رُوَيدَكَ.. في عَجَل!
د. عبد الصمد محيي الدين
لماذا تأخرت؟ «لقد فاتني القطار»؛ «خانني النوم»؛ «اللي زربوا ماتو” (في العجلة الندامة)؛ «العام طويل اللي بغى يربح” (السنة طويلة بما يكفي لمن أراد الفوز)… وغيرها من الأمثال المكرسة التي تكشف عن ذهنٍ عصيٍّ على الانضباط والمسؤولية تجاه الوقت. إن حياة فراشة عادية لا تتجاوز الشهر، ومع ذلك فهي لا تهدر منها جزءاً من مئة من الثانية؛ فهي، غريزياً، مسؤولة أمام الزمن!
لئن كنا نملك خصالاً لا تُنكر، فإن علاقتنا بالوقت، أقل ما يقال عنها، إنها شائكة. ثمة كائنات “مُصرفة” كلياً في صيغة “الماضي الناقص”، إذ نادراً ما نجد أشخاصاً يصلح تأطيرهم في “الماضي الأتم”. هم نقيض أولئك الذين ظلوا في صيغة “المصدر” (بلا فاعلية)؛ لا يستحقون أي نعت، وبعضهم يظل مسمراً في “الماضي البسيط”. وبينما يختبئ البعض في “اسم الفاعل”، لا يعرف آخرون سوى “اسم المفعول”. أما عشاق “صيغة الشرط”، فلن يثبتوا وجودهم قريباً. والأسوأ من كل هؤلاء هم من اتخذوا “صيغة النفي” رسالة لهم! في كل الأحوال، يبدو أننا في خصام أبدي مع الزمن، بقدر ما نتحدى المكان ونعيث فيه خرقاً.
في الوقت الذي تبدو فيه الحياة قصيرة جداً، وبعد أن قطعنا شوطاً طويلاً في القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة، لا نزال، في الواقع، في جفاء تراجيدي مع الوقت. مواعيدنا “مطاطية” بشكل درامي؛ تصل في الموعد، فيتركونك تنتظر لدقائق طويلة بل لساعات، قبل أن يصلوا بلامبالاة متذرعين بسقوط عمة في المرحاض أو وفاة جار بسبب “كوفيد”! وكما يقول المثل العربي: «عذرٌ أقبح من زلّة».
«كيف نعهد بإطلاق صواريخ أو أقمار صناعية، أو بالأحرى صواريخ نووية، لأمثال هذه “الحوادث الكروموسومية”، لهذه الكائنات البشرية الخارجة عن التاريخ؟».. هكذا تساءل يوماً الكاتب الراحل محمد زفزاف. والأنكى من ذلك أن المجتمع استبطن هذا الاحتقار للوقت؛ «الغائب حُجته معه»؛ «لن تذهب إلا حيثما قدّر الله».. إلى آخر هذه المعزوفة. لو أن نبي المسلمين اعتنق مثل هذه الترهات، لما تجاوز الإسلام ضواحي مكة أبداً!
إن غضبي من هذا العيب الاجتماعي لا حدود له. أنا الذي أعيش في باريس منذ أكثر من أربعين عاماً، أُواجه باستمرار بذلك المنطق المخجل: «نحن في المغرب ولسنا في أوروبا!». والأسوأ هي تلك العبارة القاتلة التي يرميك بها هؤلاء الخاملون: «ما كاين باس!» (لا بأس). ولكن “البأس” كله يكمن هناك تحديداً، يا للهول! في كل مرة أزور فيها المغرب، يلحق هذا الهوان الذي يُعامل به الوقت ضرراً لا يوصف بعلاقتي بوطني العزيز.
بالطبع، هذه الملاحظات لا تروق لأحد عندنا. ففي نظر عامة المغاربة، تبدو هذه الأفكار نوعاً من السفسطة، وبالنسبة لغالبيتهم، هي تعقيد لحياة هي أصلاً معقدة بما يكفي. هنا، وبما أن “ديكارت” ليس منا، فكل شيء بسيط.. بسيط بشكل فاجع. هذا التبسيط يفسعني في زمن صار فيه “تعقيد التفكير” هو الملاذ الوحيد. التبسيطية بالنسبة للاستبداد هي كحقوق الإنسان بالنسبة للديمقراطية؛ فهي تطلق رصاصها على أية رغبة في التمييز والعقلانية. “المبسطون” وأقاربهم “البسطاء” يعطلون العقل. وكما يقول مثل فارسي قديم: «عجزوا عن إيجاد عيب في الذهب، فادعوا أن بريقه في الشمس يعمي الأبصار».
لكن ربما أكون أنا من لم يعد يواكب عالمنا، وربما كان مواطنيّ الأعزاء أكثر استباقية مني. فالتفكير المعقد صار اليوم منبوذاً حتى ممن اخترعوه وفرضوه سابقاً. يبدو أن عالمنا تخلى للأبد عن “فن التفصيل والتمييز”. القوتان اللتان تقاسمتا الوصاية على الكوكب منذ الحرب العالمية الثانية (روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة) لم تعودا تحاولان حتى تجميل خطاياهم الجيواستراتيجية بمساحيق قانونية. سرعان ما خاب أملنا غداة سقوط جدار برلين؛ ألم يغزوا العراق باسم الديمقراطية؟ وهل تحول العراق لديمقراطية بعد هجمات بوش الأب والابن؟ أين المنطق في هذه الأفعال النكراء؟ حين أفكر في أن اللغة السومرية (التي أثبتت “لوحة كيش” أنها أقدم لغة في التاريخ) ولدت في بلاد الرافدين، أي في العراق الحالي، وأرى ما دمره الأمريكيون وبرابرة “داعش” هناك بكل استهتار، أقول لنفسي إننا أمام ما يشبه حرباً سوداء ضد “ذاكرة النوع البشري“.
في السياق نفسه، قام “لقطاء فولتير” بتخريب العقل. فلماذا تريدون منهم أن يتركوا لنا الوقت لنتذوق، بدورنا، لذائذ وقيود التفكير المعقد؟ واأسفاه، لم يعد للصرامة الفكرية والمنطق والعلاقة اليقظة بالوقت مكان في عالمنا. فلماذا أعذب نفسي برغبتي في “فرض” مبادئ العقل هذه على مواطنيّ؟ إنه أمر عتيق ومقيت! لقد كتب الأديب والشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة: «عجبت لمن يغسل وجهه عدة مرات في النهار، ولا يغسل عقله ولو مرة في السنة». قد يقال لي إن حكماً كهذه تليق بعصر “العربات التي تجرها الخيول” لا بعصر صواريخ “إيلون ماسك”، وسأتفهم ذلك.
خلاصة القول، لقد أفرغت ما في جعبتي بشأن علاقتنا المرضية بالوقت، وبالتالي بالعقل. ومن باب اليأس، سأترك “للوقت وقتاً” لعلّه يصلح علاقتنا بالوقت.
