رسائل نارية في سماء الشرق الأوسط… التوتر يبلغ ذروته
عقيل وساف
بين ليلة وضحاها، استيقظ العالم على مشهد عسكري لم يكن أشد المتشائمين يتوقع حدوثه بهذا الشكل الصادم والمباشر؛ حيث انكسرت كافة قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت منطقة الشرق الأوسط لعقود، وبدأت فصول مواجهة كبرى تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد العمق الإيراني. ما نعيشه اليوم ليس مجرد جولة قصف متبادل، بل هو “انفجار كبير” أُعد له بدقة متناهية، وبدا واضحاً أن عنصر الخداع كان هو المفتاح الأساسي في هذه العملية، إذ اختارت الإدارة الأمريكية توقيتاً غادراً، موهمةً الجميع بأن المفاوضات هي المسار القادم، بينما كانت الطائرات والخطط العسكرية تُجهز لساعة الصفر.
الحقيقة الصادمة تكمن في أن الأهداف لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت “جراحية” تهدف إلى قطع رأس الهرم في النظام الإيراني. التقارير المتواترة تتحدث عن غارات استهدفت المربع الأمني الأكثر تحصيناً في طهران، مع تركيز مكثف على مقر المرشد الأعلى وشخصيات محورية في الحرس الثوري ووزارة الدفاع. وبينما يسود الغموض حول مصير القيادة العليا، فإن الأنباء التي تتحدث عن إصابة أو مقتل شخصيات من الدائرة اللصيقة بالمرشد تعكس حجم الاختراق الاستخباراتي الهائل الذي مهد لهذه الضربة. يبدو أن المراهنة هنا ليست فقط على تدمير المنشآت، بل على خلق حالة من الشلل التام في منظومة القيادة والسيطرة، مما يمهد الطريق لانهيار داخلي أو تحرك شعبي يغير وجه البلاد من الداخل.
في المقابل، لم يتأخر الرد الإيراني كما حدث في مواجهات سابقة، بل جاء سريعاً وعنيفاً في غضون تسعين دقيقة فقط، مما يشير إلى أن طهران كانت تتحسب لهذا الغدر. مئات الصواريخ الباليستية انطلقت لتستهدف ليس فقط العمق الإسرائيلي، بل والقواعد الأمريكية المنتشرة في دول الجوار. هذا التطور وضع المنطقة بأسرها في مأزق وجودي؛ فاستهداف القواعد في دول عربية أثار موجة من الغضب والقلق الإقليمي، حيث وجدت هذه الدول نفسها في خط النار المباشر لمواجهة لم تكن طرفاً فيها. الإيرانيون يراهنون على “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مستغلين جغرافيتهم الشاسعة وعمقهم الاستراتيجي، في حين تراهن واشنطن وتل أبيب على ضربة قاصمة وخاطفة لا تتجاوز أياماً معدودة لتغيير الواقع السياسي بالكامل.
المشهد الميداني يعكس حالة من الغليان؛ المطارات والمرافئ في إسرائيل أُغلقت تماماً وصافرات الإنذار لم تتوقف، بينما تعيش المدن الإيرانية تحت وطأة قصف غير مسبوق استهدف منصات الصواريخ والدفاعات الجوية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: هل تستطيع التكنولوجيا العسكرية المتطورة، مهما بلغت دقتها، أن تحسم معركة بهذا الحجم؟ إن الرهان على إسقاط نظام من الجو هو رهان محفوف بالمخاطر، وتجارب التاريخ تقول إن مثل هذه الحروب قد تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع الجميع. المنطقة اليوم تقف على حافة الهاوية، واليوم الأول من هذه الحرب كشف عن حجم الدمار الذي يمكن أن يلحق بالجميع إذا لم يتم لجم هذا الفتيل المشتعل الذي لا أحد يعرف أين ستنتهي شظاياه.
نحن الآن أمام واقع جديد، حيث سقطت لغة الدبلوماسية تماماً وحلّت محلها لغة “صراع الوجود”. الساعات القادمة ستكون هي الاختبار الحقيقي للقدرة على الصمود؛ فإما أن تنجح الضربة المشتركة في تحقيق أهدافها بتفكيك بنية النظام الايراني، أو أننا سنشهد تمدداً للنيران ليشمل الممرات المائية الحيوية وقوافل الطاقة، مما سيهز أركان الاقتصاد العالمي. إنها لحظة تاريخية فارقة، تُعاد فيها رسم موازين القوى بالحديد والنار، وسط صمت دولي يعكس حجم الذهول مما جرى وما قد يجري في الأيام الدامية المقبلة.
