رهانات وطرق التخلص من عبء الواقع وبؤسه في رواية “زَهْرالصَّبَّار”

رهانات وطرق التخلص من عبء الواقع وبؤسه في رواية  “زَهْرالصَّبَّار”

عبد النبي بزاز

     تعج رواية “زَهْر الصَّبَّار” للروائية التونسية رشيدة الفارسي بأحداث ووقائع تعكس ما يتخبط فيه محيط الراوية من مشاكل وأزمات يفرزها واقع يطوقه الفقر، وتحاصره الحاجة والعوز؛ مما يغرق ساكنته في أدران الرذيلة بشتى مظاهرها، من تعاطٍ لشرب الخمر، وارتماء في حمأة الدعارة، مقابل امتشاق آخرين لرهان تحدٍ مخالف بنهج مسلكيات مغايرة، عبر الكد والجد للخروج من مأزق وضع مزرٍ لتحقيق مرامي تتجسد في بلوغ مراتب أفضل كفيلة بضمان عيش كريم وحياة ميسورة.

وكان حضور الشخوص داخل متن الرواية لافتاً، إن لم نقل طاغياً ومهيمناً، مقارنة بالمكان الذي اقتصر بشكل كبير على حي شخصية “زهرة” المهمش والمنسي. وكذلك الشخصيات ومنها “زهرة” التي برزت بصورة مسترسلة لم يكد يخلو منها فصل من فصول الرواية، ووالدها “البشير العباسي” الذي تكلفت زهرة بتتبع ونقل تفاصيل وسلوكيات من حياته، كما تناوب على الحكي كل من فتحية وصابر وإن ظلت زهرة ممسكة بخيوط الرواية وسير أحداثها، كما جاء على لسان فتحية: “أنا فتحية / أعلن على الملأ / سأتمرد على زهرة بنت البشير العساس / وعلى الراوية وعلى الجميع” (ص 124)، وعلى لسان صابر كذلك: “أنا صابر. / أنا صابر ولد منيرة بنت هنية ‘الشطاحة’. / هل أتمرد أنا أيضاً على زهرة وأقول الحكاية حكايتي والوجع وجعي والغربة غربتي” (ص 124).

فزهرة هي من افتتحت الحكي منذ الفصل الأول: “أنا زهرة / زهرة بنت البشير بن نصر العساس” (ص 14)، معلنة عن سرد حكايتها: “الحكاية حكايتي بكل ما في الفصول من أرق وتوجس وعطالة وصخب ورجاء وتحفز للتجاوز وتطلع إلى الدنيا الكبيرة” (ص 17)، واصفة ومعبرة عن مسار حياتها المليء بالمطبات والمثبطات، ولم تستسلم لذلك، بل أبانت عن عزم قوي وإرادة ثابتة صمدت أمام كل الأنواء والقلاقل والمعوقات إلى أن حققت مبتغاها الدراسي.

فتوالت فصول الرواية بدءاً من وصف البيت الذي احتضنها وما يعمه من فقر وفاقة: “البيت صغير وبسيط. لا شيء فيه يوحي باليسر أو الدعة. الأطفال كثيرون والرزق شحيح والزمن وحش ضار” (ص 17)، وكما تعرضت لتصوير وسطها الأسري، الذي لا يختلف عن محيط الحي: “أغلب البيوت في الحي متشابهة. وحَّد بينها الفقر والجوع والذل” (ص 17)، مستطردة في ذكر بعض مظاهر الفقر وأوجهه من طعام ولباس وعلاج: “فالهدف العزيز هو الخبز حتى وإن كان جافاً، والثوب حتى وإن كان من سوق الملابس المستعملة أو هبة من أحد المتبرعين. وكذلك الدواء الذي نقف من أجله ساعات في الطوابير الطويلة في مستوصف المدينة، وقد تمسكت الأيادي بدفتر العلاج وشهادة الفقر”(ص 34).

فتنتقل لوصف الأم وما تبديه من صبر، وما تتحمله من عناء من أجل أسرة تعيش أوضاعاً بئيسة تفتقر لأبسط شروط الحياة والعيش: “أمي جبل من الصبر. به ومعه نواجه أعاصير الحياة العاتية” (ص 34)، والأب المستهتر بشغله وبشؤون بيته وأسرته في إدمانه على شرب الخمر: “حتى العمل لم يكن حريصاً عليه كثيراً، بل كان لا يبالي، ضعيفاً أمام الرغبة في الشرب” (ص 65)؛ مما أوقعه في حالات أثرت على نفسية أفراد أسرته، مثل الحالة التي فقد فيها وعيه جراء إفراطه في الشرب، وحمله شابان وهو ملقى في الطريق العام فاقد الوعي، متسخ الملابس، وآثار جروح وخدوش على جسمه، إلى منزله: “حالة البشير في تلك الليلة، وهو ملقى كالخرقة البالية، وقد عبثت الخمرة بعقله وجسده النحيل ومظهره، تثير الاشمئزاز والشفقة…” (ص 76)، إلى درجة أن ألصقت به صفة “السوركاجي” من قِبَل سكان الحي الذين لم يستسيغوا تفوق ونجاح أبنائه في الدراسة: “كيف ينجحون كل سنة وبتفوق أيضاً؟! / هكذا تردد نساء الحي وبناته في دهشة وحسد واستنكار” (ص 81).

ولا يخلو الحديث عن حياة أسرتها من الحديث عن الحي الذي يحتضن بيتهم في سياق من تجاذب وتعالق وتقاطع، كما تعبر عن ذلك: “الحي المنسي بيتها الكبير / وسكانه أهلها / تحبهم حتى وإن كانوا بؤساء وتافهين أحياناً. هي تدرك أنهم مساكين وأن الدنيا كثيراً ما جافتهم وأن لقمتهم مُرة مضمخة بالعرق والشقاء. وأن الجهل والفقر قد نخر الكيان وأكسبا الجميع حالة من السطحية والتبلد. ولا سبيل إلى تغيير كل ذلك إلا بالمدرسة والمعرفة. لذلك لا بد أن يدرس الجميع” (ص 100)، مما حفزها على شق طريقها نحو التعلم بداية بالانفتاح على الفنون: “هربت من كل هذا القبح إلى الفنون: السينما والمسرح والموسيقى والأدب والرسم والرقص. / أشاهد وأسمع وأقرأ وأتأمل” (ص 36)، ثم شروعها في ملازمة الِكتاب والانغماس في أجوائه وثناياه من أجل الاطلاع والاكتشاف استجابة لرغبة جامحة في المعرفة التي تبدد جحافل الجهل وتضيء مسالك العلم: “وبمجرد أن تفتح الكتاب وتشرع في القراءة تضيء دنياك أقمار وشموس” (ص 37).

وبعزيمة وإصرار طفقت تجني ثمارها في الدراسة بحصولها على البكالوريا، وما خلفه ذلك من فرحة واحتفال في بيتها وحيها: “نجحت زهرة في البكالوريا / كانت الفرحة في البيت وفي الحي عارمة. / الجميع احتفلوا بهذا النجاح المشرف” (ص 90)، والتحاقها بالجامعة: “أنا زهرة بنت البشير العساس / اليوم أدخل الجامعة” (ص 100)، لتخوض تجربة جديدة بآفاقها ومساراتها في حماس وثقة، متوجة ذلك بإنجاز آخر أرقى وأسمى تمثل في الحصول على الإجازة في الهندسة: “تنهي زهرة دراستها الجامعية بنجاح باهر ومشرف وتتحصل على الإجازة في الهندسة” (ص 179).

لينتقل دور الحكي إلى فتحية، التي تنتابها رغبة ملحة في حكي يُنَفِّس عنها ما تنوء به من ضغط كما تصرح بذلك: “أريد أن أتكلم أنا أيضاً / أريد أن أصرخ عالياً / لقد تعبت من هذا الصمت الخانق يجثم على قلبي ويكتم أنفاسي” (ص 124)، لتحكي ما تعيشه من مضايقات بعد أن فقدت زوجها: “فتحية بعد عزها ودلالها / تعيش اليوم وحيدة تطاردها النظرات الجائعة الوقحة وتستفزها التعليقات” (ص 129). كما لا يفوتها أن تدرج ضمن حكايتها ما يعيشه الحي من ظروف قاسية محفوفة بالجهل والفقر والعوز: “سأدخل بيوت الحي المنسي بيتاً بيتاً. / وسأصغي إلى أنين الحيارى والمقهورين / وسأردد بكل الأسى والغضب: تَبّاً للفقر / تباً للجهل / تباً للخواء حين يعشش في العقول والبيوت” (ص 131)، سلاحها في ذلك العزيمة والإرادة على مواجهة واقع مثقل بالنكبات والنكسات مقتدية بزهرة، التي رغم قساوة حياة تعتورها الآفات والأعطاب، ووسط أسري مختل يقوده أب متهور ولا مسؤول منغمس في شرب الخمر: “زهرة صبرت وأصرت على أن تصل مهما طالت الرحلة، ومهما عَكَّر البشير العساس عليها صفو حياتها، ومهما جعلت دموع أمها الصامتة دنياها جحيماً لا ينتهي” (ص 132)، نجحت في تحقيق ما تصبو إليه من خلال ما حققته من نتائج مرضية في دراستها.

ويُبادر صابر لرواية حكايته مُعَرِّفاً في البداية بنفسه: “أنا صابر. / أنا صابر ولد منيرة بنت هنية ‘الشطاحة’. / هل أتمرد أنا أيضاً على زهرة وأقول إن الحكاية حكايتي / والوجع وجعي / والغربة غربتي” (ص 133)، معتبراً الحكي تعرية لواقع مُضْنٍ ومرير، وتنفيساً عن كربة النفس ومعاناتها: “ولا بد أن أتكلم، ما دام الكلام كشفاً للمستور وبلسماً للنفوس العليلة” (ص 133)، واصفاً وضعه البئيس كطفل مجهول الأب والنسب: “أنا صابر الطفل الضئيل أقف أمام باب المدرسة. أحاول أن أقترب من الأطفال، فتصدني نظراتهم وتوقفني كلماتهم القاسية: ‘اللقيط… لا نريده بيننا’… تسقط الكلمات على سمعي كسياط تلسع روحي وتدمي قلبي…” (ص 133).

مما حفزه للانكباب على الدراسة لتغيير وضعه المتأزم والرقي بحياته إلى الأفضل: “أقبل على الدرس بكل شغف، لا شيء غير الدرس سينتشلني من هذا المستنقع. لا شيء سيجعلني أنسى / أنسى أنني بلا أصل بلا سند، بلا اسم يتوج شهادة الميلاد” (ص 134)، وهو ما نجح في تحقيقه فارتقى في مدارج التفوق الدراسي؛ الشيء الذي جلب عليه انتقادات ممزوجة بالحقد، لم تثنه عن مواصلة طريق الجد والاجتهاد: “وكانت أولى الخطوات على الطريق هي النجاح في الدراسة وحب المعرفة ومصادقة الِكتاب… ثم تَحَوَّل الأمر إلى ما يشبه الحسد… هل يُعْقَل أن يتفوق اللقيط على أبنائنا؟ غريب وعجيب!” (ص 134). فسار بعزم وثبات في طريق نجاح دراسي عوضه عن وضع اجتماعي مُزْرٍ وبئيس: “كنت أنجح كل سنة وبتفوق أيضاً وأنال الجوائز وأطرب حد الانتشاء لكلمات الشكر والثناء” (ص 135)، مما حذا به للثتاء على المدرسة التي احتضنته وأنقذته من براثن الضياع والانحراف: “شكراً للمدرسة لأنها منحتني فرصة لأنقذ نفسي التائهة وأداوي قلبي المكلوم وأستعيد توازني المفقود” (ص 135).

كما نأى بنفسه عن إلقاء اللوم على والدته التي اقترفت خطأً ذهب ضحيته وأدى ثمنه غالياً، لأنها هي أيضاً ضحية مجتمع غارق في الفقر والجهل. كما لم يفته الثناء على زهرة، معتبراً ومقدراً مساندتها له، وحثه على التشبث بالدراسة لتحقيق مبتغاه في تغيير وضعه المنكوب، مؤكداً لها تشابه وضعهما: “لست وحدك يا زهرة، فإذا كنت أنت تعانين من أبوة مبتورة مشوهة، فأنا أيضاً مثلك تماماً / أعيش أمومة عمياء عرجاء، أجهضت قبل أن ترى النور” (ص 143).

فقد تقاسمت فتحية وصابر مع زهرة مهمة الحكي فكسرا هيمنتها على مجرياته، وإن بشكل أقل لأنها حضرت في كل فصول الرواية بشكل بارز، وذلك ما تأكد في آخر فصول الرواية حيث ورد: “زهرة وفتحية وصابر أقانيم الحي المنسي الثلاثة. / رموز وأبطال يستحقون التتويج لو كان في الدنيا ذرة عدل ومنطق… زهرة وفتحية وصابر قصص صبر وتَحَدٍ وعزة… التقوا في الحي المنسي. / وكما جمعهم الفقر والبؤس والشقاء… جمعهم أيضاً الصبر والإباء والكفاح…” (ص 145). ذلك ومن خلال تقاسمهم، ولو بشكل متفاوت، فعل الحكي انطلاقاً من قصصهم الشخصية، وما يجمعهم ويوحدهم من هموم ومتاعب، وأهداف وغايات مدت بينهم جسور المساندة والدعم.

وهناك شخصيات أخرى لم تحظَ بنفس الحضور الذي عرفته زهرة وفتحية وصابر؛ مثل عمار ولد فرطاس بائع الخمر الذي كرهته زهرة بسبب تجارته الحقيرة التي ما تفتأ تدمر عقول شباب الحي المنسي وتقودهم لأفعال عنف وخيمة العواقب عندما تذهب الخمر ببصيرتهم: “كنت كلما رأيته بشعره الأشعث وهو يجر دراجته، محاولاً قصارى جهده ألا تصدر قواريره الخضراء صوتاً يلفت الأنظار، شعرت نحوه بكراهية سوداء، وكم تمنيت موته” (ص 21). وشخصية “دمدوم” الذي يعيش حياة فقر وعوز داخل بيت صغير متآكل الجوانب، لا يملك دخلاً قاراً، يحصل على مبلغ زهيد مقابل ما يقدمه من خدمات للأجوار وأصحاب الدكاكين والمحلات. يتقاسم نفس السكن مع عمته العجوز “تونس” التي فقدت زوجها كما فقد هو والديه، وكانت هي الأخرى تفتقر لأي دخل يوفر مصاريف العيش الكافية لشغلها البسيط في جمع الصوف من البيوت وغسله ثم إعداده خيوطاً لنسج الزرابي والأغطية، وتوفيت بعد معاشرة دمدوم لفترة مليئة بالتوتر والمناكفات، ليبقى وحيداً يعيش أزمة اسمه الحقيقي الذي هو “الطاهر”، وعلاقته المنفلتة من إهاب سطوة رتابة الزمن وركوده مع فتيات مثل (جميلة وسعاد ورحمة ومريم وزينة) لإشباع شهوة يطوقها الكبت والحرمان مقابل مبلغ ينتزعه من مصروف يومي محدود، وعجزه عن الارتباط بعزيزة الفتاة الجميلة التي رفضت ذلك بشكل قاطع: “صارحتها يوماً بحبي لها ورغبتي في طلب يدها فضحكت ضحكة لعوب، وانصرفت وهي تنظر إلي نظرات غائمة كأنها لا تسمعني ولا تراني” (ص 164).

و”سُعْدى” المرأة الشابة العاملة في المزارع والتي فقدت ساقها بعد أن صدمتها سيارة حين عبورها الطريق نحو المزارع، وحالة الحزن والألم التي ألمت بزوجها عمار، ومدى تأثير ذلك على أسرتها وأبنائها. وشخص “محمد بن مبروك الهنداوي” الذي حاول أن يتقرب من زهرة أملاً في ربط علاقة معها، رافضةً ذلك منذ الوهلة الأولى بعد أن اكتشفت طموحه المبني على الانتهازية والأنانية المكشوفة: “كيف لمن قلبها يسع الإنسانية كلها أن تحب شخصاً شعاره في الحياة: ‘أنا ومن بعدي الطوفان'” (ص 64)؛ فهي من جهة تمتلك مواقف ثابتة ذات أبعاد إنسانية، ومن جهة أخرى لا يمكن أن تدخل في تجربة عاطفية اعتباراً لوضعها العائلي المتردي: “الفكر مشغول بالبيت المتهالك، وبالإخوة المهددين بالجوع والتشرد، وبالأم التي تذوي أمامها كشمعة في مهب الريح، وبالأب العنيد الذي لا يفعل شيئاً غير إنجاب الصغار ومرافقة قواريره” (ص 65).

و”رمزي ولد خليفة” الذي وافته المنية بالديار الفرنسية، والذي كانت تجمعه علاقة حب بمنيرة، علاقة توقفت بعد أن طواها النسيان حين انغماسه في صبوات مع النساء وشرب الخمر هناك: “وسافر الفتى، وظلت منيرة تنتظره… لكن الأخبار كانت سيئة، وحبيب القلب شغلته حياته الجديدة في بلاد الأنوار والعطور والحسناوات، فنسي فتاة قلبه” (ص 93)؛ فانخرطت منيرة في حياة جديدة بمعاشرة الرجال مقابل مبالغ مالية حتمتها ظروف الفقر والحاجة وتداعيات انقطاع علاقتها برمزي، وما خلفه ذلك في نفسها من ندوب تستعصي على الاندمال. و”زينة” التي رزئت في ابنها بعد محاولة هجرة فاشلة أودت بحياته. و”هنية” والدة منيرة وجدة صابر، التي كان يجد فيها نعم السند بعد ما لمسه في والدته منيرة من تدنٍ أخلاقي حين استنتج ما وقع لها مع أحد زبائن اصطياد المُتَع الذي اعتدى عليها مخلفاً آثاراً على إحدى عينيها وعلى جبينها؛ مما تسبب في خلق نوع من الجفاء والنفور إزاءها. والتي شكلت وفاتها، أي جدته هنية، صدمة كبيرة في حياته: “ورحلت هنية، رحلت في هدوء ذات ليلة حمقاء خرقاء، رحلت كما يرحل البؤساء الأشقياء” (ص 140).

والخالة خديجة التي تخلى عنها زوجها بداعي العقم وعدم القدرة على الإنجاب، فعاشت وحيدة في غرفة صغيرة بعد وفاة والدتها، تتوزع أوقاتها بالتردد على بيوت الحي لتبديد غول وقت تجلله الوحشة والفراغ. وكلها شخصيات ترتبط في حالة تعالق وتواشج وتقاطع بأحداث يطبعها التشابك والتداخل، وتنجم عنها حالات تتأرجح بين الغبطة والتعاسة، النشوة والبؤس، الأفراح والأقراح؛ لرسم معالم حياة مختلفة المآلات متنوعة المصائر، وإن كانت شخصية زهرة هي التي حظيت بالقسط الأكبر من الحكي، تليها فتحية وصابر.

وتميز أسلوب الرواية، رغم طابع أحداثها البئيس والمأساوي أحياناً، بمسحة رومانسية تتبدى معالمها من أول فصل حيث نقرأ: “زهرة الصبر والصبار أنا / زهرة القمر والبراري أنا / زهرة الحلم والفيافي أنا” (ص 14)، في متحها من معجم تتجاور فيه عناصر طبيعية وكونية من قبيل الزهرة، والقمر، والفراشات، والبلابل، والغصون، والسنابل: “تحلق مع الفراشات والبلابل / تميس مع الغصون والورود والسنابل…” (ص 36). وبتصوير يستخدم التشبيه: “كالشمس تشرق كل صباح لتنشر في الكون الدفء والضياء والحياة. كالنبع يتدفق رقراقاً يروي الأرض العطشى” (ص 103). كما تم تضمين وقائع الرواية وسياق أحداثها أسماء أعلام من عالم الفكر والأدب والفن مثل: سقراط، والجابري، والعروي، وتيزيني، وحنا مينة، ونجيب محفوظ، وأجاثا كريستي، وزولا، والمعري، ودرويش، وبيتهوفن… مما أكسب متن الرواية سعة وتنويعاً وعمقاً.

ولابد من الإقرار بعدم استيفاء مكونات الرواية من عناصر وموضوعات ما تستحقه من إحاطة وإلمام؛ نظراً لطبيعة حيز القراءة وما تتطلبه من جهد ودقة في المقاربة والاستقراء.

*  زَهْرالصّبّار ( رواية ) رشيدة الفارسي .  المطبعة  الثقافية للنشر والتوزيع ـ المنستير تونس2024.

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!