شعرية المكان وتناص الأسطورة في ديوان “مغارة الريح”

شعرية المكان وتناص الأسطورة في ديوان “مغارة الريح”

عبد النبي بزاز

     إن الاقتراب من عالم إدريس الملياني العاج بالتعدد والتنوع، هو اقتراب من كاتب مبدع على مستوى الشعر، والرواية، والنقد، والترجمة، بما يتوفر عليه من مقدرات هائلة بوأته مكانة مميزة في حقل الكتابة بأصنافها المتعددة، وضروبها المتنوعة. وأثناء مقاربتنا لمجموعته الشعرية “مغارة الريح” الحافلة بغزارة على صعيد العناصر والأدوات التعبيرية والجمالية من إيقاع، وبلاغة، وموضوعات ترتهن لمرجعيات تاريخية ومعجمية، عمدنا إلى التمثيل لبعضها نظراً لطبيعة حيز القراءة وحدودها.

فإيقاعياً، رغم الميزة النثرية للنصوص، فهي لا تخلو من إيقاع متنوع أكسبها خاصية موسيقية متنوعة النبر، حيث يتفرع إلى ما هو خارجي في مثل قوله: “بما لا يقال/ ولا ينكتب/ ما الحقيقة إلا الكذب” ص11، فتنتهي الجمل بحرف الباء، وحرف الدال خارجياً وداخلياً في: “زاداً وحيداً/ وميلاداً جديداً” ص17، الذي يتكرر أربع مرات، كما تُختتم به الجملتان (وحيداً، جديداً)، وحرف الهمزة في: “حورية ماء / تصّاعد ليلاً مثل عمود ضياء… / لتنشّف شعر غدائرها الخضراء” ص11، والجيم في: “وابن السماء المتوّج / وهو الآن / تكسوه غابة عَوْسج!.. ” ص14، كرويّ تُختتم به الجمل (المتوج، عوسج).

وبلاغياً باستخدام الجناس: “بكل مكان/ خراج خراج” ص20، حيث تتكرر كلمة خراج، ونفس الشيء يحدث مع (لكن): “ولكن ولكن، خلفاء / بويحمد السلطان” ص30، و(كيداً، وصاعاً): “يردون كيداً بكيد / وصاعاً بصاع” ص8. والطباق: “العقل فيهم عاطل / والحكماء / كالبهاليل!..” ص37، في مقابلة الحكماء للبهاليل، والميلاد مقابل الوفاة: “لكني / لا أملك / غير شهادة ميلاد / و/ وفاة!..” ص6.

وتتميز المجموعة أيضاً بصور شعرية ذات نَفَس رومانسي كما في نص “حورية الماء”، حيث نقرأ: “لتنشّف شعر غدائرها الخضراء / وتعزف “بالشبابات” / أغانيها / للقمر الفضي / وتتركه / في الفجر قتيل!..” ص10، في مَتْحٍ من معجم طبيعي تؤثثه عناصر من: غدائر، وشبّابات، وقمر… لرسم صورة فجر ندي يغتال ضوء القمر ويمحوه. وتصوير الأسمال المنحوتة من الإبحار، وارتداد السهم، الذي يُخطئ إصابة الأعداء، إلى راميه: “وأسمالي التي قُدّت من الإبحار… / وحين أهمّ أن أرمي / عدواً من أعاديها / الكثار / يصيبني سهمي!..” ص24، وافتراش البرنس: “فرشت فيه برنسها / وتغطت به…” ص40، وانتعال الطفل الراعي للصخر: “ذلك الطفل الذي يرعى الشياه / حافياً ينتعل الصخر…” ص16، والإنصات لهمس الجداول، وشدو العنادل: “لا يشتهي غير همس الجداول… / لا يشتهي غير شدو العنادل” ص42، حيث يتواصل النهل من حياض عناصر الطبيعة ومكوناتها؛ من جداول، وعنادل، وما يخترقها، ويتخللها، ويحيط بها من تصوير عبر إشارات دالة ومعبرة.

وورد كذلك ذكر الكثير من الأمكنة؛ مثل تازة: “جال في تازة: عليا وسفلى” ص4، وواد أمليل: “في أعماق واد أمليل” ص10، وقرية كَلدمان التابعة لمدينة تازة: “كَلدمان/ آه يا كَلدمان” ص13، ونوميديا المملكة الأمازيغية القديمة الواقعة بشمال إفريقيا: “على الطريق نحو نوميديا” ص30، ومدن مغربية من قبيل البهاليل القريبة من مدينة صفرو والتابعة لها في نص يحمل اسم المدينة “البهاليل” ص33، وقبيلة “بني ورياغل” الأمازيغية الريفية التابعة لمدينة الحسيمة حيث نقرأ: “ذبح المذبوح / بني ورياغل!..” ص10، وما يحمله ذلك من فعل إجرامي في حق سكان القبيلة متمثلاً في ذبحهم.

عطفاً على توظيف لأساطير من التراث الحضاري القديم، مثل عشتروت: “يا أخت عشتروت/ أنا ابنكِ الذي به سُررت” ص27، الإلهة الكنعانية التي ترمز للخصوبة، والحب، والجمال، والحرب. وأبي الهول من تماثيل الفراعنة: “رابض / كأبي الهول / في عتبات البيوت / وفوق السطوح…” ص7، والإمبراطور البيزنطي هرقل، والقائد العسكري القرطاجي حنّبعل: “ذلك الطفل هرقل / يأكل النار ويمشي / في حمى حنّبعل” ص16. وعلماء كابن خلدون: “يا ابن خلدون العليم / ظهرنا انهَدّ ولا/ ذنب لدهر” ص18، وقادة وزعماء سياسيين مثل كسيلة البربري: “لا ولا تبر كسيلة” ص19، والزعيم والقائد الفرنسي نابليون: “نهرب من برد إلى جوع / ومن جوع إلى جلاد / كجند نابليون” ص25، وعلي بن يوسف ملك لمتونة، وما ألحقه بها من تخريب ودمار: “لكن علي بن يوسف / ملك لمتونة / أسر السكان / بعد أن خرب هذه المدينة / عنوة / وخربها تخريباً تاماً…” ص32. وتداخل الأمكنة بالشخوص كما حدث لمدينة تازة مع علي باي: “تازة النّكد المرّ/ خضراء/ وا حسرتاه / …على باي ما زال فيها” ص41، الذي أقام بين جنباتها، واحتضنته فضاءاتها.

ونظراً لصعوبة الإحاطة بكل عناصر ومكونات وموضوعات نصوص المجموعة اضطررنا للإشارة إلى بعضها، مما لا يمنعنا من ذكر جوانب أخرى منها ما هو اجتماعي كما يصور ذلك نص “موليليكة”: “ولكن، ليس فيها / سوى دُور حقيرة… / وسكانها فقراء / جلهم فخارون / يبيعون أوانيهم / في فاس / البعيدة… / وهم دائماً / وسخون / ملطخون / بالزيت / وكاهلهم/ مثقل/ بالضرائب / حد البؤس / مع أن مدينتهم هذه / الموليليكة / قد لا تنتج إلا قليلاً / من القمح / لكنها صالحة / للشعير / والقنب / والكتان / وتحيط بها / بساتين كبيرة / مسوّرة / من الزيتون / وأشجار أخرى كثيرة…” ص36، في وصف لسكان موليليكة، وما يعانونه من بؤس تعكسه هيئتهم ومظهرهم من ملابس متسخة، وظروف اشتغالهم ببيع الفخار في مدينة فاس البعيدة، رغم أن بلدتهم تتوفر على منتوج زراعي من قمح، وشعير، وقنب، وكتان، وحقول من شجر الزيتون، وأشجار أخرى. وهو وضع يعكس حالة الحاجة والعوز التي تتمرغ في حمأتها ساكنتها بسبب ما تعانيه من تهميش وعزلة.

ويبرز كذلك عنصر اللغة كمكون جمالي وتعبيري بحمولات تراثية يختزلها معجم يضم مفردات، وعبارات مثل: صبابة، وِجْد، غائلة الجوع، هودج، وعول، خلاخيل، أساور، ضمخت بالخضاب… فضلاً عن عبارات أخرى بالأمازيغية مثل: “مزيداً اطرح السؤال على أكَليد_ن_ ومان / (وهو باللسان البربري / (ملك الماء)…” ص15. إلى جانب ما تقدم من مظاهر إيقاعية، وبلاغية، في شقها الجمالي، وموضوعات بأبعادها الدلالية، فقد تمت الإشارة إلى أحداث تاريخية كـ “عام الجوع” بين سنتي 1944 و1945 كما ورد في نص “الحزن”: “في عام الجوع ولدتُ” ص6، والسلطان المولى إسماعيل، وما أحاط بحياته من أحداث تمثلت في كثرة أولاده، وما عاشوه من تطاحنات حول تولي الحكم بعد وفاته: “خمسون / من أبناء إسماعيل / خمسون حرباً أهلية / القاتل القتيل / والبطل الضحية!..” ص26، حيث حدد عددهم في خمسين، وهناك روايات ترفع عددهم إلى أكثر من ذلك بكثير.

ورغم ما أثرناه من مظاهر إبداعية، ومواضيع مختلفة المرجعيات والرؤى أثثت متن المجموعة، وانخرطت في صلب ثناياها، فلا يمكن أن ندعي استيفاءها ما تستحق من استقراء مقرون بما يكفي من دقة وتدقيق وشمولية لملامسة كل جوانبها، وإضاءة ما خفي من تفاصيلها وخباياها.

* مغارة  الريح (شعر) إدريس الملياني ــ مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء 2001 ـ حاصل على جائزة المغرب سنة 2001  

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!