غياب الإرادة السياسية في الإصلاح.. هو إرادة سياسية للإفساد
عبد الرحمان الغندور
إن مفهوم الإرادة السياسية يشكل حجر الزاوية في فهم ديناميات التغيير والإصلاح داخل أي مجتمع. فهو لا يقتصر على مجرد الرغبة الظاهرة أو الخطابات المنمقة، بل يتجاوز ذلك ليكون تعبيراً عن قناعة راسخة واعية، تترجم إلى قرارات جريئة وإجراءات ملموسة وبرامج عمل استراتيجية، مدعومة بموارد كافية وتوقيت مناسب، بهدف تحقيق تحولات عميقة في بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والإرادة السياسية الحقيقية بهذا المعنى هي في جوهرها، إرادة التضحية بالمصالح الضيقة والامتيازات الآنية لصالح المصلحة العامة العليا للوطن والمواطنات والمواطنين عموما لبناء المستقبل المشترك. وهي بالتالي تتجسد في القدرة على مواجهة مراكز القوى والنفوذ، وتحدي الروتين القاتل، وكسر الحلقة المفرغة للبيروقراطية، والقطع مع الممارسات التقليدية القائمة على مفاهيم الرعاية والطاعة والولاء، التي تستنزف طاقات المجتمع وثرواته.
تتجلى مواصفات هذه الإرادة في وضوح الرؤية، حيث لا مكان للإصلاح الحقيقي بدون خارطة طريق محددة المعالم والأهداف. كما تتسم بالشجاعة والجرأة في اتخاذ القرارات الصعبة وغير الشعبوية أحياناً، والتي قد تثير ضدها نخباً مستفيدة من الوضع القائم.
كما أن الاستمرارية عنصر أساسي آخر، فالإرادة ليست لحظة عابرة أو رد فعل ظرفي، بل هي مشروع متواصل يقاوم تقلبات الظروف وضغوط الواقع. وأخيراً، فإن أهم شروط نجاح هذه الإرادة يكمن في المشاركة والتواصل، إذ نادراً ما تنجز إصلاحات جذرية في غياب حوار مجتمعي شامل وحقيقي يشرك مختلف الفاعلين ويكسب التأييد الواسع.
وفي السياق المغربي، يبدو أن تفسير غياب أو انعدام الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح يشكل إشكالية محورية. فمنذ سنوات، والمغرب يعيش على وقع خطاب إصلاحي رسمي يعلن عن نفسه في مناسبات كثيرة، وتعكسه الخطابات الملكية. ولكن الممارسة على الأرض تروي قصة مختلفة، حيث يبدو الغياب جلياً في عدم القدرة المزمنة على إصلاح الاختلالات الهيكلية الكبرى، بدءاً من نظام التعليم المنهك الذي لا يزال ينتج التهميش والبطالة، مروراً بالصحة العمومية المتدهورة، ووصولاً إلى النظام القضائي الذي يعاني أزمة ثقة عميقة مع الشعب. كما يتجلى هذا الغياب في سوء الاختيارات المتكررة، حيث غالباً ما تُعطى الأولوية لمشاريع ضخمة ذات بعد براق وتأثير إعلامي كبير، بينما تُهمش الحاجات الأساسية اليومية للمواطن التي تشكل أولوية للأغلبية الساحقة، مثل توفير الماء الشروب، الكهرباء، الصرف الصحي، العلاج، والتعليم الجيد، والسكن اللائق… الخ.
ولا يمكن تفسير غياب إرادة سياسية حقيقية في الإصلاح إلا من خلال الحضور القوي للدولة العميقة، بشبكات مصالحها المعقدة والمتشابكة بين المال والسياسة والبيروقراطية، وهي تشكل عقبة عصية على التجاوز أمام أي إصلاح حقيقي لأنه يضر بمصالحها. وقد تكون الإرادة موجودة ربما عند بعض الأطراف، لكنها غير كافية لمواجهة هذه الشبكات. لكن الأمر الأكثر قتامة، هو أن “تغييب الإرادة السياسية في الاصلاح” هو في حد ذاته إرادة سياسية مُعلنة وغير صريحة. بمعنى أن الحفاظ على الوضع القائم بكل اختلالاته هو خيار استراتيجي لمنظومة الحكم، لأنه يضمن استمرارية آلية الريع والامتياز والتحكم في الثروة والسلطة. وكل إصلاح حقيقي، قد تنتج عنه مخاطر غير متوقعة العواقب، وقد يفتح أبواباً لا يُراد فتحها. ومن هذا المنظور، فإن الخطاب الإصلاحي الرسمي يصبح أداة لإدارة اليأس المجتمعي وكسب الوقت، وليس برنامجاً للتغيير.
النتيجة الحتمية لهذا الغياب هي التفشي المستمر لكل مظاهر الفساد بلا رادع حقيقي. فغياب الإرادة السياسية لمحاربة الفساد هو الذي يسمح للفساد الاقتصادي بالاستمرار في نهب المال العام، والفساد السياسي بتزوير الإرادة الشعبية وتفريغ الديمقراطية من مضمونها، والفساد الأخلاقي بانهيار قيم النزاهة والمسؤولية في الإدارة العامة. وهو نفس الغياب الذي يجعل الدولة عاجزة عن توفير أبسط ضمانات التدبير الشفاف، حيث تغيب المحاسبة وتضيع المسؤولية في متاهات التعفن الإداري المقصود.
ومخاطر غياب الإرادة السياسية في الاصلاح هنا ليست نظرية، بل هي شديدة الواقعية واليومية. إنها مخاطر الانهيار التدريجي لشرعية الدولة في عيون مواطنيها، والانزياح المستمر لحدود الاحتقان الاجتماعي. وتصاعد الاحتجاجات الشعبية في كل جهات المغرب، من الشمال إلى الجنوب، في المدن والقرى، وهو المؤشر الأبرز على أن الصبر الشعبي على وشك النفاد. هذه الاحتجاجات لم تعد تقتصر على مطالب قطاعية محدودة، بل تتحول بسرعة إلى رفض شامل لمنطق الحكم وللمخرجات العامة للنموذج التنموي والسياسي القائم.
إن الانهيار هنا لا يعني بالضرورة سيناريو كارثياً واحدا، بل هو عملية تراكمية من التآكل تتجلى في تآكل الطبقة الوسطى، وتآكل الخدمات العمومية، وتآكل الثقة في المستقبل، وتآكل النسيج الاجتماعي. والانفلات ليس فقط أمنياً، بل هو أيضاً انفلات قيمي واجتماعي ينعكس في العنف والجريمة واليأس. المغرب يقف عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن يتم الانتقال من خطاب الإصلاح إلى ممارسته بجرأة وتضحية، عبر إرادة سياسية حقيقية تجعل من مصلحة الأغلبية الساحقة من الشعب بوصلة توجه السياسة العمومية. وإما أن يستمر في الانزلاق نحو مجهول خطير، حيث تتحول الاحتجاجات من مطالب إصلاحية إلى غضب عارم لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هو إلى متى يمكن لغياب الإرادة أن يستمر كأنه إرادة سياسية؟ التاريخ لا يرحم، والشعب المغربي بدأ يكتب دروسه الخاصة في الصبر والمقاومة.
