غواية المتن وقلق الجسد: قراءة في المجموعة القصصية «الليموزين» لصخر المهيف

غواية المتن وقلق الجسد: قراءة في المجموعة القصصية «الليموزين» لصخر المهيف

  نجـيب طلال

أرضية:

      القاص “صخر المهيف” أطل علينا وعلى المشهد الثقافي بمجموعته القصصية «الليموزين»، والتي تُعد الآن ثالث عمل سردي بعد “ذكريات من المنفى السحيق” و”العنزة لولو”. فما الجديد في هذه المجموعة القصصية، والتي عنوانها المطابق لصورة الغلاف يغري بالقراءة للغوص في حمولة الرؤية الجمالية/ الفنية الجديدة للمبدع “صخر”؟

بحيث “الليموزين” (1) دلالة لنوع من السيارات الفاخرة، الفارهة، التي تتميز بطولها وتصميمها الفخم، والتي لا يمتطيها إلا الصفوة من شرائح القوم وذوي المرتبة المخملية؛ حيث كنا فقط نراها في بعض الأفلام “الأمريكية” بالتحديد، لكن أمست (الآن) جزءاً من المشهد العام في العديد من المدن المغربية، وغالباً ما تُستخدم في المناسبات الخاصة كالأعراس، الحفلات، أو لنقل بعض الشخصيات المهمة.

تطلعات:

بالتأكيد النفس البشرية تميل إلى تطلعات أغلبها “مادي” منافٍ للمعنوي، كل مقصدها تحقيق الذات أو التموضع الملائم جوانية محيطها ومجتمعها، وغالباً ما تتقاطع التطلعات بالطموح كرغبة في تحقيق أهداف شخصية أو محاولة لرفع المستوى الاجتماعي أو المادي. لكن في ظل الصراعات النفسية، وأمام اكتساح واضح لليبرالية (المتوحشة)، أصبحت التطلعات عكسية، سلبية/ مدمرة نتيجة خلل في الشرائح الاجتماعية، ولاسيما: “أنَّ الشهوة أقوى من الضمير فعلاً في النفس، وأنَّ الضمير لا يستيقظ إلا نادراً، وبعد وقوع الفعل في الغالب، وأنَّ استيقاظ الضمير لا يكون إلَّا لقمع شهوة تقوم في النفس، أو محاسبة على فعل أتته خضوعاً لشهوة ما، فالشهوة إذن أقوى من الضمير أثراً في السلوك الإنساني” (2) حسب مذهب “أرسطبس” المناقض لتصورات “سقراط”.

وفي المجموعة القصصية التي نحن بصددها، هنالك إشارات متعددة نحو التطلعات، أو بالأحرى تيمات لآثار الشهوة؛ فذكاء الكاتب “صخر المهيف” لعب على لفظة “الليموزين” والتي تم تغيير اسمها، إذ تبين أن المفردة دخيلة كحالة، ويتبين عدم معرفة الشيء، وذلك من خلال (الطاهرة) والدة شيماء: “ستمتطين الليزوزين في ليلة زفافك…” (ص16)، رغم أن ابنتها “شيماء” صححت لها اللفظة، ضمنياً بأن الليموزين بعيدة المنال عنها وعن والدتها، لكن ظل ذاك التطلع البورجوازي حاضراً في ذهنية “الأم”: “- لا… لا… هيّا أجيبي… بماذا تفضلك العرائس اللواتي يركبنها؟ بماذا؟” (ص17).

فهذه القصة إشارة وإحالة ذكية لسوسيولوجية الوضع الذهني والنفسي للشريحة السفلية، “الفئة المحكومة” المصابة بمرض “التطلع”، نموذج “الطاهرة” والتي هي في الأصل من شريحة بدوية، تبيع “التين الشوكي” في ضواحي المدينة، والحوار التالي يوضح هويتها: “- هل أطعمت البقرة؟ – أجل…” (ص15). ويذكي بداوتها، ورغم ذلك كانت تلح على ابنتها، وتزنُّ عليها حينما انبهرت بسيارة “الليموزين”: “إذا كان سفيان يحبك فعلاً فعليه أن يتدبر أمر الليموزين…” (ص18). هنا يتضح لنا أن لا أحد تقريباً (أمسى) يؤمن بوضعه الاجتماعي والاقتصادي، لأن الأغلبية محكومة بمرض التطلع، الذي يوقع صاحبه في الكثير من المطبات والآفات، التي تضر نفسه قبل شريحته.

طبعاً التطلع أنواع حسب رغبات الحالم، بما فيها “الجنسي” كحالة “الغر والجميلة” شخصية القصة الذي هام واستهام بفتاة قرب الشلال: “سأتحمل نار جهنم حتى أحظى بالنوم على صدرك” (ص9). وهذه القصة ذكرتني بـ “يوميات مجنون” لـ (نيكولا غوغول) في شخصية (بوبرشتشين) الذي هام في ابنة مديره ليعيش هلوسات. مثل “رئيس المجلس البلدي” الذي طرح على نفسه قبل أن يطرح الموضوع على (الكاتب العام): “أود أن تنظموا في المستقبل ملتقى وطنياً للقصة الطويلة…” (ص24).

هذا التطلع الخارج عن سياق الواقع، يكشف لنا إشكاليات النفس البشرية المعقدة، مثل الاضطرابات النفسية والتداخل بين الواقع والحلم، كما وقع للحاجة في قصة (الجنازة) حيث سعى أخوها للاستيلاء على ممتلكاتها بتحايل موتها زوراً رفقة أطراف: “تريد أن ترثني حية؟؟؟ تريد أن تأكل عرق غربتي؟؟؟” (ص70). يمكن أن يعطى لها قراءة أخرى: مسألة الطمع نتيجة التطلعات السلبية، لأن الطمع يتسم عادة بالأنانية والسعي المفرط لتحقيق المال أو المنقولات بغض النظر عن العواقب الأخلاقية والقانونية، كقصة (الجثة): “- أريدك أن تتظاهر بأنك جثة… جثة عارية…” (ص72). أطراف ثلاث: الحارس (ثلاجة الأموات) / العجوز (مشعوذة) / عاطل؛ كل واحد اتخذ الموضوع من زاويته، باعتبار أن: “الطمع: نزوع النفس إلى الشيء شهوة له، طمعت أطمع طمعاً وطماعة فهو طمِع وطامِع، وفقد اتفق أن سبب الطمع هو نزوع النفس الإنسانية إلى الشيء المحبوب شهوة له” (3). وبالتالي فالطمع ليس طموحاً، والطموح ليس تطلعاً، بل هو مرض روحي وشغف سلبي للاستحواذ، يتمحور حول الامتلاك السريع دون اعتبار للوسائل أو حقوق الآخرين.

ولهذا فمتون المجموعة القصصية تكشف عن سياق ذهني واجتماعي بالغ التعقيد، أكيد فرضته التحولات المريبة في مجتمعنا تحديداً، والتي تعكس الأبعاد النفسية المعقدة للإنسان. أغلب شخوصها مصابة بـ “الشيزوفرينيا”، تتمظهر بسلاسة أسلوب السرد غير المعقد، ولكنه عميق الدلالات، لهذا يتبين لي من خلال هذه الجمل القصصية بأن: “بين النص والقارئ ثمة مجموعة من الروابط تشكل في نهاية المطاف شرطاً أساساً من شروط التأويل. إن التأويل يصبح في هذا الإطار جزءاً من التعليمات التأويلية التي توجه بها استراتيجية المؤلف قراءة وتلقي النص” (4).

تقاطعات:

الملاحظ في المجموعة عدة تقاطعات، تتفرد بروابط ضمنية رفيعة الحبكة، يتداخل فيها الحلم بالواقع، والواقع بالوهم؛ في “مكان” مفتوح في أغلب القصص، ولاسيما أن (المكان) من بين الأسس الرئيسة في القصة، لأن: “الشخصيات بحاجة إلى مكان تتحرك فيه، والزمن يحتاج إلى مكان يحل فيه، والأحداث لا تحدث في الفراغ، كل ذلك يحتاج إلى إطار يجمعها ليتم تفاعلها بإيجابية لتكوين البناء القصصي، والمكان هو ذلك الإطار” (5). وبالتالي فالغالب في (المكان) البادية محورياً، كما في قصة (الليموزين): “- اتجهت إلى الباب، فاجأها شقيقها الصغير مبتسماً: حمار جارنا البشير جاهز…” (ص22) – أو قصة (الممرضة): “- أعمل بمستوصف القرية…. لا يوجد مستوصف في دوارنا…” (ص28). وفي قصة (التهامي): “- التهامي ينزل من الدوار إلى السوق، التهامي يبيع قنطاراً قمحاً، ويشتري ما تحتاجه الأسرة طيلة أسبوع” (ص36). وفي قصة (الاستمارة): “- كانت تحلب بقرتنا الشهباء بيد أنها طردتني شر طردة واتهمتني بالسخرية” (ص52).

فالغوص في فضاء البادية ليس اعتباطياً بل نتيجة انوجاد السارد/ الكاتب في قلب جغرافية المكان، سيكون هذا احتمالاً إذا ما لم يتم تذييل كل قصة بجغرافية مكان “الحدث”، وأغلبها في (أصيلة/ حد الغريبية)، والذي يذكي هذا الحضور اللافت تقابل (البادية – حد الغريبية / المدينة الصغيرة – أصيلة)، بمعنى هنالك تأثير قوي للمكان على السارد. (قصة الغر والجميلة): “- لم تكن المسافة طويلة، كانت نصف ساعة كافية للوصول” (ص10)، أو في (قصة طويلة): “- هذا من أجل مدينتنا الصغيرة” (ص24)، أو قصة (أطفال في الشمس): “- للسائق قبل أن يبتعدوا عن المدينة الصغيرة” (ص32). دون الدخول في دلالات قوية ومكشوفة (البادية/ المدينة الصغيرة)، مما يمكن أن نتساءل: هل هذه القصص واقعية أم فيها مسحة من الواقعية والتخييل؟ أم فذلكة إبداعية في تحديد البعد الجغرافي الذي يعمل على تنظيم خيال القارئ وترتيب معطيات تصوره.

ومن المكان تفجر تقاطع مثير بين القصص، يتشكل في مسألة الجنس، وليس التجنيس. طبعاً نحن الجنس، ولكن أقصد هاهنا البعد الإيروتيكي الذي استفحل في العديد من الأعمال، منها المسرح (الآن)، حيث أمسى الجنس “منتشر الساقين”. وفي المجموعة، كل القصص تتمحور حوله باستثناء قصة (الممرضة/ قصة طويلة/ الجنازة). هل أراد أن يشير بأن المجتمع لا يزال محروماً ومكبوتاً جنسياً؟ أم هي استيهامات خارج سياق المتن أو علاقة تناظر؟ أم هي محاولة لهتك الطابو إبداعياً؟ لأن النسبة العالية يحضر فيها “الجنس” في المجموعة القصصية؛ إما إشارياً أو إيحائياً أو مكشوفاً: ففي (قصة الغر والجميلة): “- سأتحمل نار جهنم حتى أحظى بالنوم على صدرك” (ص9). أما في (قصة الليموزين): “- إنه دائم الجنون بي… لن تلتقي فخداك في هذه الليلة…” (ص19). أو (قصة التهامي): “وتأوهات الفتيات العاريات تتماوج صعوداً ونزولاً، التهامي يتضايق من الانتصاب، التهامي يمتطي بغلته ويعود بصحبة جاره مسترجعين ما شاهداه” (ص37)… “التهامي يندس في الفراش، التهامي يمد أنامله إلى نهدي زوجته، هذه أول مرة يفعلها منذ زواجه، التهامي يداعب النهدين” (ص38). و(قصة حداثة): “- جمد في مكانه، تمعن صورة شقيقته، لاحظ أن أعلى نهديها بارز وأن أحمر شِفَاهِهَا بارق” (ص41). أما (قصة حب عبر الهاتف): “- صمتت برهة، واغتنم الفرصة ليضع قبلة على شفتيها خلسة من الروَّاد” (ص44). وفي (قصة كوادالوبي): “- قلت لها وأنا أكرع كأساً آخر وأنظر إلى فخديها… فتحت عيني على ظل فتاة نصف عارية تسرح شعرها، لم أعرف من هي في بادئ الأمر…” (ص59)… “وعلى كاحلها ضمادة بيضاء، تبادلنا حديثاً مقتضباً، جلسنا بمقهى صغير وكان الظلام قد استحوذ على المدينة القديمة” (ص62).

فهذه النماذج المنقولة تجعلنا أمام مجموعة قصصية (الليموزين) حساسة ومركبة، من خلال تصوير شبقي تارة وإيحائي تارة أخرى، ليتداخل الجسد بالنفسية. هل هي محاولة من القاص “صخر المهيف” لخلق الإثارة والتشويق لتجسيد رؤيته الكاشفة لهوية الإنسان ووجوده القائم على الأرض؟ أم هي مجرد إثارة مجانية لتكثيف المشاعر لتصوير التشهي وتداخل الجسد بالنفسية؟ لأن: “بنية الموضوع نفسها وصياغته النصية الجديدة هي التي تفسر بصورة واضحة كيف يتم بناء العالم التخييلي، انطلاقاً من عملية تأويل دقيقة ينزاح عبرها بشكل لا رجعة فيه عن التمثلات الذهنية ومرجعيتها الواقعية” (6).

الاستئناس:

  1. الليموزين (مجموعة قصصية): لصخر المهيف، عن دار الوطن للطباعة والنشر – الرباط / 2025.
  2. فلسفة اللذة والألم: لإسماعيل مظهر، ص 30، مؤسسة هنداوي / 2014.
  3. مفردات ألفاظ القرآن: للراغب الأصفهاني، ص 524، دار القلم / 2020.
  4. الجسد والنص والتأويل: لفريد الزاهي، ص 122، إفريقيا الشرق / 2013.
  5. فن القصة: لمحمد يوسف نجم، ص 89، دار الشروق، عمان، ط(1) / 1996.
  6. الجسد والنص والتأويل: المصدر السابق، ص 123.
شارك هذا الموضوع

نجيب طلال

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!