عبد الهادي بلخياط: رحيل هرم الموسيقى المغربية

عبد الهادي بلخياط: رحيل هرم الموسيقى المغربية

غياب:

     رحل عن عالمنا الفنان القدير عبد الهادي بلخياط (1940-2026)، تاركاً خلفه إرثاً فنياً لا يُمحى، وفراغاً في الساحة الموسيقية العربية لا يملؤه سواه.

لم يكن بلخياط مجرد مطرب بصوت رخيم، بل كان مهندس الأغنية المغربية الحديثة وجسرها نحو المشرق العربي. إذ لعب الفنان الراحل دوراً محورياً في صياغة هوية موسيقية مغربية تجمع بين الأصالة والتجديد، وتميز في مسارين، الأغنية بالعامية بنجاحه في تهذيب الدارجة المغربية وجعلها لغة غنائية رقيقة ومفهومة عربياً، وذلك عبر تعاونه مع شعراء كبار مثل علي الحداني، حيث امتزجت الألحان المغربية الأصيلة بالتوزيع الأوركسترالي الحديث.

كما كان بلخياط من القلائل الذين امتلكوا القدرة على أداء القصيدة الفصحى بتمكن لغوي مذهل وإحساس مغربي خالص. استطاع أن يثبت أن الأداء المغربي قادر على منافسة المدارس الطربية الكبرى في مصر والشام، مما أعطى للأغنية المغربية هيبة كلاسيكية رصينة.

تجاوزت شهرة عبد الهادي بلخياط حدود المغرب لتصل إلى قلب القاهرة وبيروت في عصر العمالقة. وتتجلى مكانته في صوت “الكريستال” والمدى الصوتي، بصوت قوي ومرن في آن واحد، مما سمح له بأداء أصعب المقامات الموسيقية، ووصفه النقاد بـ “صوت المغرب” الذي لا يتكرر.

يعتبر المثلث الفني المكون من عبد الهادي بلخياط غناء وعبد السلام عامر لحناً وعبد الرفيع الجواهري شعراً، هو المختبر الحقيقي الذي صِيغت فيه العبقرية الموسيقية المغربية. هذا التعاون لم ينتج مجرد أغانٍ، بل أنتج “معلقات مغربية حديثة” نقلت الأغنية المغربية من المحلية الضيقة إلى العالمية العربية.

لا يمكن الحديث عن هذا الثلاثي دون التوقف عند “القمر الأحمر”. هذه القصيدة بالفصحى التي كتبها الشاعر عبد الرفيع الجواهري بلسان رومانسي باذخ، وترجمها عبد السلام عامر إلى ألحان “سيمفونية”، وجدت في حنجرة عبد الهادي بلخياط الوعاء المثالي.

كان الفنان الراحل خير ممثل للفن المغربي في المهرجانات الدولية، حيث استطاع تقريب المستمع العربي من الإيقاعات المغربية المعقدة بأسلوب طربي سلس، فنال تقدير عمالقة الفن العربي، وكان يُنظر إليه كأحد أركان “الجيل الذهبي” بجانب عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني.

في سنواته الأخيرة اختار بلخياط الابتعاد عن الغناء العاطفي والتوجه نحو الإنشاد الديني والمديح النبوي. هذا التحول لم ينقص من مكانته، بل أضاف لها بعداً روحياً، حيث سخر صوته القوي لخدمة الكلمة الهادفة، مما جعله يحظى باحترام مختلف الأجيال والتوجهات.

إن رحيل عبد الهادي بلخياط ليس مجرد غياب لفنان، بل هو طي صفحة من أجمل صفحات الرقي الموسيقي المغربي.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!