غرناطة 2026: استعادة الذاكرة بين جدلية السقوط والإنقاذ والحضارة الغائبة
د. السفير مُحمّد مَحمد خطّابي
في الثاني من شهر يناير/كانون الثاني الجاري 2026، جرى في مدينة غرناطة الاحتفال التقليدي الذي يعيد إلى الأذهان ذكرى سقوط المدينة التي تُعتبر آخر معاقل الإسلام في الأندلس في هذا التاريخ من عام 1492، في أيدي الملكين الإسبانيين الكاثوليكيين “فرناندو وإيزابيل” المعروفين بتعصبهما الأعمى وعدائهما للإسلام والمسلمين.
وقد حرصت السلطات المحلية في المدينة على عدم السماح للمشاركين في هذه الاحتفالات باستعمال الشعارات العدائية، واللافتات العنصرية، ورفع أعلام المناطق الإسبانية الجهوية المطالبة بالانفصال، وكل ما من شأنه أن يحث أو يحرض على العداء والكراهية والبغضاء.
أبو عبد الله الصغير: هل سلّم الحمراء أم أنقذها من الدمار؟
تجدر الإشارة في المقام الأول إلى أن الكاتبة الإسبانية “ماغدالينا لاسالا” تشير إلى “أن أبا عبد الله الصغير، على العكس مما قيل فيه وأشيع عنه بخصوص موقفه المهين بتسليمه مدينة غرناطة للملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيل، فقد كان رجلاً شجاعاً وحكيماً؛ لأنه كان يعرف أنه كان بمثابة الحجرة الأخيرة في طريقٍ كان لا بد له أن يُعبّد. كان يعلم بأنه يمثل نهاية حقبة تاريخية، وبأنه لا يستطيع منافسة تقدم جحافل الجيوش القشتالية ومواجهة استعداداتها العسكرية الهائلة.
كان يعلم أن أيامه قد أصبحت معدودة، ولذلك عهد على إنقاذ أكبر المعالم المعمارية والعمرانية في هذه المدينة، وهي معلمة قصر الحمراء. كان يدرك تمام الإدراك ويعي تمام الوعي كيف أن فرناندو الكاثوليكي الأراغوني المتعنت لم يكن يقف شيء أو عائق في طريقه، فقد أخضع في جميع غزواته السابقة مختلف المدن التي مر بها بعد حصارات دموية طويلة. لذلك، فإن الشيء الوحيد الذي كان في إمكان أبي عبد الله الصغير القيام به في النهاية، هو إنقاذ قصر الحمراء من الدمار؛ إذ إنه لو لم يكن قد سلم مفاتيح المدينة في ذلك الموقف المذل للملكين الكاثوليكيين، لاقتحمت جيوشهما هذا القصر المنيف الفريد في بابه، ولما كان اليوم في وقتنا الحاضر وجود للحمراء“.
الذكرى بين مؤيديها ومعارضيها
وخلافاً للرأي السابق، فقد تباينت الآراء بين السياسيين الإسبان بين مؤيدين ومعارضين حول هذا الاحتفال بهذه الذكرى وجدواها أو عبثيتها. فقد كانت الناطقة الرسمية السابقة للحزب الشعبي في بلدية مدريد، “إسبيرانسا أغيري”، قد استغلت هذه المناسبة وأدلت بتصريحات شوفينية وعدائية ضد الإسلام، قائلة عن يوم الاحتفال بسقوط غرناطة: «إنه يوم المجد للإسبان جميعاً، فمع الإسلام لن تكون لنا حرية». وكانت هذه التصريحات المناوئة قد خلفت موجة عارمة من الانتقادات الساخطة والساخرة، سواء في الصحافة أو الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي، داخل إسبانيا وخارجها.
إلا أنه من جهة أخرى، كان عمدة مدينة غرناطة السابق “فرانسيسكو كوينكا” ــ من الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني ــ المناهض صراحة لهذا الاحتفال المجحف قد صرح: «إن 2 يناير لا يقدم لنا أي قيم ديمقراطية، وهذا الاحتفال تستغله جماعات متطرفة موغلة في الحقد المجاني والكراهية، ومدينة غرناطة لم يتم استرجاعها أبداً، بل تم تسليمها في أجواء سلمية للملكين الكاثوليكيين، والاتفاقيات التي أبرمت خلال هذا التسليم بين الطرفين لم تُحترم ولم تُطبق أبداً».
كما تعالت أصوات أخرى مناهضة لهذه الاحتفالات، وأصدرت بياناً مفاده أن «هؤلاء الذين أُبعدوا وطُردوا وأُخرجوا قهراً وقسراً من ديارهم في هذا التاريخ وبعده لم يكونوا عرباً أو أمازيغ، بل كانوا غرناطيين مثلنا… إننا لم نأتِ لإضرام الضغائن وتأجيج نيران الأحقاد حيال التاريخ، بل لنعترف ونعالج جروح الماضي بيننا لإقامة مزيد من التقارب والتفاهم، والتثاقف والتداني والحوار، نريد أن نقرأ التاريخ ونستخرج منه العناصر الصالحة لنا جميعاً».
الاحتفالات في عيون الشاعر الإسباني أنطونيو غالا
تُرى كيف ينظر المثقفون الإسبان الكبار داخل إسبانيا وخارجها إلى هذه الاحتفالات؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر في هذا المجال ما كان قد قاله الكاتب والشاعر والروائي الإسباني الكبير الراحل “أنطونيو غالا”، فهو يشير في هذا القبيل: “أنه في مرحلة بداية إراقة الدم في إسبانيا، أي في يوم 2 يناير 1492، عندما تم تسليم مدينة غرناطة للملكين فرناندو وإيزابيل من طرف آخر ملوك بني الأحمر أبي عبد الله الصغير، أصبحت إسبانيا فقيرة ومنعزلة وهرمة لعدة قرون، بعد أن أفلت شمس الحضارات السامية العربية الراقية فيها. عندئذ انتهى عصر العلم والحكمة والفنون، والثقافة الرفيعة والذوق والتهذيب. وتم مزج كل ما هو قوطي وروماني بالمعارف العربية البليغة، وكان هؤلاء الذين يطلقون عليه غزواً لا يدركون أنه كان في الواقع فتحاً ثقافياً أكثر من أي شيء آخر، الشيء الذي جعل الإسبان يسبقون عصر النهضة بحوالي قرنين… ظلت إسبانيا بعد ذلك التاريخ تافهة مكروبة، مغمومة، مهمومة، ومخذولة، وكان عليها أن تنظر إلى الخارج، ومن ثم كان ما يسمى بـ (عصر الاكتشاف)“.
جريمة حرائق الكتب
ويضيف أنطونيو غالا: «أن مكتبة قصر الحمراء كان أكبر قسط منها يتألف من مكتبة (مدينة الزهراء) التي كان بها ما ينيف على 600,000 مجلد، وقد أمر بحرقها الكاردينال “سيسنيروس” عام 1501 في مكان يسمى (باب الرملة) في مدينة غرناطة ــ هو اليوم ساحة كبرى ما زالت تحمل نفس الاسم العربي القديم حتى اليوم ــ فاختفت العديد من الوثائق والمخطوطات، وأمهات الكتب النفيسة التي أبدعها علماء أجلاء في مختلف فروع المعارف والعلوم في الأندلس».

ويقال إن الجنود الذين كلفوا بالقيام بهذه المهمة كانوا يخفون بعض هذه المخطوطات أثناء إضرامهم النار فيها في أرديتهم لفرط جمالها وروعتها، إذ كان معظمها مكتوباً بماء الذهب والفضة. ويا لعجائب المصادفات، ففي المدينة نفسها (قلعة النهر/ ألكالا دي إيناريس)، التي نُقل إليها ما تبقى من هذه الثروة المعرفية الهائلة ــ حوالي 4000 مخطوط ــ التي نجت من الحرق، ستكون هي المدينة التي سيولد فيها لاحقاً شيخ الروائيين الإسبان “ميغيل دي سيرفانتس” صاحب رواية «دون كيخوته دي لا مانشا» الشهيرة المستوحاة في غالبيتها من التراث العربي.
تزييف التاريخ
ويشير “غالا” من جهة أخرى أنه اكتشف أن أبا عبد الله الصغير أصبح في عيون الباحثين والمؤرخين والناس مخادعاً، متخاذلاً وجباناً، فهذه كتب التاريخ تصف لنا لحظة التسليم المذل فتقول: «وافق السلطان أبو عبد الله الصغير على شروط التسليم، ولم يكن في مقدوره إلا أن يوافق، وتنازل عن آخر معقل للمسلمين في الأندلس، ووقف مع ثلة من فرسانه بسفح جبل الريحان، فلما مر موكب الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيل تقدم فسلم لهما مفاتيح المدينة، ثم لوى عنان جواده مولياً، ووقف من بعيد يودع ملكاً ذهب ومجداً ضاع. وكان هو بأعماله وسوء رأيه سبباً في التعجيل بضياعه».
وتخبرنا هذه المراجع أنه كانت كلمات أمه خير ما يمكن أن يوجه إليه في هذا المقام، فقد رأته يجهش بالبكاء فقالت له: «إبكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال»! وما زالت الربوة أو الهضبة التي ألقى منها آخر نظرة على غرناطة وقصر الحمراء ثم تنهد فيها تنهيدة حرى عميقة، حيث عاتبته أمه، تسمى باسمه حتى اليوم Suspiro del Moro (زفرة العربي الأخيرة).
تصحيح الحقائق التاريخية
وكان “غالا” كثيراً ما يتعرض في أحاديثه ومداخلاته ومؤلفاته شعراً ونثراً إلى الوجود العربي والإسلامي في إسبانيا، مصححاً الحقائق التاريخية حول مدى تأثير الحضارة واللغة العربية في النفسية والعقلية واللغة الإسبانية، وكان يكرر في العديد من المناسبات قائلاً: «بدون الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا». وهو نفس الرأي الصريح الذي كان يجاهر به الكاتب الإسباني الكبير الراحل “خوان غويتيسولو” كذلك.
وتتضح وجهة نظر “غالا” أكثر من خلال رؤيته لبنية المدن الأندلسية وتكوينها الروحي، فيقول: “إذا سُئلت ما هي الأندلس؟ لقلت إنها عصير غازي يساعد على هضم كل ما يُعطى لها حتى لو كان حجراً، فقد مرت من هنا مختلف الثقافات بكل معارفها وعلومها، إلا أن الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانية ثراءً وتنوعاً، وتألقاً وإشعاعاً، فهي بحق منارة علم وحضارة وعرفان قل نظيرها في تاريخها الطويل. وكانت الإسبانية لغتين: لاتينية وعربية، لكن بعد الملوك الكاثوليك الذين تم الاحتفال بهم وباستلامهم لمدينة غرناطة، جاءت محاكم التفتيش القاسية والهمجية في أعقاب ما سُمي بـ (حروب الاسترداد) التي كانت في الواقع حروباً للاستعباد والاستبداد والتي تركت جروحاً عميقة في الجسم الإسباني، هذه الجروح التي لم تلتئم حتى اليوم“.
أروع المعاني وأجمل الأشياء
ويستكمل أنطونيو غالا باحثاً عن إجابة لسؤاله بأنه «خلال قراءاته المتنوعة العديدة، أو عند كتابته لأي مؤلف جديد حول الحضارة العربية، فإنه كان يكتشف كل يوم حقائق مثيرة تدعو للتفكير والتأمل والإعجاب. فأروع المعاني وأجمل الأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية الإسلامية، بل إن أجمل المهن وأغربها وأدقها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الإدارة والجيوش، الفلاحة، الملاحة، الطب، الاقتصاد، العمارة، البستنة والري، حتى المهن المتواضعة؛ كل هذه الأشياء التي نفخر بها نحن اليوم في إسبانيا، تأتي وتنحدر من العربية وحضارتها. وهذا لم يحدث من باب المصادفة أو الاعتباط، فالعرب والأمازيغ أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسه؟ ذلك أن هذه الحضارة المتألقة كانت قد تغلغلت في روح كل إسباني، فبدون هذه الحضارة لا يمكن فهم إسبانيا، ولا كل ما هو إسباني، بل لا يمكننا أن نفهم حتى اللغة الإسبانية ذاتها. هذه الحقيقة تصدم البعض، إلا أنهم إذا أعملوا النظر وتأملوا جيداً وملياً في هذا الشأن فلا بد أنهم سيقبلون بهذه الحقيقة، فالبراهين قائمة والحجج دامغة في هذا القبيل ولا ريب“.
وجود العرب والبربر في إسبانيا كان فتحاً ثقافياً
ويمضي “غالا” في تصريحاته الجريئة قائلاً: «إن الذي حدث في إسبانيا ليس اكتشافاً أو استعماراً مثلما حدث في أمريكا، فالذي حدث هنا كان فتحاً ثقافياً جلياً، إنه شيء يشبه المعجزة التي تبعث على الإعجاب والانبهار اللذين يغشيان المرء بعد كل معجزة. فقد وصل العرب والبربر إلى إسبانيا وهم يحملون معهم ذلك العطر الشرقي العبق الفواح الذي كانت الأندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين والإغريق. وصل العرب بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الأندلس ذلك العطر الروماني، حيث نتج فيما بعد أو تفتق وانبثق عطر أو سحر جديد من جراء الاختلاط والتجانس، التنوع والتمازج الذي بهر العالم المعروف في ذلك الحين. لم يدخل العرب والأمازيغ شبه الجزيرة الإيبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل إنهم دخلوها فاتحين، مكتشفين، ناشرين لأضواء المعرفة وشعاع العلم والأدب والشعر والحكمة والعرفان، فقد كان كشفاً أو اكتشافاً ثقافياً خالصاً. هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا أن نضعه في الحسبان للإجابة عن ذلك التساؤل الدائم: لماذا لم تلتئم القروح، ولم تندمل الجروح بعد في أمريكا اللاتينية حتى اليوم؟ إسبانيا اليوم تقف في وجه كل ما هو أجنبي وتنبذه وتصده، فالشعب الإسباني تجري في عروقه مختلف الدماء والسلالات والأجناس والأعراق والإثنيات، ومع ذلك ما زالت إسبانيا تظهر اليوم بمظهر العنصرية وتدعي أنها براء من أي دم أجنبي».
اكتشاف العالم الجديد
ويشير غالا في سخرية مرة إلى أن «أي إسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره أن يقوم بأي أعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في إمكانه زراعة الأرض المترامية الأطراف أمامه، وهذا هو السبب الذي أفضى إلى اكتشاف أمريكا، أو ما سُمي في ما بعد بالعالم الجديد. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبون القيام بأي عمل كان عليهم أن يذهبوا وينتشروا في الأرض مكتشفين، وكان الإسبانيون شعباً محارباً، فهم يتدربون منذ ثمانمئة سنة، وكانوا باستمرار ينتظرون ويتحينون الفرصة المواتية للانقضاض على الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثاً عن أرض بكر تعج بالغنى والثراء والثروات، وكانت هذه الأرض هي أمريكا. إن إسبانيا في البلدان التي (غزتها) اتسمت بالعنف، والتنكيل، والتقتيل، والجبروت، والقهر، والغلظة، ولم تعتبر الشعوب فيها شعوباً مسيحية بالمعنى الصحيح للكلمة، وقد نزعت عن هذه الديانة كل صفة للرحمة، والرأفة، والشفقة، والتسامح، وهكذا أصبحت الكاثوليكية اليوم في هذه الأصقاع النائية من العالم أبعد ما تكون عن رسالة السيد المسيح».
تجدر الإشارة في هذا القبيل في ختام هذا المقال، إلى أن معظم هذه التصريحات حول الحضارة الإسلامية في الأندلس كان الكاتب والشاعر أنطونيو غالا قد أدلى بها قيد حياته خلال لقاء جمعه مع الصديق العزيز، الباحث المثابر والأكاديمي المصري المتألق الدكتور “خالد سالم”، المتخصص في الدراسات الأندلسية والمعروف بعلو كعبه في هذا المجال، والذي شاءت الأقدار أن أحظى بشرف التعرف عليه في إسبانيا خلال عملي كمستشار ثقافي بسفارة المغرب في مدريد في الثمانينات من القرن الفارط. مدّ الله حبل الصداقة الخالصة التي تجمعني به طويلاً ومتيناً لا انفصام لعراها الوثقى.
