على هامش تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الجديد حول الصحراء
يوسف مقران
لا أريد أن أقرأ تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الجديد حول الصحراء من زاوية من ربح ومن خسر، ولا أن أدخل في سباق التأويلات الذي يبدأ عادة مع كل وثيقة أممية جديدة. التقرير، المؤرخ في فاتح أكتوبر، يأتي في سياق سياسي جديد، بعد استئناف المفاوضات وعودة الأطراف إلى طاولة النقاش، ويتضمن تفاصيل لافتة حول ترتيبات يجري بحثها لمرحلة انتقالية محتملة، من بينها فكرة مجلس انتقالي وضمانات وآليات للحكم والأمن والانتخابات وغيرها.
لكن وسط كل هذا النقاش، هناك سؤال أعتقد أنه يستحق أن نطرحه على أنفسنا، نحن المغاربة، قبل أن نطرحه على الأمم المتحدة أو على خصوم الوحدة الترابية: ماذا لو كان المغرب قد بنى ديمقراطية حقيقية؟ ماذا لو كان لدينا فصل فعلي للسلط، وقضاء مستقل، وانتخابات تعكس فعلا إرادة الناخبين، ومؤسسات منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية، وحقوق إنسان مصونة في الواقع لا في النصوص فقط؟ ربما كانت قضية الصحراء ستبدو مختلفة تماما.
الدولة التي تحظى بثقة مواطنيها لا تحتاج إلى بذل الجهد نفسه لإقناع الخارج بأنها جديرة بالثقة. طريقة اشتغال مؤسساتها تتحدث عنها. المواطن نفسه يصبح جزءا من الحجة التي تقدمها الدولة أمام العالم. وهنا تحديدا أعتقد أننا لم نستثمر بما يكفي في أقوى ورقة يمكن أن تكون في يد المغرب: الديمقراطية.
لو كان المغربي الصحراوي يعيش في دولة يشعر فيها أن صوته له قيمة، وأن المؤسسات تحمي حقوقه، وأن القانون فوق الجميع، وأن بإمكانه الوصول إلى المسؤول ومحاسبته وتغييره عبر الوسائل الديمقراطية، لكان من الصعب على خصوم الوحدة الترابية أن يقدموا المغرب للعالم باعتباره دولة لا يمكن أن تضمن للصحراويين حقوقهم. بل ربما كنا سنضع هؤلاء الخصوم أمام معركة أصعب بكثير. لأن أفضل رد على خطاب الانفصال ليس دائما خطابا مضادا. أحيانا يكون الرد هو الواقع نفسه. أن تقول للصحراوي الموجود في مخيمات تندوف: تعال وانظر بنفسك إلى الدولة التي ستعيش فيها. دولة تضمن لك حقوقك، وتحمي حريتك، وتمنحك فرصة المشاركة في تدبير شؤون منطقتك، وتتيح لك أن تختلف مع السلطة من دون أن يتحول اختلافك إلى تهمة.
لا أحد يستطيع أن يضمن أن ذلك كان سيعيد جميع الموجودين في تندوف إلى المغرب. القضية أكثر تعقيدا من ذلك، وهناك تاريخ طويل ومصالح وحسابات إقليمية وأجيال ولدت ونشأت في المخيمات. لكن من الصعب إنكار أن دولة ديمقراطية حقيقية كانت ستملك قدرة أكبر على استقطاب هؤلاء وإقناعهم بأن مستقبلهم يمكن أن يكون داخل المغرب.
وهنا نصل إلى الحكم الذاتي. المغرب قدم منذ سنوات مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا واقعيا لقضية الصحراء، والتقرير الجديد يؤكد أن هذا المقترح أصبح أساسا للمفاوضات في المرحلة الحالية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا نحتاج إلى كل هذه الضمانات والترتيبات الدولية إذا كنا قد بنينا أصلا دولة ديمقراطية تضمن الحقوق والحريات وتمنح المؤسسات المحلية صلاحيات حقيقية؟ لو كان الحكم الذاتي امتدادا طبيعيا لنموذج ديمقراطي قائم في بقية جهات المغرب، لكان من السهل تقديمه باعتباره تطويرا لممارسة موجودة، وليس مجرد صيغة تحتاج إلى سلسلة طويلة من الضمانات حتى يطمئن إليها الآخرون.
وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن مجلس انتقالي وضمانات وآليات انتخابية وأمنية، كما ورد في النقاشات التي يعرضها التقرير، مثيرا للتأمل. لا يعني ذلك أن الأمم المتحدة حسمت هذه الترتيبات أو أنها أصبحت جزءا نهائيا من الحل؛ فهي ما تزال ضمن الأفكار المطروحة في مسار تفاوضي لم يصل إلى نهايته. لكن مجرد الحاجة إلى مناقشة مثل هذه الضمانات يجب أن يدفعنا إلى سؤال أكبر: هل كان بإمكان الديمقراطية المغربية أن تجعل كثيرا من هذه الضمانات أمرا بديهيا؟ أعتقد أن الجواب يستحق التفكير.
نحن نتحدث كثيرا عن الجبهة الداخلية عندما يتعلق الأمر بالصحراء. لكن الجبهة الداخلية لا تصنعها الشعارات، ولا المؤتمرات، ولا الحملات الإعلامية. تصنعها الثقة. والثقة لا تأتي من مطالبة المواطن بأن يثق في الدولة. تأتي من دولة تعطيه أسبابا حقيقية للثقة. من هنا، فإن الديمقراطية ليست قضية منفصلة عن الوحدة الترابية. إنها جزء من معركتها.
الدولة القوية في الخارج تبدأ من دولة قوية في الداخل. والقوة هنا لا تعني فقط الجيش والاقتصاد والعلاقات الدولية. تعني أيضا مؤسسات تحظى بالاحترام، وقضاء يطمئن إليه المواطن، وبرلمانا له معنى، وانتخابات لا ينظر إليها الناس باعتبارها مجرد محطة لتغيير الوجوه، وحقوقا لا تتوقف على مزاج السلطة.
قد ننجح اليوم في الحصول على دعم دولة، ثم يتغير موقفها غدا. وقد تتغير الإدارة في واشنطن، أو تتبدل أولويات باريس ومدريد، أو تظهر مصالح جديدة في المنطقة. العلاقات الدولية لا تعرف الثبات الذي نبحث عنه أحيانا. أما المواطن الذي يشعر بأن وطنه يحمي كرامته وحقوقه، فذلك رهان مختلف تماما. لذلك، ربما ينبغي أن نعيد ترتيب الأولويات في تفكيرنا حول الصحراء.
لا يكفي أن نبحث عن جبهة خارجية داعمة، لأن الجبهة الخارجية تتحرك داخل عالم تحكمه المصالح والحسابات والمتغيرات. الأهم أن نبني جبهة داخلية قوية إلى درجة تجعل أي تغير خارجي أقل تأثيرا علينا. وحينها لن تكون الديمقراطية مجرد فضيلة سياسية نحتاجها لأن العالم يطالبنا بها. ستكون، ببساطة، واحدة من أقوى أدوات الدفاع عن وحدتنا الترابية.
فإذا أردنا أن نقنع الصحراوي أولا، والمجتمع الدولي ثانيا، بأن مستقبل الصحراء يمكن أن يكون داخل المغرب، فعلينا أن نجعل المغرب نفسه نموذجا يجعل هذا المستقبل مقنعا. ربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن نبدأ منها بعد قراءة تقرير الأمين العام الجديد: لا أن نسأل فقط ماذا قال العالم عن المغرب، وإنما أن نسأل أيضا أي مغرب نريد أن نقدمه للعالم، ولأبنائه في الصحراء، وللأجيال المقبلة؟
