روح الاحتفالية بين مسارح مغلقة وملاعب رياضية مفتوحة
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
هو عام آخر من عمرنا، ومن عمر عالمنا، ومن عمر هذه الإنسانية التي تعبت في البحث عن لحظة فرح، ولقد عاشت طوال سنة كاملة تبحث عن هذا اليوم الجديد، راجية أن يأتي هذا اليوم بالجديد، وأن يأتي هذا الجديد ومعه العيد، وأن يأتي العيد ومعه الفرح الصادق.
هي بداية أخرى إذن في أعمارنا وفي أعمار حياتنا، وهي أعمار محددة ومهددة بما نعرف وما لا نعرف، وذلك هو ما يجعلنا ننطلق فيها من درجة الرجاء، ومن درجة الخوف، ومن درجة التوقع، ومن درجة الحلم. وأعتقد أنه لا شيء أجمل من البدايات الجميلة في المسيرات العمرية الجميلة؛ واليوم هو بداية أخرى في عالم يحتفل بالآتي، والمؤمل أن يكون أجمل وأكمل مما أتى من حيث لا تدري، والذي مضى اليوم إلى حيث لا نعرف.
وبمناسبة مرور سنة كاملة، ذكرني “الفيس بوك” بما كتبته في بداية السنة الماضية، والذي كان بعنوان: (ماذا قال الاحتفالي في بداية هذه السنة التي انتهت؟) وذلك في مقال بعنوان: (العام الجديد يقول لكم: كما سوف تكونون سوف يكون مسرحكم)؛ الحلقة 31 من السلسلة الثانية من هذه الكتابة، والتي أعطيتها عنواناً مركزياً هو: (الاحتفالية في التاريخ والتاريخ في الاحتفالية). ولقد قمت بإعادة نشر نفس المقالة، والتي قدمتها بالكلمة التالية:
“هذا ما كتبته في نهاية السنة الماضية.. وفي نفس نهاية هذه السنة ماذا يمكن أن أقول؟ وما الذي تغير، وما الذي يستعصي على التغيير؟ وماذا بخصوص دار لقمان؟ وهل ما زال الحال فيها كما هو؟“
ولقد اخترت الفقرة التالية من تلك المقالة، حتى أربط الحاضر بالماضي، وحتى أواصل فعل التفكير الاحتفالي، وفي هذه الفقرة أقول: “ويمكن أن نلاحظ اليوم، وبكل أسف، أن نسبة الخصوبة في مجال الإبداع الفكري والفني العربي في تراجع خطير جداً، ويؤسفنا أن يكون الكم في الإنتاج الأدبي والفني متفوقاً على الكيف، وأن تكون قاطرة النمطية اليوم هي التي تقود مجمل المسرح المغربي والعربي، وأن يراهن الكل على السهل غير المقنع وغير الممتع وغير الممتنع، وأن نرى من يشتغل بالحرفة المسرحية يتبع ولا يبدع، وأصبح يتكلم عن المسرح ويكتب عن المسرح أكثر مما يبدع في المسرح، وأكثر مما يمكن أن يكون شيئاً مفيداً في المسرح.
وبمناسبة حلول سنة أخرى جديدة، فإنني أقول لكل المسرحيين الكلمة التالية: ــ لا تنتظروا أن يتغير هذا المسرح من تلقاء ذاته، ومن غير أن تغيروا ذهنياتكم، ومن غير أن تجددوا نظام اشتغالكم بالمسرح، ومن غير أن تعشقوا جماليات المسرح قبل كل شيء. وما لا يمكن أن يختلف حوله اثنان، هو أن الخلق الجمالي وراءه الحب دائماً، وخلفه الشغف؛ وعليه، فإن وجود مسرح بلا حب المسرح ليس مسرحاً، وإن وجود مسرح يغيب عنه الشغف المسرحي بكل ما فيه من قلق ومعاناة، من المستحيل أن يكون مسرحاً حقيقياً“.
مسارح بلا احتفالية.. واحتفالية خارج المسارح
وهذه السنة، بالنسبة للاحتفالي والاحتفالية ولتاريخ الاحتفالية، لها معنى خاص، والذي هو العام الذي تستوفي فيه هذه الاحتفالية خمسين عاماً من عمرها؛ ولقد كانت البداية سنة 1976 ونحن اليوم ندخل سنة 2026. وهذا هو ما يجعلنا اليوم نعيد طرح نفس الأسئلة، والتي وجدت الجواب عنها في مجالات كنا نظن أنها بعيدة عن المسرح، مع أنها لم تكن فعلاً كذلك.
لقد نظرنا لهذه الاحتفالية في المسرح، وقدمناها رسالة فكرية وجمالية لكل المسرحيين المغاربة والعرب، ولكل المسرحيين في العالم أيضاً، وكانت النتيجة أن المسرحيين لم يفهموها، وأن الذين فهموها فهماً صحيحاً وسليماً هم الرياضيون في كرة القدم؛ والذين جعلوا من الكرة فناً، وجعلوا من هذا الفن مناسبة للتلاقي، وجعلوا من المباراة الكروية عيداً، وجعلوا من هذا العيد مناسبة للسؤال الوجودي: (أكائن أنا أم غير كائن؟)، وجعلوا هذا التلاقي الإنساني أيضاً مناسبة لطرح سؤال الهوية: (من نحن في الوجود وفي الواقع وفي التاريخ؟). فكان هذا “الكان” الأفريقي عرساً ثقافياً، تعددت فيه اللغات والثقافات والصناعات والأزياء والأهازيج والرقصات والأخلاق والعادات.
وإذا كانت هذه الاحتفالية، في بعدها الإنساني والكوني، قد غُيِّبت واستُبعدت وحُوربت في برامج الوزارات ومن كثير من المهرجانات الثقافية والمسرحية العربية، فإنها في مهرجانات الكرة قد حضرت؛ ولولا روح الاحتفالية وفلسفة الاحتفالية فهل كانت هذه الأعراس الكروية تبلغ هذه الدرجة من الانتشار ومن الجاذبية ومن السحر ومن الشغف؟
في المهرجانات المسرحية غابت وتغيب الاحتفالية، ويحضر المتكلمون والكلام، وتحضر كثير من الأقنعة، وتغيب كل الوجوه الحقيقية. ومصطلح الاحتفالية يستخدم اليوم في كرة القدم أكثر مما يستخدم في المسرح، مما يدل على أن في هذا المسرح المغربي والعربي كثيراً من الجهل والأمية وكثيراً من سوء النية.
ويبقى السؤال المركب الذي طرحته كثير من الندوات، والذي استحضرته كثير من الكتابات النقدية العربية: من يخاف الاحتفالية؟ وما الذي يُخاف في هذه الاحتفالية؟ وهل في جمال الاحتفالية وصدقها وشفافيتها ما يمكن أن يخيف؟
في الاحتفالية مشاركة، وفيها فاعلية وتفاعل، وفيها اقتسام للأجمل في الحياة، وفيها أجساد وأرواح حية، وفيها مناخ احتفالي وطقس احتفالي، وفيها جهاد واجتهاد، وفيها قفز على “الأنانية” المغلقة إلى “النحنية” المنفتحة على كل الناس وعلى كل الثقافات واللغات.
هم يتحدثون اليوم كثيراً عن الجسد في المسرح العربي، مع أنه في هذا المسرح العربي لا يحضر هذا الجسد إلا باعتباره صورة، أي وهو شكل وكتلة وكثافة، وهو بهذا جسد خشبي، في مسرح خشبي، في عالم خشبي، لا يحسن من كل اللغات الحية إلا لغة واحدة، والتي هي لغة الخشب. أما الجسد الإنساني الحقيقي، بكل أبعاده الحسية والرمزية والظاهرة والخفية، فإنني أشهد بأنني لم أره إلا في مباريات كرة القدم، وهو في هذا المسرح الصادق جسد حي، وراقص، وناطق، ومتفاعل، ومتحرك، وحر؛ وهو جسد ممتلئ لحد الانفجار بالحياة والحيوية، وهو جسد يفعل، وهو مؤمن بما يفعل، ظاهره الفرح وباطنه الفرح، وهو باللعب الجاد يحيا ويحيي اللحظة احتفالية والعيدية، وهو مؤمن بأنه في هذا اللعب يستمتع، وبأنه يصنع المتعة، وبأنه ينشر ثقافة الفرح، والتي هي اليوم أكبر الغائبين والمغفلين في هذا الكائن الرمزي الذي يسمى مسرحاً.
فعل التعييد الاحتفالي بين المسرح والكرة
ونعرف أنه في هذا المسرح العربي تُطرح اليوم كثير من الأسئلة المدرسية الغبية، والتي تناقش البديهي، وتفتعل القضايا التي لا وجود لها، وذلك من مثل: بأية لغة نركب ونبدع المسرحية في هذا الزمان المسرحي الجديد؟ هل بالعربية الفصحى الواحدة أم بالعاميات التي لا يعدها العد؟ ومن أية درجة نبدأ فعل التمسرح؟ هل من الواقع أم من التراث؟ وكأن هذا التراث الحي ليس جزءاً حيوياً من هذا الواقع الحي.
أما في التعييد الرياضي، فإنه لا وجود للكواليس المظلمة، وكل شيء فيه حاضر ومضاء، ولا مجال فيه للغياب ولا لفعل التغييب، ولا شيء يمكن أن ينفي غيره، أو أن يقتل غيره، كما هو الحال في مسرحنا المغربي والعربي. وهنا الحداثة وإلى جانبها تحضر الأصالة، وهنا الروح والجسد معاً، وذلك في ذات واحدة لا تقبل القسمة والتجزئة، وهنا يحضر الزي ورمزيات الزي، وهنا يحضر المعنى وروح المعنى، وهنا تحضر القوة والجمالية، وهنا السرعة في الحركة، وهنا تحضر كل المكونات الثقافية المتعددة والمتنوعة: الغناء والرقص والحركة الموقعة والأقنعة، وهنا يحضر الرمز والرمزية في مسرح اللعب، كما يحضر لدى الجمهور المحتفل والمعيد ثقافياً.
هنا إذن، وفي هذه الاحتفالية الرياضية، العفوية والشفافة، يحضر المادي والمعنوي، ويحضر الحسي والرمزي، ويحضر الواقعي والتاريخي، ويحضر الأسطوري والملحمي، ويحضر كل ما في القلوب وفي النفوس، ويتم الإفراج عن كل ذلك النوع والممنوع، والذي يصبح في هذا المسرح الاحتفالي الصادق مباحاً ومتاحاً، تصرخ به الحناجر بأعلى صوتها، وتترجمه إلى هتافات وشعارات، وإلى فنون بصرية حية، فيها هذيان وحمى وجنون وإبداع جمالي.
وتحضر في هذا التعييد الرياضي القدامة إلى جانب الحداثة، بدون وجود نقاد يرسمون الحدود المدرسية بين ما لا يجوز الفصل بينه؛ لأن اللحظة الاحتفالية واحدة، وهي ملتقى كل الطرق القادمة من كل الحالات ومن كل المقامات ومن كل الثقافات ومن كل الجهات. هنا، لا مجال لوجود لجنة تجتمع في الخفاء لتعطي الجوائز لمن لا يستحقها، وهنا لا يحضر المتكلمون والمثرثرون والمدعون والعرافون، وهنا لا وجود للكواليس الخفية، واللعب هنا يتم على المكشوف وتحت الأضواء الكاشفة، وأمام أعين كل العالم.
وحضرت الاحتفالية.. وغاب المسرحيون
وفي إطار ذلك الجدل الفكري حول هوية المسرح العربي، والذي كان حديثاً مركزياً في كثير من تجارب المسرحيين العرب في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حضر سؤال الوجود وسؤال الهوية، بين أن تكون هذه الهوية المسرحية أو لا تكون، وكيف يمكن أن تكون. ولقد جاءت هذه الاحتفالية من رحم ذلك الفكر التأصيلي والتأسيسي، ولقد كان لابد لها أن تأتي؛ وفي أواسط السبعينيات من القرن الماضي تحديداً أتت، ليس قبل هذا التاريخ ولا بعده. جاءت عندما نضجت الشروط الفكرية والجمالية في الواقع المغربي والعربي الحديث، وجاءت مع جيل جديد من خريجي الجامعة المغربية، وجاءت تحديداً من وطن يسمى المغرب، والذي اختار بعد الاستقلال أن يكون فضاءً للحريات العامة وللتعدد وللتنوع، سواء على المستوى السياسي والنقابي أو على المستوى الفني والفكري.
وانطلاقاً من قانون الحريات العامة لسنتي 1957 و1958 تم استبعاد الحزب الواحد، وتم القفز على النقابة الواحدة وعلى الرأي الواحد، ولهذا كانت الاحتفالية ابنة شرعية للمناخ الليبرالي الذي ارتضاه المغرب لنفسه، والذي هو نفس المناخ الذي عاشه على امتداد قرون طويلة جداً؛ وبهذا فقد كانت هذه الاحتفالية تعبيراً عن رؤية عيدية مركبة للإنسان المغربي، وهي رؤية مركبة تلتقي فيها كل الألوان وكل الثقافات وكل اللغات وكل الحساسيات الجمالية.
وبهذا فقد كانت هذه الاحتفالية أساساً مع كل الفنون في تعددها وتنوعها، وانطلقت من فعل الاحتفال الذي هو روح وجوهر العيد والتعييد؛ ولقد كانت هذه الاحتفالية مع شعرية الفنون الجميلة، وكانت مع سحرية الإبداع الأدبي والفكري، والتي تشكل في مجموعها ملتقى النفوس وملتقى العقول وملتقى الأرواح. وفي المقابل، فإنها لم تكن مع الأيديولوجيات والمذهبيات المغلقة التي تشكل مفترق الأفراد ومفترق الجماعات ومفترق الفئات والطبقات.
بالنسبة للدكتور مصطفى رمضاني، الذي واكب المسيرة الاحتفالية ابتداء من درجة التأسيس إلى الآن، فإن هذه الاحتفالية قد جاءت “لتبشر بنوع جديد من التفكير المسرحي يستجيب لذوق المتلقي وهمومه، بعدما كان المسرح السائد مقلداً للمسرح الأرسطي والغربي منه على وجه الخصوص”؛ هكذا نطق د. مصطفى رمضاني في ندوة (الاحتفالية بالمسرح المغربي: الأصول والامتدادات) بجريدة “المساء“.
احتفالية تبحث عن سلطان الأيام
وهذه الاحتفالية هي تفكير أولاً، وهي تفكير (جديد) ومتجدد ثانياً، وهي مخاطرة فكرية وجمالية ثالثاً، وهي اجتهاد نظري وجمالي رابعاً؛ ولعل أهم ما ميز هذا الاجتهاد (الجديد) أنه جاء في سياقه التاريخي والجغرافي، وأنه قد تم في فضاء متسامح لا يمنع التفكير الحر، ولا يصادر الحق في الاجتهاد، ولا يقصي الآخر المختلف والمخالف. وبهذا فقد كان تأسيس الاحتفالية عنواناً على المناخ السياسي والثقافي الذي تأسست فيه، وكان العنوان الأبرز فيها هو الرغبة في التحول والتطور والتجدد والتجريب، وكان الأساس في اشتغالها هو الانتقال من الاتباع إلى الإبداع، وهو الانتقال من النقل إلى العقل، وهو الانتقال من الصناعة المسرحية إلى الفكر المسرحي وإلى العلم المسرحي؛ مما يدل على أنها كانت تؤشر ـ من حيث تدري أو لا تدري ـ على بلوغ المسرح المغربي العربي سن الرشد الجمالي والفكري والوجداني والنفسي.
وخلف هذه الاحتفالية يكمن الفعل المؤسس بكل تأكيد، وتكمن تلك الأرواح والعقول والنفوس المؤسسة. وبخصوص هذا التأسيس يقول الاحتفالي: “لم يكن هذا التأسيس فعلاً سهلاً، ولقد تطلب الأمر خوض معركة وجود استمرت (خمسة) عقود كاملة؛ في تلك البداية الأولى لم نكن نعرف لهذه الاحتفالية غاية ما، وقد كانت عندنا غاية نفسها، وكانت عندنا ـ وما تزال ـ أعز ما يُطلب. لقد استكتبتنا فكتبنا، واستنطقتنا فنطقنا، وحرضتنا على الاجتهاد والتجريب والإبداع فاجتهدنا وجربنا وأبدعنا”. هذا ما قاله وكتبه الكاتب الاحتفالي في كتاب (أنا الذي رأيت) الصادر عن منشورات “إيديسوفت” بمدينة الدار البيضاء سنة 2016.
وبخصوص علاقة د. مصطفى رمضاني بالاحتفالية فكراً وفناً، يقول د. المنور أبو بكر بأنه هو “أول من عرف بالاحتفالية وقدمها للعالم بصورة علمية، حتى إن بعض كتبه أُدرجت ضمن مراجع مكتبة الكونغرس الأمريكي، وهذا يكفي شهادة على حضوره الوازن في مجال البحث العلمي”. جاءت هذه الشهادة في ندوة (الاحتفالية بالمسرح المغربي: الأصول والامتدادات).
وكل هذا السفر الاحتفالي، وعلى امتداد نصف قرن، كان من أجل أن نصل إلى هذه الحقيقة، وهي أن أجمل ما في الحياة احتفالياتها الصادقة، وأن أجمل ما في التاريخ أعياده الثقافية الغنية؛ وهذه هي الحقيقة البسيطة التي اهتدى إليها الرياضيون، وعرفها واعترف بها كل المسرحيين في العالم، إلا في العالم العربي الذي ما زال يعيش على هامش الحياة، وعلى هامش الوجود، وعلى هامش التاريخ.
