سقطة “بزعط”: حين يغتال الخطاب الشعبوي جسور الثقة مع مغاربة العالم
عبد الله النملي
في خرجة صادمة وغير محسوبة العواقب، وضع وزير الصناعة والتجارة نفسه أمام موجة سخط عارمة من النشطاء والجمعويين والجالية المغربية بالخارج، في حفل يفترض أنه مناسبة للتواصل مع النخب والكفاءات، بعدما اختار مخاطبة مغاربة العالم، خلال إفطار رمضاني نظمته رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا، بلغة استنكارية أقرب إلى التوبيخ، تحمل في طياتها استهزاءً وازدراءً، مستعملا تعبيرا سوقيا “بزعط.. بلادك هادي، أنت في منزلك، فهل يجب أن أشكرك لأنك عدت إلى بلدك؟”، معتبرا أن عودة المغربي إلى وطنه “أمر عادي”، ومن يرى في رجوعه قيمة مضافة “فليبق هناك” لأن “الملايين من الكفاءات تنتظر الفرصة”.
وبمجرد تداول مقطع الفيديو على مجموعة من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، انهالت على الوزير الانتقادات. وعبرت أعداد كبيرة من النشطاء، عن استيائهم من استعمال مسؤول حكومي، للفظ ” بزعط “، اعتبره الكثيرون تعبيرا حاطا من مغاربة العالم الذين يرتبطون بالوطن بروابط قوية رغم بعد المسافة. ذلك أن كلمة “بزعط” الدارجة، تصلح لعِتاب عائلي أكثر مما تصلح لسياسة عمومية، وتحمل عند المغاربة، كل وصف جامع لكل نقيصة قبيحة، وهي عبارة يراها آخرون إنها “لم تكن مجرد زلة لسان عابرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة بين الحكومة وجاليتها في الخارج”.
التصريح أثار تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن الخطاب يقلل من قيمة دور الجالية المغربية بالخارج في دعم الاقتصاد الوطني، وعلق آخرون أن “مغاربة العالم ليسوا سائحين موسميين يبحثون عن تصفيق، بل رافعة اقتصادية واستراتيجية حقيقية. وتحويلاتهم التي تناهز بين 11 و13 مليار يورو سنوياً ليست رقماً هامشياً، بل دعامة أساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني، خصوصاً في فترات الأزمات. وخلال سنوات الاضطراب العالمي، كانت تحويلاتهم أكثر صلابة من قطاعات كاملة داخل الاقتصاد”.
وعلق الوزير موضحا ومعتذرا أن “التصريح الذي تم تداوله كان جواباً على سؤال طرحه شخصان في القاعة”، مضيفا أنه “تم اقتطاع جزء من كلامه من سياقه، مما أعطى انطباعاً خاطئاً وكأن حديثه موجه إلى جميع مغاربة العالم. وهذا غير صحيح إطلاقاً”، وتابع قائلا “وإن كان هذا اللبس قد تسبب في أي شعور بالإساءة لدى البعض، فأنا أعتذر عن ذلك بكل صراحة”. ويبدو أن الوزير باعتذاره يكون أزال نسبيا تراكم مشاعر سلبية بين الناس ومغاربة العالم. فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والاعتذار عنه فضيلة أخرى من شيم الكبار. والاعتذار ليس فيه إهدار لكرامة المرء، وليس فيه التقليل من شأنه، أو قلة احترامه، فالاعتذار لا يُسقط الهيبة.
وحتى لا يتكرر الحادث مرة أخرى، يصعب على أي مراقب للشأن المغربي أن يمارس الحياد تجاه تصرفات بعض السياسيين، فهناك الكثير مما يستحق الإدانة من تصريحاتهم. فالمغاربة يؤسفهم التدني المريع في الخطاب السياسي، ولسنا ندري ماذا ألَمّ بأخلاق بعض السياسيين، وهل خرج بعضهم عن جادة احترام الذات حتى يصف مسؤول حكومي أو سياسي رفيع فئة من الشعب بعبارات يأنف الرعاع إتيانها، فما بالك بوزير في الحكومة؟، وهل علمتنا السياسة امتهان السفاهة، فأصبحنا أكثر استعدادا في استعمال بذيء اللغة وسقط الكلام وأتفهه؟.
واليوم أصبح بعض السياسيين، يفضلون التعبير المفتقر لأبسط أسس العمل السياسي الرصين، فانهارت بذلك القيم الأخلاقية قبل السياسية، وأصبحنا نستمع إلى عبارات ومهاترات وتصريحات مقززة، وكلمات جارحة غير مهذبة، خارجة عن جادة الصواب، تفتقد للبصيرة والتبصر، كسُلوك يُجافي مهمة تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية.
يحدث ذلك في الوقت الذي يترحم فيه الكثيرون، على سياسيين كانوا في السابق يعبرون عن أفكارهم بحكمة ونضج في إطار القيم الناظمة للحياة الاجتماعية والسياسية، دون تحقير أو تهديد أو تحريض أو تزييف وقذف، وكان مناوئوهم يناقشونهم بناء على ذلك.
