عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب

عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب

عبدالناصر عليوي العبيدي

       ليست الثورة مجرّد هبّة غضبٍ عابرة، ولا فورة احتجاجٍ تُطفئها الأيام، بل هي في مفهومها السياسي والاجتماعي مشروع تغييرٍ شامل، غايته إصلاح البنية المريضة، واقتلاع الفساد من جذوره، وإعادة بناء العقد الأخلاقي بين السلطة والمجتمع على أسس العدل والكرامة والمساءلة.

الثورة وعدٌ أخلاقي قبل أن تكون فعلاً سياسياً، وتعهدٌ بأن لا يعود الاستبداد بوجهٍ آخر، ولا يتقمّص الفساد ثوباً جديداً.

غير أنّ التاريخ قديمه وحديثه يعلّمنا أن الطريق بين الثورة وغاياتها ليس مستقيماً دائماً، وأن المنعطف الأخطر فيها هو لحظة التحوّل الصامت: حين تنقلب الثورة انقلاباً، لا بالدبابات وحدها، بل بالعقول والنيات، وبالتأويل الانتهازي لشعاراتها. هنا لا يُلغى الفساد، بل يُعاد توزيعه؛ لا تُسترد الحقوق، بل تُقايَض؛ ولا تُصان التضحيات، بل تُستثمر.

في هذا المنعطف، تتقدّم قوى مسيطرة لا تحمل من الثورة إلا اسمها، فتسعى إلى المكاسب والمناصب، وتتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة، ومع السلطة باعتبارها صفقة.

 تُرفع اللافتات ذاتها، لكن تُفرَّغ من معناها؛ ويُردَّد خطاب الإصلاح، بينما تُترك منظومات الفساد على حالها  أو تُضخّ فيها دماءٌ أشدّ شراهة.

 ويستغلها اتباع النظام المهزوم بترديد المقولة الماكرة لتبرير الانحراف: «الفاسدون الأوائل شبعوا وخفّ نهمهم، ومن حلّ مكانهم ما زالوا جائعين فلو حافظنا على من شبعوا لكان أفضل لنا».

وكأن الجوع إلى الفساد قدرٌ لا يُقاوَم، وكأن الدولة حقل صيدٍ يتناوب عليه الصيّادون.

بهذا المنطق، يتحوّل السباق إلى الزمن نفسه: من ينهب أسرع، ومن يُحكم قبضته أقوى، ومن يسبق إلى الامتيازات قبل أن يُغلق الباب. وتغيب الأسئلة الكبرى: أين الإصلاح؟ أين العدالة؟ أين المحاسبة؟ بل تُستبدل بسؤال واحدٍ فظّ: من معنا ومن علينا؟ فتُقاس الكفاءة بالولاء، وتُقاس الوطنية بالتصفيق، ويُختزل الدم المسفوك في سُلّم ترقية.

وعند إسقاط هذا المشهد على الواقع السوري، تتجلّى المأساة بوضوحٍ أشدّ إيلاماً. فقد خرج السوريون على نظامٍ مجرمٍ فاسدٍ، صادر الدولة وحوّلها إلى مزرعة، وأدار البلاد بمنطق العصابة لا بمنطق القانون. كان الهدف واضحاً: إسقاط الاستبداد وبناء دولة الحق. غير أنّ المأساة لم تقف عند حدّ النظام المخلوع؛ إذ تسلّق على الثورة من تسلّق، وتكاثر حولها من امتهنوا المراوغة والتكويع، فبدّلوا البوصلة، وضيّقوا الأفق، وحوّلوا بعض ساحاتها إلى مسارح نفوذ.

هؤلاء لم يأتوا لإزالة الفساد، بل لإعادة تدويره. لم يحملوا مشروع دولة، بل مشروع حصة. وحين أُتيح لهم موقعٌ أو نفوذ، أعادوا إنتاج الأساليب ذاتها التي ثار الناس عليها: إقصاء، محسوبية، تبرير للانتهاكات، وتسويغ للفشل بلغة المظلومية. وهكذا، بدا وكأن الثورة في بعض تجلياتها تُختطف مرتين: مرةً بقمع النظام، ومرةً بابتذال من ادّعوا تمثيلها.

إن الثورة التي لا تُنقّي ذاتها، ولا تُقيم ميزان القيم قبل ميزان القوى، مهددةٌ بأن تنقلب انقلاباً ناعماً، يبدّل الوجوه ويُبقي الجوهر. والنجاة من هذا المصير لا تكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات، وتكريس الشفافية، وتقديم العدالة على الغنيمة، والحق على الصفقة. فالثورة إمّا أن تكون إصلاحاً شاملاً يقتلع الفساد، أو تتحوّل إن خانتها النخب إلى فصلٍ جديدٍ من كتاب الاستبداد.

وما بين هذين الحدّين، يقف الشعب في سوريا شاهداً على حقيقةٍ لا تقبل التزييف: أن الثورة ليست ضدّ شخصٍ أو نظامٍ فحسب، بل ضدّ ثقافةٍ كاملة.

وأن إسقاط الطغيان لا يكتمل إلا بإسقاط منطقه.

شارك هذا الموضوع

عبد الناصر عليوي العبيدي

شاعر من سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!