روسيا والصين والحرب ضد إيران

روسيا والصين والحرب ضد إيران

عبد الرحمان الغندور

       كيف يمكن فهم الموقف الروسي والصيني من الحرب ضد إيران والذي يختزله البعض في ثنائية “التواطؤ” أو “التحالف العضوي”،في حين  هو أقرب إلى استراتيجية “الإرهاق المتبادل” وإدارة التوازنات الكبرى التي تخدم مصالح موسكو وبكين بالدرجة الأولى. فالمتابع للمشهد يدرك أن كلا القوتين لا تملكان النية للمخاطرة بمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة من أجل طهران، لكنهما في الوقت ذاته تجدان في التصعيد الأمريكي فرصة ذهبية لاستنزاف القدرات العسكرية والمالية لواشنطن، وإشغالها في جبهة ثالثة (بعد أوكرانيا وتايوان) تمتد لسنوات، مما يؤدي بالضرورة إلى تعريتها سياسياً أمام المجتمع الدولي كقوة “عدوانية” تضرب بعرض الحائط بمواثيق الأمم المتحدة.

روسيا، المنخرطة بعمق في صراعها الوجودي في أوكرانيا، تنظر إلى أي حرب أمريكية ضد إيران كـ “هدية جيوسياسية” تخفف الضغط عن جبهتها الشمالية وتجبر البنتاغون على إعادة توجيه موارده اللوجستية والاستخباراتية نحو الخليج. وموقفها الذي يراوح بين التنديد الدبلوماسي الشديد وبين تقديم دعم عسكري “مدروس” (مثل منظومات الدفاع الجوي وخدمات الأقمار الصناعية) يهدف إلى جعل كلفة الحرب على أمريكا باهظة جداً، وتحويل إيران إلى “فيتنام ثانية” تُستنزف فيها الهيبة الأمريكية. هذا ليس تواطؤاً مع واشنطن، بل هو تكتيك لرفع فاتورة “الانتصار الأمريكي” إلى حد يجعله هزيمة استراتيجية، مع الحفاظ على شعرة معاوية لضمان عدم سقوط النظام الإيراني بالكامل، لأن ذلك سيعني خسارة حليف حيوي في ممر “شمال-جنوب” الاستراتيجي.

أما الصين، فتتعامل مع الأزمة بعقلية “التاجر الاستراتيجي” الذي يراقب من بعيد. بالنسبة لبكين، إيران هي المصدر الأساسي للطاقة الرخيصة ومركز ثقل في مبادرة “الحزام والطريق”، لكن استقرار الأسواق العالمية أهم لديها من بقاء أي نظام سياسي. لذا، فإن موقفها “الهادئ” والداعي لضبط النفس يخفي رغبة في تحويل إيران إلى “مختبر” لاختبار الأسلحة والتكتيكات الأمريكية والاسرائيلية دون أن تطلق الصين رصاصة واحدة. الصين تستفيد من تورط أمريكا في وحل الشرق الأوسط لأنه يعطل استراتيجية “الاستدارة نحو آسيا” التي تتبناها واشنطن لمحاصرة التنين الصيني. وفي الوقت الذي تظهر فيه واشنطن كقوة عسكرية خشنة، تسوق بكين نفسها كقوة سلام ودبلوماسية، مستغلة الحرب لتعرية النموذج الأمريكي اقتصادياً من خلال الضغط على الدولار وإثبات أن الهيمنة الأمريكية هي المصدر الرئيس لعدم الاستقرار العالمي.

في نهاية المطاف، يبدو أن موسكو وبكين قد رسمتا حدوداً واضحة لتدخلهما؛ فهما لن تخوضا حرب إيران بالنيابة عنها، لكنهما ستضمنان ألا تنتهي هذه الحرب بسرعة أو سهولة. هذا “الوقوف على التل” يخدم هدفهما الأسمى في بناء عالم متعدد الأقطاب، حيث تُترك الولايات المتحدة لتصارع “أشباح” استنزافها الذاتي في حروب لا تنتهي، بينما تستمر القوى الشرقية في تعزيز نفوذها الاقتصادي والتقني، بانتظار اللحظة التي تخرج فيها أمريكا من الشرق الأوسط مثقلة بالديون والجراح السياسية، تماماً كما خططت له عواصم الشرق.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!