ريشة ونغم في وجه القبح: رسالة حب وتحدٍ إلى أحمد قعبور
خالد بريش
إلى الحبيب أحمد قعبور… لا تنهزم… لا تنهزم… وأعلنها على المرض ثورة
كانوا في الماضي يبنون للمدن سورًا، ويجعلون الدخول إليها عبر بوابات تُفْتح في أوقات معينة، وتقفل ليلًا. ثم جعلوا لها فيما بعد مداخل: شرقية وغربية وشمالية وجنوبية. إلا أن المدن كانت تعاند كل تلك الهندسات، وتجعل لنفسها بوابات إنسانية أكثر جمالًا وجمالية، تُعبّر عن مكنوناتها ودورها وتأثيراتها في حياة الوطن والمواطنين، وشعوب العالم المختلفة. وهكذا كانت بيروت حيث صنعت لنفسها بواباتها، فارتبط اسمها بمفكريها ومبدعيها على تنوعهم: قلمًا، وموسيقى، وخشبة مسرح، وريشة وألوان، وصحف، وصفحات كتب… مفكرون ومبدعون ملتزمون بقضايا الوطن والأمة والإنسان والإنسانية جمعاء، فوهبت تلك بوابات لبيروت طعمًا، ومذاقًا، وعطرًا، وعبقًا خاصًّا، يُميزها عن غيرها من مدن العالم، ويُرجّح كفتها.
ومن بين بوابات بيروت الجميلة، إن لم نقل الوطن المميزة، الفنان القدير المبدع والملتزم «أحمد قعبور»، الذي ترنم بالوطن من شماله إلى جنوبه، فكان يطوف مدنه وقراه، فيلقاه الصادقون في حبهم لوطنهم، مثله تمامًا، ويحتفون به مرحبين، فشكل بحق رافعة لكل أبناء الوطن المصابين بالإحباط واليأس. وكان بقاؤه وبقية المبدعين في الوطن بين أهلهم، دعوة للجميع بالصمود والتحدي، حتى ولو دفعوا الثمن. وكان من بين أبنائه السبعة الذين ذكرهم في إحدى أغانيه، واحدة جميلة، والأحب إلى قلبه، اسمها «بيروت»، تلك المدينة التي أحبها وعشقها، بالرغم من الحواجز التي قطعت أوصالها يومًا، وبالرغم من عدم وجود الماء والكهرباء، وأحيانًا رغيف الخبز…
فكان وبقية المبدعين والمفكرين سر بيروت، ونبض قلبها، وحاملي همها كلمة ونضالًا وإبداعًا، في الوقت الذي أهملها فيه ساستها، إن لم نقل مَصْمَصوا دمها. فكانوا يعضون على الجراح، ويصبرون ويُصابرون، فغدوا هم الوطن حقًا، بعدما نهب الساسة خيراته، ومدخرات أبنائه… وما زالت كلمات أحد الأصدقاء منذ سنوات تدغدغ مسامعي: «ما إلها إلا أحمد قعبور، بكره بيعمل أغنية ببهدلهم فيها، وبيهز كراسيهم، وبيستحوا على دمهم…!». وذلك عندما عانت بيروت من جبال الزبالة، وانقطاع الماء والكهرباء. وصديقي كان صادقًا بكل تأكيد، لأن كلمات المبدع الفنان والإنسان أحمد، كان سيحفظها ويرددها الملايين من الشمال إلى الجنوب، وتغدو تسابيح وابتهالات كل المسحوقين، وربما انتقلت إلى دول أخرى، إذا ما عانت يومًا نفس المعاناة…
عزيزي أحمد، لا أدري إن كنت تدري، أو لا تدري… أنك كنت بموسيقاك تبني صرحًا كبيرًا للوطن، ومجدًا فنيًا إبداعيًا، بينما كانوا يبنون جبال الزبالة التي تشبههم تمامًا، وكانت ألحانك تشجي الأرواح، باعثة في النفوس طمأنينة، وعواصف من الصبر والتصميم والصمود، بينما كانت روائح فضائحهم تزكم الأنوف، وغدت أشكالهم مقززة، وكلماتهم تبعث على القيء… غنيت لطرابلس بعدما أدار ساستها لها بظهورهم، وأفقروها، وأذلوا أهلها، وطلبت منها أن تسامحهم «سامحيهم يا طرابلس»، ففهم معظم الطرابلسيين رسالتك، وكلماتك المرة، التي فعلت فعلها في نفوسهم، وكأنك كنت تقول مخاطبًا: لا تسامحيهم أبدًا…! غنيت لبيروت المظلومة المنهوبة كبقية بقاع الوطن من قبل طبقة الممسكين بزمام الأمور، والذين في الواقع يشكلون «دولة الـ 3 %»… وغنيت للجنوب الجميل، وحي السلم، وكل الوطن، من دون أن تعرف كلماتك القبح الطائفي والمذهبي، فكرهك الساسة، لأن كل واحد منهم كان يريدك على مقاسه، ومزاجه، وألوان طيفه، وشكله القميء…
عزيزي أحمد… لقد صمدت في بيروت، عندما أخذت السيارات المفخخة تتنقل من حي إلى آخر، لتقتل وتدمر بشكل عبثي، تلك السيارات التي كان يرسلها بعض الأشقاء، وأعداء الإنسانية الصهاينة، هدايا للقتل المجاني بمناسبة وبغير مناسبة. كذلك صمدت في وجه سعار كواتم الصوت المذهبية الحاقدة، التي قطفت أرواح خيرة شباب بيروت، وأقلامها، ومفكريها… ولا يوجد شيء يشبه ذلك الصمود، إلا صمودك اليوم في وجه هذا المرض اللعين، الذي تتحداه بعناد وصبر وتصميم.
واعلم يا عزيزي أحمد… أن كل أصحابك وأحبابك ومعارفك يقفون معك، وإلى جانبك، ويدعون لك بالشفاء العاجل، وإن شاء الله سوف تقهره، لأنه أصغر من أن ينال منك… وكما كنت يومًا مثالًا يُحْتذى في نبض كلماتك وموسيقاك ونضالك، فأنت اليوم مثالٌ يُحْتذى أيضًا في تحديك للمرض، وأنت تصرخ فيه: «ارحل.. ارحل.. ارحل..» وسوف يرحل… سوف يرحل… لنكمل الطريق معك، وإلى جانبك، ونستمتع بصوتك، ونطرب لأوتار ألحانك، ولتنشر بعض أفكارك وعباراتك على الفيسبوك، ونعلق عليها بقلب كبير، أو بابتسامة «ههههه»… ونغني سوية للعيد، ونرفع البيارق، وقد نسامح ساعتها، أو لا نسامح…
عزيزي أحمد… أيها المعلم والأستاذ… اقهر المرض، واصرعه، وألهم كل الذين على فراش المرض العزيمة، والتصميم، والأمل بالنصر على هذا المرض الخبيث، وإياك أن تدعه يشعر في لحظة من اللحظات بأنه انتصر… واعلم أن الغد لك، ولكل محبيك الذين ينتظرون جديد ألحانك وكلماتك، ولكي يهتفوا من ورائك مبشرين بغد آخر، وبثورة تقلب الموازين، ولا شيء آخر غير الثورة…
وفي الختام شكرًا كبيرة لك أيها العزيز أحمد، بالنيابة عن كل محبيك، الذين ما زالوا يعيشون ويقتاتون على ألحان أغانيك، ويرفعون البيارق ويغنون للعيد.. وبالنيابة عن أولئك الذين فجرت كلماتك «يا غضب الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة»، في دواخلهم براكين، فكان حضورك عبر أغانيك في الانتفاضة الأولى والثانية، حضور القائد والربان، الموجه للبوصلة على أرض المعركة، فكنت هناك حاضرًا بالنيابة عنا جميعًا، نحن الذين نَأَتْ بنا الدار… وكانت أغانيك تنبعث من نوافذ بيوت وسيارات أبناء الأرض المحتلة، فترعب الصهاينة والمتصهينين على اختلاف ألوانهم… وأحب أن أخبرك أخيرًا وليس آخرًا، أن «أم أحمد روقت بالها… وأبو أحمد يرقص قبالها…». فقم بنا لكي نشاركهم فرحهم، وقل للمرض عبارة الفنانة ماري منيب الشهيرة: «غور في ستين داهية»…
