فاطمة الزهراء المنصوري.. إلى رئاسة الحكومة على أنقاض الفساد وسقوط “البام”
عمر بن عطية
♦ يطرح اسم فاطمة الزهراء المنصوري كمرشحة لتقود أول حكومة مغربية بصيغة نون النسوة، عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعدا. لكن الترويج الرخيص لهذه الرمزية التاريخية يصطدم بشرخ عميق بين صورة تسويقية جرى إخراجها بعناية، وواقع سياسي تحاصره الفضائح الشائكة، وشبهات الفساد العابرة للمصالح العائلية والتنظيمية، فضلا عن تعرية صريحة لضعف المؤهلات القيادية والتواصلية للوزيرة السابقة والمنسقة الوطنية للحزب.
فبعيدا عن منطق المساحيق السياسية، لا تبدو المنصوري اليوم مجرد بروفايل يطمح لمنصب القيادة بفضل الفصل 47 من الدستور، بل عبئا أخلاقيا وتنظيميا معقدا يضع طموحها في مواجهة عواصف لا تهدأ، ويكشف هشاشة بناء حزبي قائم على التحالفات المشبوهة وتضارب المصالح.
فإذا كانت رئاسة الحكومة في المغرب وتجارب دول المنطقة تحتاج إلى كاريزما وازنة وحضور خطابي نافذ، ورؤية اقتصادية وسياسية متماسكة، فإن تجربة المنصوري كشفت عن شح واضح في هذه المقومات، حيث تُظهر الخرجات الإعلامية والخطابية للمنصوري لغة تواصلية مرتبكة، تفتقر إلى النَفَس السياسي المقنع والتنظير الفكري المتماسك، حيث تعتمد غالبا على ردود الأفعال والمناورة وتكرار الأدبيات التبريرية دون تقديم أي مشروع مجتمعي حقيقي.
كما كشفت التجربة المزدوجة بين عمودية مراكش وإدارة وزارة التعمير وإعداد التراب عن ارتباك تسييري، وتحول تدبير المدينة الإستراتيجية والوزارة الحيوية إلى مستنقع من البطء والملفات العالقة والجدل المستمر حول المردودية.
إن طرح اسم فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، كبديل تقنوقراطي وقوي لحمل حقيبة رئاسة الحكومة، ليس إلا اعترافا ضمنيا من العقل السياسي العارف بكواليس الحزب والمجتمع بعجز المنصوري عن مواكبة التزامات كبرى بحجم استضافة مونديال 2030 وتحديات الاقتصاد الوطني.
ولم يعُد الحديث عن تضارب المصالح مجرد مناورات انتخابية، بل تحول إلى مظلة واسعة تخيم على محيط المنصوري السياسي والعائلي، لتضع مصداقيتها الأخلاقية على المحك… فقد تلقى الرأي العام بشكوك حادة تفاصيل تفويت عقد بيع عقار فلاحي تتجاوز مساحته 66 هكتارا في منطقة تسلطانت بضواحي مراكش لصالح شركة عقارية، في وقت تجمع فيه المنصوري بين سلطة التخطيط العمراني كوزيرة للإسكان والتعمير، وسلطة التسيير المحلي كعمدة لمراكش. ورغم دفاعها المستميت بكون الأرض إرثا عائليا خاصا، وتلويحها بمقاضاة صفحات رقمية، مثل “مجموعة جبروت”، التي اتهمتها بالإثراء غير المشروع، فإن الواقع يؤكد أن الجمع بين السلطة والنفوذ المالي يجرد العمل السياسي من أهليته النزيهة ويفتح أبواب الشبهة على مصراعيها.
هنا يتسع ثقب الرواية التبريرية للمنصوري حين يُستدعى ملف زوجها نبيل البركة، الذي تلاحقه اتهامات حادة من طرف فئات واسعة من المواطنين والمجتمع المدني بالسيطرة على أراض وعقارات شاسعة بضواحي العرائش والتستر وراء النسَب وشبهات استغلال النفوذ. إن ارتباط اسمها بملفات زوجها ينسف ادعاءات القطيعة مع الممارسات الريعية، ويضعها في موقع الاتهام بالرعاية والمصاهرة مع شبكات النفوذ العقاري والمالي.
وتُكمل المنصوري الصورة القاتمة بالحزب من خلال حمايتها ودعمها السياسي المباشر لعمدة مدينة طنجة المنتسب لحزب البام، والذي واجه اتهامات وسجالات قانونية خطيرة تتعلق بالتزوير والتلاعب في وثائق ومساطر تسييرية. إن إصرار المنصوري على حماية قيادات حزبية تطوقها شبهات الخرق القانوني والتزوير يثبت أن منطق حماية المقربين وتزكية المفسدين هو المحرك الأساسي لإدارتها التنظيمية، بعيدا عن الشعارات براقة كالحكامة وتخليق الحياة السياسية.
ولا يجب أن نتجاوز أنه خلال الحملة الانتخابية لـ 2026 انفجر سجال سياسي حاد عقب الافتتاحية التي كتبها الناشر أحمد الشرعي للمطالبة بتمكين امرأة (المنصوري) من قيادة الحكومة، وهو ما اتخذه حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله بنكيران، منصة لتوجيه ضربات قاضية ومباشرة، حيث استغل بنكيران مواقف الشرعي المعروفة بالدفاع عن التطبيع الشامل مع إسرائيل ليصف البام بالحزب الصهيوني، معتبرا المنصوري مجرد مرشحة أوساط تطبيعية ودوائر خارجية.
ولم يجد رد المنصوري القائل بأنها “لا تعرف الشرعي ولم تلتِقِ به” أي صدى يستعيد ثقة الشارع، بل قُرئ بوصفه هروبا ناعما ومناورة انتهازية للتنصل من داعميها الإعلاميين عندما اشتد خناق النقد الشعبي حول الحزب ورموزه.
إن طرح فاطمة الزهراء المنصوري لقيادة حكومة المغرب بعد انتخابات سبتمبر 2026 ينطوي على مخاطرة سياسية وأخلاقية حقيقية. فالحديث عن “إنجاز نسائي” يُستغل كغلاف براق لوراثة الهشاشة التنظيمية، والتستر على شبهات تضارب المصالح العقارية وحماية المفسدين داخل الحزب، والتغاضي عن ملفات الإثراء غير المشروع التي تطوق محيطها الضيق وزوجها نبيل البركة.
ولا تكتمل صورة الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تحيط بالحزب وإدارته الثلاثية بقيادة المنصوري، دون التوقف عند الفضيحة غير المسبوقة التي هزت أركان حزب التراكتور والمشهد السياسي المغربي بأكمله، والمتمثلة في التورط المباشر لقياديين بارزين من الصف الأول للحزب في شبكة الاتجار الدولي للمخدرات والفساد المالي والسطو على العقارات.
إن تفكيك ملف ما يعرف بـ “إسكوبار الصحراء” ومحاكمة متورطيه أثبتا بالدليل القاطع تحول الحزب إلى بؤرة نفوذ مكّنت تجار المخدرات والمهربين من احتلال مناصب سياسية وتنفيذية نافذة، تحت أنظار القيادة الحزبية وضمن تزكياتها الانتخابية.. عبد النبي بعيوي (رئيس جهة الشرق القيادي في البام): أدين بالسجن النافذ (12 سنة) بعد ثبوت تورطه المباشر في جرائم الاتجار الدولي في المخدرات، والتزوير في محررات رسمية، وتسهيل خروج ودخول أشخاص من وإلى التراب الوطني بأساليب غير قانونية، فضلاً عن استغلال النفوذ وشبهات الفساد المالي.
وسعید الناصري (البرلماني القيادي في البام ورئيس نادي الوداد البيضاوي): أدين بالسجن النافذ (10 سنوات) في الملف ذاته بعد مواجهته بتهم ثقيلة تشمل المشاركة في اتفاقات للاتجار بالمخدرات وترويجها، والشطط في استعمال السلطة، وتسهيل تبييض الأموال، واستغلال النفوذ السياسي لاستغلال عقارات وممتلكات مملوكة لبارون المخدرات المالي الحاج أحمد بن إبراهيم والسطو عليها.
لم تكن هذه الاعتقالات مجرد أحداث فردية، بل كشفت عن نمط تنظيمي أتاح لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود اختراق المؤسسات الدستورية والجماعات الترابية عبر البوابة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة.
إن سقوط هذه الأسماء الثقيلة خلف أسوار سجن عكاشة، بتهم تمس الأمن الاقتصادي والأخلاقي للدولة، يدق ناقوس الخطر حول طبيعة الحزب الذي تترأس قيادته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، حيث تضع هذه الأحكام الحزب في موضع الاتهام الأخلاقي والتنظيمي، وتسقط كل ادعاءات “تخليق الحياة السياسية” و”محاربة الفساد”، ليتحول الحزب من مشهد المبادئ المزعومة إلى مظلة نفوذ حمت متهمين بالفساد وتجارة المخدرات والتزوير.
ولا يمكن قراءة الصعود السياسي المتسارع لحزب الأصالة والمعاصرة، المعروف بـحزب التراكتور، ولا فهم حصانته التنظيمية المنتفخة، دون العودة إلى جيناته التأسيسية التي جعلت منه في الأدبيات السياسية المغربية ما يُعرف بحزب القصر أو حزب الدولة.
فالحزب لم ينشأ نتيجة تراكم نضالي أو حركة مجتمعية من الأسفل، بل ولِد في كواليس الصناعة السياسية سنة 2008 على يد مؤسسه وصانع خريطته التنظيمية فؤاد عالي الهمة، صديق الملك المقرب ومستشاره النافذ في الأجهزة السيادية.
إن هذه الرابطة العضوية بالتأسيس حوّلت الحزب منذ نشأته إلى أداة للهيمنة، واستخدمت صفة “حزب القصر” كدرع حصين لمراكمة النفوذ وتوسيع الشبكات:
حيث استغل الحزب قربه المزعوم من السلطة ومؤسسيه لتخويف الخصوم واستقطاب الأعيان ورجال الأعمال وشبكات المصالح، الذين وجدوا في التراكتور التغطية السياسية والأمنية لحماية مصالحهم العقارية والمالية، وهو ما يفسر الانزلاق السريع لرموزه نحو شبهات الفساد وتبييض الأموال وتجارة المخدرات.
لقد ظل البام يعاني من عقدة الشرعية الشعبية، حيث ينظر إليه شعبيا وسياسيا بوصفه كائنا هجينا صُنع في المكاتب المكيفة لضبط المشهد السياسي وتحجيم القوى الحزبية الشعبية.
وحين تترشح فاطمة الزهراء المنصوري لقيادة الحكومة كمنسقة لهذا الحزب، فإنها لا تمثل إرادة انتخابية عفية بقدر ما تمثل امتدادا لصناعة سياسية تسعى لإعادة تدوير نفوذ حزب المستشار، واستغلال التسهيلات الدستورية لتنصيب واجهة حزامها السياسي القصر، حتى وإن كانت محاطة بسلسلة من الفضائح التي أطاحت بقيادته القابعة خلف أسوار السجون.
إن المحاولة الجارية لتلميع صورة المنصوري وتنصيبها كأول امرأة تقود الحكومة ليست في جوهرها سوى امتداد لهذه السياسة السلطوية القديمة، حيث يستغل “النوع الاجتماعي” والرمزية النسائية لغسل التاريخ الإشكالي لحزب الجرار، وللتغطية على فشل مشروعه الفكري والسياسي الذي استبدل خدمة المجتمع بخدمة شبكات النفوذ والمال والسيطرة.
إن المغرب المقبل على استحقاقات إستراتيجية بحجم مونديال 2030 وتحديات التحول الاقتصادي، لا يحتاج إلى صورة استعراضية تفتقر إلى الكاريزما والرؤية، بقدر ما يحتاج إلى قيادة حكومية حقيقية تتحلى بالنزاهة، وتتحرر من سطوة المال وشبكات المصالح والعقارات المتشابكة. وسواء صدر التكليف الملكي لصالحها أو اتجه نحو خيارات أخرى كفوزي لقجع، فإن تجربة المنصوري تظل شاهدا صارخا على أزمة القيادة السياسية حين تتقاطع فيها الرغبة في السلطة مع الفساد، والهشاشة الأخلاقية مع استغلال النفوذ.
