شعيب حليفي يكتب ما لم يقله الأرشيف
أحمد لعيوني
قراءة في رواية “تقرير إلى الهدهد”
في سياق الاحتفاء بالرواية المغربية وأسئلتها المتجددة، نظم نادي القلم المغربي، بتنسيق مع جمعية آباء وأولياء تلاميذ ثانوية عثمان بن عفان التأهيلية بمدينة الكارة، لقاءً ثقافياً خُصص لقراءة رواية شعيب حليفي “تقرير إلى الهدهد” اللقاء، الذي احتضنته المؤسسة يوم الجمعة 13 فبراير، عرف حضوراً وازناً لتلاميذ وأطر تربوية وفعاليات جمعوية ومثقفين، في لحظة حوارية جمعت بين الأدب والتاريخ والذاكرة.
ساهم في تأطير النقاش أساتذة جامعيون من تخصصات مختلفة، د. محمد معروف الدفالي ود. عبد القادر سبيل ود. نور الدين فردي، حيث قُدمت مداخلات قاربت الرواية من زوايا تاريخية وأدبية، مبرزةً تداخل التخييل مع مساءلة الذاكرة الجماعية.
حين يكتب الأدب ما يغفله التاريخ
تنطلق رواية “تقرير إلى الهدهد” من سؤال جوهري:
ماذا لو كان التاريخ لا يُكتب كاملاً؟
وماذا لو أن بعض الوقائع تعيش خارج الوثيقة، في الذاكرة الشفوية، في الحكايات التي تُروى همساً، وفي التفاصيل التي لا تجد طريقها إلى الأرشيف؟
تعود الرواية إلى أحداث مولاي بوعزة سنة 1973، لا لتقدم سرداً توثيقياً كرونولوجياً، وإنما لتعيد بناء الحدث تخييلياً، مستنطقةً الذاكرة المحلية ومساءلةً السرديات الرسمية. إنها لا تكتب الحدث بقدر ما تكتب أثره؛ لا تنشغل بما وقع فقط، لكنها تعود إلى ما بقي منه في الوجدان الجماعي. وهنا يتحول التاريخ من مادة صلبة إلى تجربة إنسانية، ومن خبر سياسي إلى جرح مفتوح في الذاكرة.
بين الوثيقة والحكاية
لا يتعامل حليفي مع التاريخ بوصفه مرجعاً ثابتاً، لكن باعتباره مجالاً قابلاً لإعادة القراءة. الزمن في الرواية متشظٍ، والأصوات متعددة، والذاكرة تتقاطع مع الحلم. الشخصيات لا تستعيد الماضي بصيغة تقرير رسمي، بل عبر شذرات واسترجاعات مشحونة بالعاطفة والارتباك.
بهذا المعنى، يصبح التخييل أداة معرفة لا مجرد زخرفة سردية. فالرواية لا تنافس المؤرخ، لكنها تكشف ما تعجز الوثيقة عن التقاطه : الخوف، الخيبة، الصمت، والتجارب الصغيرة التي لا تسجلها التقارير. إنها كتابة تقترب من “تاريخ الظل”، ذلك التاريخ الذي يظل حياً في ذاكرة الناس وإن غاب عن السجلات الرسمية.
دلالة العنوان: لماذا الهدهد؟
يحمل عنوان الرواية كثافة رمزية لافتة. فـ”الهدهد” في التراث الديني ناقل خبر، وفي المخيال الصوفي مرشد إلى الحقيقة، وأما في المخيال الشعبي العربي والمغربي هو ذو حمولة رمزية عميقة ترتبط بالحكمة والكشف والمعرفة الخفية. كما يعتقد بأن ابتلاع قلبه نيئاً يورثُ الطفل ذكاءً وفطنةً، أو ما يعرف في الأنثروبولوجيا “السحر التشابهي”. بينما يحيل “التقرير” إلى لغة السلطة والمؤسسة. غير أن المفارقة تكمن في أن التقرير هنا لا يُرفع إلى جهة رسمية، بل إلى طائر رمزي، وكأن الرواية توحي بأن الحقيقة لا تحتاج دائماً إلى ختم إداري، بل إلى ضمير ثقافي قادر على الإصغاء.
الهدهد، بهذا المعنى، يتحول إلى وسيط بين العوالم :
بين الماضي والحاضر،
بين الوثيقة والحكاية،
بين الصوت الرسمي والصوت المنسي.
المخيال الشعبي كأرشيف بديل
من أبرز ما يميز الرواية اشتغالها على المخيال الشعبي بوصفه أرشيفاً بديلاً. الحكايات الشفوية، الرموز الطبيعية، والاستعارات المستمدة من الثقافة المحلية تتحول إلى أدوات لإعادة كتابة الحدث. المخيال هنا ليس ملحقاً بالواقع، بل جزءاً من فهمه.
بهذا الاختيار الجمالي، يمنح حليفي الكلمة لمن ظلوا خارج السرديات الكبرى. فالرواية لا تبحث عن بطولة صاخبة، بل عن أصوات صغيرة، عن حيوات عادية اصطدمت بحدث استثنائي، فتركت في ذاكرتها أثراً لا يمحى.
تحول في المسار الإبداعي
تندرج “تقرير إلى الهدهد” ضمن مشروع سردي انشغل منذ بداياته بالمكان والهامش والذاكرة، كما في “زمن الشاوية” و”مساء الشوق” و”رائحة الجنة”. غير أن هذه الرواية تمثل خطوة أكثر جرأة في مواجهة التاريخ السياسي المباشر.
إذا كانت الأعمال السابقة تستعيد الذاكرة في بعدها الاجتماعي والثقافي، فإن هذا النص يذهب أبعد، إذ يسائل علاقة الأرشيف بالحقيقة، ويعيد التفكير في معنى كتابة الماضي. هنا يبدو نضج واضح في الوعي بوظيفة الرواية : ليست حكاية فحسب، بل مساءلة ثقافية ؛ ليست استعادة حنينية، بقدر ما تصبح تفكيكاً نقدياً.
الرواية كفعل مقاومة للنسيان
في زمن تتراكم فيه الوثائق وتُختزل الوقائع في تقارير رسمية، تأتي “تقرير إلى الهدهد” لتذكّر بأن الذاكرة ليست ملكاً للسلطة وحدها، وأن ما لا يُكتب في الأرشيف قد يجد مكانه في السرد. الرواية ليست بديلاً عن التاريخ، لكنها تعيد توزيع الضوء، وتمنح الهامش حق الكلام.
في ختام اللقاء، أكد شعيب حليفي في تفاعله مع أسئلة الحاضرين أن التخييل هو جوهر العمل الروائي، حتى حين ينطلق من أحداث تاريخية. فالمؤرخ يصف الوقائع اعتماداً على الوثائق والمصادر، بينما الروائي يستنطق المخيال الجماعي، ويعيد تشكيل التجربة الإنسانية في قالب حكائي يتجاوز حدود التقرير.
هكذا تطرح الرواية سؤالها الكبير:
من يملك حق رواية الماضي؟
في “تقرير إلى الهدهد” لا يقدم الجواب بصيغة يقينية، لكنه يذكّر بأن للحكاية قوة لا تقل عن قوة الوثيقة، وأن الذاكرة، مهما همِّشت، قادرة دائماً على العودة والظهور من جديد.
