سلمى مرشاق سليم.. وداعاً لسيدة الحكمة والكلمة المضيئة
عبد الرحيم التوراني
ما هذا القدر الذي يأبى أن يخرجنا من دار النعي والعزاء؟
قبيل أيام رحلت الفلسطينية ليلى شهيد، واليوم يأتي نعي سلمى مرشاق.. لتفقد الثقافة العربية حارستين من حارسات الوعي والحرية.
في صيف عام 2024، وخلال زيارة لـ “دار الجديد” في كنف عائلة المحامي الراحل محسن سليم، نلتُ شرف اللقاء مجددا بالروائية رشا الأمير ووالدتها السيدة الكريمة سلمى مرشاق سليم… يومها أهدتني السيدة سلمى نسخة موقعة من مؤلفها الهام “إبراهيم المصري.. رائد القصة النفسية“، في جلسة لم تخلُ من فيض المعرفة والشغف.
رغم وقار سنها بقيت سلمى مرشاق صديقة للكتب وفية، تسألني بلهجتها الهجين بين المصرية واللبنانية عن مدى معرفتي بأروقة مطتبات بيروت، وبالأخص مكتبة نعمة يافث في الجامعة الأمريكية ببيروت. لم تكن مجرد قارئة بل باحثة شغوفة، أذكر كيف دونت باهتمام أسماء مؤلفين مغاربة ذكرتُهم أمامها، عازمةً على اقتفاء أثر نتاجهم الفكري في رفوف المكتبات التي لم تنقطع عن ارتيادها.
أتذكر، بعد اغتيال ولدها المفكر والمناضل لقمان سليم في فبراير 2021، لم تنكسر هذه السيدة التسعينية، بل أظهرت صمودا أسطوريا يعكس إرثا غنيا من الوعي والإيمان. في حديقة منزلهم بحارة حريك، وأمام ضريح ولدها، لحظة تشييعه، أطلقت كلمات اخترقت الصمت، كلمات لم تلوثها غريزة الانتقام، بل كانت نداءً للحكمة:
“ابتعدوا عن السلاح الذي لا يفيدنا.. فقد أضاع ابني.”
لقد آمنت سلمى بأن الحوار هو الحد الفاصل بين الإنسان الحضاري ووحوش الغابة، وظلت متمسكة بهذا الرقي حتى في أحلك لحظات الفقد.
بوفاة سلمى مرشاق يكتمل فصل مؤلم من حكاية “ثلاث نساء شجاعات” تصدرن مشهد النضال والوفاء في لبنان: رشا الأمير.. الشقيقة والروائية التي حملت إرث الكلمة.
ومونيكا بورغمان.. الزوجة التي صهرت ألمها في العمل التوثيقي والحقوقي.
وسلمى مرشاق.. الأم التي كانت العمود الفقري لهذا الصمود والملهمة الأولى.
لقد اجتمعت إرادة هؤلاء النسوة لتحويل مأساة غياب لقمان سليم إلى مشروع ثقافي وحقوقي مستدام، يرفض النسيان ويتمسك بمحاسبة الجناة.
اليوم رحلت سلمى مرشاق سليم، تلك الشامية المصرية التي علمتنا أن القوة لا تكمن في الرصاص، بل في ثبات الموقف ونبل المحبة وعمق الفكر.
لروحها السلام الأبدي.. وكل العزاء لرشا الأمير ومونيكا بورغمان.
