روسيا وذاكرة الألف عام.. القاعدة التي كتبت على ثلوج روسيا وجيوشها (2)

روسيا وذاكرة الألف عام.. القاعدة التي كتبت على ثلوج روسيا وجيوشها (2)

د. زياد أسعد منصور

بين موسكو ورِتشبوسبوليتا: كيف افترقت طرق ورثة روس القديمة؟

       انتهت الحلقة الأولى عندما وصلنا الى استنتاج مفاده أن رودينا- هي ذاك الوطن بالمعنى الروسي الذي يصعب تقسيم ذاكرته، حول الإرث المشترك والذاكرة الجماعية الواحدة.. هي تلك الكلمة التي انطلقت من كييف-روس سنة 1240، حين دخلت جيوش باتو خان المدينة بعد قرون كانت خلالها أحد أهم مراكز عالم روس القديمة. لكن سقوط كييف لم يكن نهاية تاريخ ذلك العالم، بل بداية إعادة توزيعه على مراكز ومسارات سياسية جديدة. فالشعوب لا تختفي عندما تسقط عواصمها، والثقافات لا تموت عندما تتغير السلالات الحاكمة، والذاكرة لا تتوقف عند اللحظة التي تتغير فيها الخريطة. الذي حدث بعد الغزو المغولي كان أكثر تعقيدًا: بقي تراث روس، لكن مراكزه السياسية بدأت تتباعد، وأخذ سكانه يعيشون داخل دول وتجارب ومؤسسات مختلفة.

بدءا من هذه اللحظة تظهر واحدة من أهم التحولات لفهم التاريخ الروسي–الأوكراني. ففي الشمال الشرقي أخذت مراكز جديدة في الصعود، ومن بينها موسكو التي ستتحول تدريجيًا من إمارة محدودة إلى مركز سياسي قادر على جمع أراضٍ واسعة حولها. وفي الغرب والجنوب دخلت أجزاء كبيرة من أراضي روس القديمة في نطاق دوقية ليتوانيا الكبرى، ثم في فضاء الكومنولث البولندي–الليتواني. وبين المسارين بدأت تتشكل، ببطء شديد، تجارب سياسية واجتماعية ودينية مختلفة.

ولا ينبغي أن نختصر هذه العملية بالقول إن “روسيا انفصلت عن أوكرانيا” أو إن “أوكرانيا انفصلت عن روسيا”، لأن الدولتين والهويتين القوميتين الحديثتين لم تكونا موجودتين بعد بصورتهما الراهنة. الأدق أن نقول إن ورثة العالم الروسي القديم دخلوا بعد انهيار مركزية كييف في مسارات تاريخية مختلفة، ثم بدأت القرون اللاحقة تمنح هذه المسارات معاني سياسية وثقافية وقومية جديدة.

موسكو: من إمارة إلى مركز قوة

لم تكن موسكو في زمن ياروسلاف الحكيم العاصمة التي نعرفها اليوم، ولم تكن في القرن الحادي عشر مركزًا للعالم الروسي. لكن موقعها في الشمال الشرقي، وعلاقتها المعقدة بالنظام المغولي، وقدرة أمرائها تدريجيًا على توسيع نفوذهم، جعلتها تتحول عبر القرون إلى مركز سياسي متصاعد القوة.

ولم يكن صعود موسكو حدثًا مفاجئًا، بل عملية طويلة من التنافس مع مراكز أخرى. ومع الزمن استطاعت إمارة موسكو توسيع سيطرتها، وبدأ حكامها يقدمون أنفسهم بوصفهم موحدي أراضي روس، بينما ارتبطت الكنيسة الأرثوذكسية ومؤسسات الحكم بتعزيز موقع المركز الجديد.

وهنا حدث تحول بالغ الأهمية. لقد بقيت كييف بمثابة الذاكرة التأسيسية، وفي نفس الوقت أصبحت موسكو مركزًا سياسيًا جديدًا، ومن هذه الثنائية سيولد لاحقًا جانب مهم من الصراع على معنى التاريخ. فمن يملك المركز السياسي يستطيع أن يقدم نفسه وريثًا للماضي، لكن وجود الوريث السياسي لا يلغي وجود ورثة آخرين عاشوا في مناطق أخرى من العالم القديم.

الأراضي الروثينية: ماذا تعني الكلمة؟

في الوقت الذي كانت فيه موسكو تصعد في الشمال الشرقي، كانت مساحات واسعة من الأراضي التي تقع اليوم ضمن أوكرانيا وبيلاروسيا تعيش داخل أنظمة سياسية أخرى. وهنا يظهر مصطلح “الروثينيين” أو “الروثينية” الذي يحتاج القارئ العربي إلى فهمه حتى لا يساويه آليًا بالقومية الأوكرانية الحديثة.

فـ”روثينيا” في الاستخدام اللاتيني والغربي كانت مرتبطة باسم روس، واستُخدمت للإشارة إلى أراضٍ وسكان من تراث روس القديمة، ولا سيما في المناطق التي دخلت تحت الحكم الليتواني ثم البولندي–الليتواني. ولذلك عندما نقول “النخب الروثينية” أو “الأراضي الروثينية” فنحن لا نقول إن هؤلاء كانوا “أوكرانيين” بالمعنى القومي والسياسي للقرنين التاسع عشر والعشرين، بل نتحدث عن جماعات شرقية سلافية ذات ميراث ديني ولغوي وثقافي مرتبط بعالم روس القديم، عاشت داخل بيئة سياسية مختلفة عن البيئة التي تطورت فيها موسكو.

وهذا الاختلاف السياسي مهم للغاية. فالناس لا يصنعون هوياتهم من اللغة وحدها؛ بل ما يصنعها أيضا هو المؤسسات والقوانين والكنائس والطبقات الاجتماعية، والحدود، والحروب، والولاءات. وكل قرن قضته جماعات ذات أصل متداخل داخل دول مختلفة أضاف طبقة جديدة إلى الاختلاف بينها.

ليتوانيا وبولندا: بداية تجربة تاريخية مختلفة

أصبحت دوقية ليتوانيا الكبرى قوة واسعة ضمت مساحات كبيرة من أراضي روس القديمة، ولم يكن دخول تلك الأراضي في المجال الليتواني يعني محو تقاليدها فورًا. فقد استمرت عناصر لغوية ودينية وقانونية محلية، وكان الأرثوذكس جزءًا مهمًا من سكان الدولة.

لكن الاتحاد بين ليتوانيا وبولندا، ثم قيام الكومنولث البولندي–الليتواني، أدخل هذه الأراضي في مجال سياسي واجتماعي وثقافي أوسع كانت فيه النخبة البولندية والكاثوليكية تتمتع بثقل كبير. ومع مرور الوقت أصبحت قضايا الدين واللغة والطبقة والامتيازات مرتبطة بصورة متزايدة بمسألة السلطة.

وهنا لا يجوز اختزال التجربة كلها في مشروع واحد لـ«اقتلاع الأرثوذكسية»، مثلما لا يجوز تجاهل أن التنافس الديني كان جزءًا حقيقيًا من الصراع السياسي والاجتماعي. فالحدود بين الكاثوليكية والأرثوذكسية لم تكن مجرد حدود لاهوتية؛ كانت مرتبطة كذلك بالنخب والتعليم والمؤسسات والولاءات السياسية.

اتحاد بريست: عندما دخل الدين قلب السياسة

في سنة 1596 جاء اتحاد بريست ليصبح إحدى اللحظات المفصلية في تاريخ المنطقة. فقد دخل قسم من الأساقفة الأرثوذكس في اتحاد مع روما مع الاحتفاظ بالطقس الشرقي، ومن هذا المسار تطورت الكنيسة التي ستعرف لاحقًا بالكنيسة اليونانية الكاثوليكية.

لكن معنى الاتحاد اختلف باختلاف من يقرأه. فقد رأى مؤيدوه إمكانية للجمع بين الارتباط بالكرسي الروماني والمحافظة على التقاليد الشرقية، بينما نظر إليه كثير من الأرثوذكس باعتباره تهديدًا لاستقلال كنيستهم وهويتهم الدينية وامتدادًا لنفوذ الكاثوليكية والطبقات البولندية.

ومن هنا أصبحت الكنيسة جزءًا من سؤال أكبر: إلى أي فضاء ينتمي سكان هذه الأراضي؟ هل إلى العالم الأرثوذكسي الشرقي المرتبط تاريخيًا بإرث روس وبيزنطة؟ أم إلى المجال السياسي والثقافي للكومنولث الذي أصبح الارتباط بروما أحد مكوناته المهمة؟

ولم يكن الجواب واحدًا عند الجميع، وهذا بالضبط ما يجعل التاريخ أكثر تعقيدًا من الروايات القومية اللاحقة.

القوزاق: مجتمع الحدود الذي تحول إلى قوة سياسية

ومن بيئة الحدود الجنوبية والسهوب ظهر القوزاق بوصفهم قوة عسكرية واجتماعية ستصبح شديدة الأهمية. كان عالم القوزاق مرتبطًا بالحدود وبالحرب وبالاستقلال النسبي عن البنى الإقطاعية التقليدية، ومع الوقت أصبحت جماعات القوزاق، ولا سيما قوزاق زابوروجيه، لاعبًا رئيسيًا في الصراعات السياسية والعسكرية.

ومن صورة القوزاق نفسها ستأتي لاحقًا رموز ستدخل في الهوية الأوكرانية الحديثة، ومنها تسريحة الشعر الشهيرة المعروفة بالأوسيلِديتس، وهي الخصلة الطويلة التي كان بعض القوزاق يتركونها بعد حلق معظم الرأس. ويرتبط أحد التفسيرات الشائعة لكلمة «خُوخُل» بهذه الصورة، وإن كان أصل الكلمة ودلالاتها التاريخية يحتاجان إلى الحذر ولا يجوز تقديم تفسير واحد باعتباره يقينًا نهائيًا.

لكن الأهم من شكل القوزاق كان موقعهم السياسي. فقد وجدوا أنفسهم بين الكومنولث والقرم والعثمانيين وموسكو، وفي منطقة يستطيع فيها الحليف أن يصبح خصمًا، والخصم أن يصبح حليفًا، بحسب تغير ميزان القوة.

خميلنيتسكي: الانفجار الكبير

في سنة 1648 اندلعت الانتفاضة التي ارتبطت باسم بوغدان خميلنيتسكي، وتحولت بسرعة إلى حدث غيّر توازن القوى في المنطقة. كان الصراع متعدد الأبعاد: سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا وعسكريًا، ولم يكن مجرد حرب قومية بالمعنى الحديث بين “أوكرانيا” و”بولندا”.

استعان خميلنيتسكي في مراحل من الصراع بخانية القرم، وهو ما يعيد أمامنا النمط الذي ظهر منذ زمن أمراء كييف: قوة محلية تبحث عن حليف خارجي لمواجهة قوة أكبر. لكن التحالفات لم تكن ثابتة، والمصالح لم تكن متطابقة، ولذلك بقي السؤال قائمًا: كيف يستطيع القوزاق المحافظة على موقعهم بين القوى المحيطة؟

ومن هذا السؤال وصل خميلنيتسكي إلى موسكو.

بيرياسلاف 1654: الحدث الواحد وذاكرتان

تعد بيرياسلاف سنة 1654 من أكثر الأحداث التي اكتسبت معاني متعارضة في التاريخ الروسي والأوكراني. فقد نشأت علاقة سياسية وعسكرية جديدة بين الهتمانات القوزاقية وقيصرية موسكو، لكن تفسير طبيعة هذه العلاقة أصبح لاحقًا موضوعًا لصراع تاريخي كامل.

في السردية الإمبراطورية الروسية، ثم في أجزاء من السردية السوفيتية، أمكن تصوير الحدث باعتباره إعادة توحيد لشعوب تعود إلى أصل تاريخي واحد. أما في قراءات أوكرانية حديثة، فيُنظر إليه بصورة مختلفة: اتفاق وتحالف نشأ في ظروف الحرب، ثم تطور تدريجيًا إلى تضييق على استقلالية الهتمانات وتعاظم سلطة موسكو، وهو تفسير لم يلق رواجا وظهر باعتباره تفسير لحظوي غير مدعم بالوقائع والوثائق.

غير أن النتيجة التاريخية بعيدة المدى واضحة: دخل جزء مهم من المجال القوزاقي في علاقة متزايدة مع موسكو، وبدأ ميزان القوى يميل تدريجيًا لمصلحة الدولة الروسية الصاعدة.

مازيبا: عندما عاد سؤال الحليف الخارجي

بعد نصف قرن تقريبًا عاد المشهد بصورة جديدة مع إيفان مازيبا. كان مازيبا هتمانًا للقوزاق وعمل سنوات في إطار التحالف مع القيصر بطرس الأول. لكن الحرب الشمالية الكبرى غيرت الحسابات. وفي سنة 1708 انتقل مازيبا إلى جانب الملك السويدي كارل الثاني عشر.

وهنا انقسم القوزاق أنفسهم. لم يتبع الجميع مازيبا، وبقي آخرون يقاتلون إلى جانب القيصر بطرس. ولذلك فإن تصوير الصراع باعتباره «روسيا ضد أوكرانيا» سيكون مرة أخرى إسقاطًا لقومية حديثة على واقع سياسي مختلف. كان هناك هتمان غيّر تحالفه، وقوزاق انقسموا حوله، وروسيا والسويد تخوضان حربًا كبرى على موقع القوة في شمال وشرق أوروبا.

بولتافا 1709: معركة صنعت أكثر من انتصار عسكري

جاءت معركة بولتافا سنة 1709 لتكون نقطة تحول كبرى. هُزم الجيش السويدي وحلفاؤه، وتعزز موقع بطرس الأول، وبدأ ميزان القوة في شمال أوروبا يتحول بوضوح لمصلحة روسيا.

لكن بولتافا لم تبق معركة عسكرية فقط. لقد تحولت لاحقًا إلى معركة على معنى التاريخ.  ففي الذاكرة الإمبراطورية الروسية أصبح مازيبا رمزًا للخيانة، الرجل الذي غيّر ولاءه في زمن الحرب وانضم إلى عدو القيصر. وفي تيارات قومية أوكرانية لاحقة أصبح رمزًا مختلفًا. بالنسبة لهم قائدًا حاول الإفلات من السيطرة الروسية وإعادة توجيه مستقبل القوزاق (وهو ما يحاول أن يتقمص زيلينسكي شخصيته)

والشخص نفسه يستطيع أن يكون «خائنًا» في ذاكرة و«بطل استقلال» في ذاكرة أخرى، لأن الذاكرة القومية لا تسأل فقط ماذا فعل الإنسان، بل تسأل: لمن كان يجب أن يكون ولاؤه أصلًا؟

وهذا هو السؤال الذي سيصبح أكثر أهمية مع ظهور القومية الحديثة.

من “روس” إلى الروس والأوكرانيين والبيلاروس

حتى هذه المرحلة لا يزال من الخطأ أن نقرأ كل الأحداث بأسماء الدول الحديثة. فقد كانت الهويات تتغير تدريجيًا، وكانت الانتماءات مترابطة بين الدين، والإقليم، والمدينة، والطبقة، والقوزاق، والولاء السياسي، والانتماء إلى عالم روس.

لكن القرون التي عاش خلالها سكان الشمال الشرقي داخل الدولة الروسية، بينما عاش آخرون في فضاءات ليتوانية وبولندية وقوزاقية، لم تمر بلا أثر. فقد تراكمت الاختلافات اللغوية والثقافية والسياسية، وستدخل القومية الحديثة لاحقًا لتعيد تفسيرها وتحولها إلى أساس لهويات وطنية متمايزة.

وهنا تحديدًا يجب أن نفهم أن التاريخ لا يعطينا خيارين فقط: إما أن نقول إن الروس والأوكران “شعب واحد منذ الأزل”، أو إنهما “شعبان منفصلان منذ الأزل”. كلا التبسيطين يحول التاريخ إلى أداة سياسية.

الحقيقة أكثر تعقيدًا: هناك جذور وتراث متداخلان، وهناك أيضًا قرون من التطور المشترك أدى إلى تشكل هويات حديثة مشتركة.

خاتمة الحلقة الثانية: عندما أصبح السؤال “من نحن”؟

بدأت هذه الحلقة بسؤال من يرث كييف، وانتهت بسؤال أكثر عمقًا: من هم الورثة أنفسهم؟

فبعد المغول لم يختفِ تراث روس، لكنه توزع بين دول ومراكز مختلفة. صعدت موسكو، وعاشت الأراضي الروثينية داخل ليتوانيا والكومنولث، ودخل الدين في السياسة، وظهر القوزاق، واندلعت انتفاضة خميلنيتسكي، وجاءت بيرياسلاف، ثم انقسم القوزاق في زمن مازيبا وانتهت بولتافا بتعزيز صعود روسيا. لكن العالم كان على وشك دخول عصر مختلف تمامًا.

ففي القرنين التاسع عشر والعشرين لن يعود السؤال فقط: لمن يدفع الإنسان الضرائب؟ ولأي ملك أو قيصر يؤدي القسم؟ بل سيظهر سؤال جديد: إلى أي أمة أنتمي؟

وهنا تبدأ الحلقة الثالثة (يتبع).

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!