلى براغ  لدراسة الأدب، تاريخ الفن والفلسفة. توجه فيما بعد إلى دراسة القانون، بعد أن استقر بميونيخ حيث تعرف بها على لو-أندريا سالومي التي ستلعب دورا مهما في حياته. اقترحت عليه تغيير اسم رونيه إلى راينر وهو أكثر فحولة. قرر مرافقتها إلى برلين. عام 1901. لكن عوض سالومي، تزوج من كلارا ويستهوف التي أنجب معها بنتا، روث، والتي رفض التكفل بها. وصل ريلكه إلى باريس عام 1902 لكتابة مونوغرافية عن النحات الفرنسي أوغست رودان. لم يغادر باريس إلا باندلاع الحرب العالمية الأولى. ألف بباريس «مذكرات مالتا لاوريدس بريجا»، «أشعار جديدة» التي تتضمن قصيدة «النمر».

الخاصية التي تميز مساره هو أنه كان رحالة ولا يستقر بمكان. عن تنقلاته وحياته ألفت العديد من الأبحاث والدراسات باللغة الفرنسية، الألمانية، الإنجليزية وبلغات أجنبية أخرى. لكن مقامه بمصر ثم بشمال إفريقيا لم يحظ باهتمام كبير.

زيارته لمصر كانت جد مهمة في مساره الثقافي والشعري. حل عام 1911 بالقاهرة وافتتن بالثقافة المصرية القديمة، وكتب عنها في العديد من قصائده. كما أثرت زيارة ريلكه لمصر على شعره بشكل كبير، حيث بدأ يكتب عن الطبيعة والثقافة والهوية.

مصر، أرض الأهرامات القديمة

حيث الأموات يعيشون في الصمت

حيث النيل يتدفق، يغذي الأرض

ويعطي الحياة للأحياء“.

تردد كثيرا في زيارة للجزائر حيث أجل في أكثر من مرة زيارته لهذا البلد. غير أنه أقام  بتونس ما بين 1911-1912 وتشبع باللغة والتراث العربيين

كل مدينة كان يزورها هي عبارة عن مرآة يقرأ فيها ذاته ووجوده العابر لكن الكثيف. تمت هذه الزيارات بعد أن داعت شهرته ورسخ موقعه في المشهد الشعري والنثري من خلال كتابه «رسائل إلى شاعر شاب». ويتقدم الكتاب على شكل  10 رسائل وجهها ريلكه ما بين 1903 و 1908 لشاب في اسم فرانتز كابيس وكان طالبا عسكريا بالمدرسة العسكرية والذي لم تكن له به أية علاقة.

عن حياة ريلكه تصدق الصورة الصوفية التي استعملها جلال الدين الرومي لما تحدث عن «الفراشة التي تحترق في لهيب الشمعة». شغوف، عاشق، تائه في ترحاله. لم يتسن له إكمال مشواره حيث اختفى سنة 1926 عن سن 51 عاما على إثر إصابته بداء السرطان. بما أن الشاعر يعتبر مرجعا شعريا حداثيا… عربيا، ماذا لو كنا قد قمنا بالتفاتة تكريم في حقه في مناسبة 150 عاما على ولادته؟  

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!