فصول من مذكرات سيلفيا كريستل.. أيقونة السينما في سبعينيات القرن الماضي (6)
رضا الأعرجي
للأخت ماري إماكولاتا أسلوبٌ صارم يُخفي لطفها، ويساعدها في الحفاظ على النظام. إنها تُدرك أهمية البريد، يتضح ذلك من التجمع الصامت للبنات الصاخبات عادةً. لقد تحول القطيع المشاكس بأعجوبة إلى صفوفٍ منتظرة من الأوتاد الرمادية الصغيرة المستقيمة كالعصا. جميعنا نريد أن نعرف إن كنا لا نزال موجودين في العالم الخارجي. كتبت لي أمي، كعادتها كل أسبوع، وكان المحتوى دائماً متشابهًا. ما يحدث في الفندق، وأبي، ومزاج عمتي ماري، والطقس في أوتريخت، كما لو كان مختلفاً عن هنا. لو كان لدي صندوق بريد في الفندق. هل كانت أمي ستضع فيه رسالة يومية؟ ربما تحتاج إلى هذه المسافة البسيطة، هذا الغياب، لتكتب الكلمات التي لا تنطق بها.
رسائل أمي طريفة: ضربت عمتي ماري زبوناً ثملاً أراد اصطحابها إلى الطابق العلوي. تعطل سخان الفندق فجأةً مما أدى إلى انخفاض حاد في درجة الحرارة وهروب الزبائن. والدي يغيب أكثر فأكثر باحثاً هو الآخر عن بعض الدفء.
أحب هذه الرسائل. ورقها ناعم، تكثر عليه الشطوب التي تشوه خط أمي، أشم منه رائحة شيري خفيفة. أنتظر بفارغ الصبر هذه الرسائل، وهذا الاهتمام المتأخر.
لم ترَ أمي قطّ كم أسعدتني كلماتها الرتيبة، وكيف كنتُ أعصر يدي وأنا أنتظر وأبتسم عندما يُنادى على اسمي. كل أسبوع، كنتُ أتعلق بشفتي الأخت ماري إماكولاتا الجميلتين وأسلوبها الرائع.
أقضي وقتاً ممتعاً في هذه المدرسة الداخلية الغريبة، أفرض قواعدي السلبية، وأقضي سنواتٍ ممتعة، طبيعية، ورياضية هناك. أركض، أسبح، أقفز. أُطلق العنان لنشاطي، وأجعل جسمي المتغير يتحرك ويتعرق.
بدأتُ التدخين. حتى الأخوات يدخنّ يوم الأحد. ومثل والدي، أُفضّل سجائر كاميل بدون فلتر التي يُخدش دخانها القوي حلقي. أنا فخورةٌ بهذا العمل الراشد الذي أستطيع إنجازه دون سعال، بشجاعةٍ مثله.
هل من خيار سوى أن تتصرف كوالدك وأمك؟ هل يمكن للمرء أن يتخلص من هذه الحاجة للانتماء؟ ربما مع التقدم في السن وآثار سوء التقليد.
***
معلم الرياضيات يُدعى هيز بين. ساقه بارزة، مما يجعله يتألم عندما يمدها. إنه صغير السن، ويهتم أكثر بتغيرات منحنيات أجسادنا منه بالهندسة. لديه خصلة شعر طويلة يمسح بها مخاطه لا شعورياً عندما يعطس. أستمتع باللعب مع هذه الفريسة السهلة، وأجعلها تدفع ثمن اشمئزازي.
أطوي حزام خصري لأقصر تنورتي قدر الإمكان، ثم ألتقط قطع طباشير وهمية من الأرض، وأنحني برفق إلى نصفين، أشعر بأعلى فخذي يبرز، أشعر بالهواء البارد على أسفل مؤخرتي، وأشاهد وجه المعلم يحمر. لا يقول شيئاً، إنه يراقبني، أردافي مشهدٌ رائع. ارتباكه وقوتي يجعلانني أشعر بالسعادة. الجميع يضحك. وأكتم ضحكاتي بإدارة ظهري للصف. ثم، مذهولة وساذجة، أجلس مجدداً في الصف الأول، بين ضعاف النظر ومن تبدأ أسماؤهم بحرف الألف. أنا سعيدة بعرضي، إن لم يكن رياضياً، فعلى الأقل فسيولوجياً.
تتحدث إلينا الأخت جيرترود بلهجة ملكة إنجلترا. أعجبتني لغتها، وسرعان ما أدركت أنها مفتاح النجاة. تسريحة شعر الأخت جيرترود طويل باللونين الأبيض والأسود، يتماشى تماماً مع ذراع نظارتها الفولاذية الداكنة، مما يجعلها أشبه بعلبة أحذية. الأخت جيرترود قبيحة، لكنها لطيفة.
يقول والدي أنه يجب أن تكوني قبيحة لكي تصبحي راهبة.
تُدرّس الأخت ماري أندريه اللغة الفرنسية والتاريخ. تُخبرنا عن الحرب بصوتها الدافئ والهادئ والآسر. بصمتٍ مُعتادٍ في صفها، تصف الغزو الذي لم يُغفر أبداً، ومعاناة أمة، والدراجات المُصادرة، والناس الذين يموتون جوعاً ويتناولون بصيلات الزنبق المبشورة.
تلك الصورة القاسية ظلت عالقة في ذهني طويلاً. زهور توليب زاهية جميلة، ذات فائدة مضاعفة. في محلات الزهور، أتخيل أحيانًا أن يُطرح عليّ خيار: “هل ترغبين في زهور توليب مبشورة يا سيدتي كريستل، أم في باقة؟
تحدثت أمي معنا عن الحرب أيضاً. في صغرها، اعتادت ركوب دراجتها ذات العجلات الخشبية – لم تكن هناك أي إطارات متبقية – وتقودها لساعات لتستبدل قطعة من أدوات المائدة ببعض البطاطس. في إحدى الليالي، وهي منهكة وخاوية البطن، طرقت باب منزل ريفي وتوسلت إلي صاحبته أن تشبعها. أجلستها الفلاحة الكريمة على الطاولة وأعطتها فطيرة جبن ذائب، كانت ثقيلة وكبيرة جداً على بطنها المقعر لدرجة أن أمي مرضت لعدة أيام، و كان عليّها البقاء في منزل المرأة. كانت والدتي تقول إنها ستذهب للبحث عنها، لتشكرها وتغتنم الفرصة لاستضافتها.
الهولنديون مُقتصدون ويحملون الضغينة. ففي عطلاتهم في ألمانيا، لا يزالون يقولون: “أعيدوا لي دراجتي”. دراجتي كانت في الفندق. لسوء الحظ، كنت أسقط دائماً من على الدراجة بسبب كسلي لدرجة أنني أنسى الدواسة.
إن الأب جيانوتن عصري للغاية ويؤمن بالحب كثيراً “لأن الله هو الحب”، لدرجة أنه تزوج إحدى تلميذات المدرسة.
تتحمل الأخت كريستين العبء الثقيل في تربيتنا الجنسية. من الواضح أنها غارقة في هذه المهمة غير المطلوبة، وتتحدث بلهجة رتيبة هشة عن عالم مُهدد. الرجال تحكمهم رغبات لا يمكن السيطرة عليها بسبب الهرمونات التي تسري في عروقهم كالسم، والنساء يقضين حياتهن في محاولة الهروب من هذه الرغبات الذكورية. أما الباقي من التفاصيل، وتقنية الإنجاب الضرورية لبقاء البشرية فهو مكتوب باللاتينية. تلك الكلمات الصافرة هي رسل من عالم آخر تتركني غارقة في التفكير.
***
نبرة رسالة أمي جديدة، والبقع كثيرة، والكلمات يصعب تفسيرها. هل طمسها الكحول أم الدموع؟ لا أستطيع فهمها. أمي محطمة، تصرخ بيأس: والدي لديه عشيقة، ليست مجرد علاقة عابرة، بل امرأة تكسب قلبه، وتريده. الكلمات قاسية، فظة، أمي محطمة. أنا مرعوبة. أمسكت الأخت ماري إماكولاتا برسالتي، قرأتها، شحب وجهها.
هذه الكلمات لا تليق بكِ يا سيلفيا. سأتصل بوالدتكِ وأتحدث معها. اهدئي.
نسيتُ الرسالة. ستحلّ العطلة قريباً. أُحسّن سلوكي وأمضي وقتاً ممتعاً.
ـ يجب على الرجل أن يدخل المطعم أولاً..
ـ ولكن أليس من المفترض أن يمسك الباب للسيدات، يا أختي.
ـ لا، الرجل يحمي المرأة. عند دخوله مكاناً مجهولاً، فهو أولاً يتأكد من أن انتباه الناس سينصب عليه بدلًا من المرأة الخجولة والمتحفظة بطبيعتها. أجل، أقول خجولة ومتحفظة. ثانياً، يتأكد من عدم وجود أي لصوص في الداخل. الشر في كل مكان، والرجل يحمي المرأة من الشر…
لقد كنت أنتظر دائماً عند أبواب المطاعم للتحقق مما إذا كان الرجل مهذباً. سواءً كان سيحميني أم سيسمح لي بالدخول كما لو كان يحمل كأساً.
لديّ الآن مجموعة صغيرة من المتابعات في المدرسة الداخلية. يحدقن بي، ويستمعن بشغف إلى قصصي الجريئة. أخبرهن عن الفندق، وحياته الغربية النابضة بالحياة، وكل ما رأيته هناك، وكل ما تعلمته عن الرجال والنساء: زبونة عارية رافقت حفل الموظفين وحاولت عبثاً إغواء “العم” هانز. عالم سري للزبائن العابرين، وحرية مُستعادة لليلة واحدة في مكان معزول. غرفة الفندق عالم موازٍ. أُقلّد وجوه خادمات الغرف وهنّ يكتشفن البقع أثناء تجريدهن المفروشات من الأسرّة. أكشف لهن قصص عالمي المعقدة، المختلف تماماً عن العالم الذي نعيش فيه. أتحدث عن الحياة كما هي، لا نظرياً، ولا باللاتينية.
***
“لا يوجد شيء يمكن أن تفتخري به في مجيئك من مثل هذا السيرك، يا بنت”. الراهبة توبخني.
إنهم يريدون حمايتي، بطريقتهم البسيطة والمحدودة، من عالم الكبار المضطرب الذي قد أضل فيه.
ينبغي علينا أن نصلي من أجل أن تكون الحياة مجرد حب.
لقد حان الصيف وأنا عدت إلى الفندق.
سنذهب إلى شاطئ البحر لبضعة أيام؛ استأجر لنا والدي منزلاً صغيراً جميلاً. ستأتي عمتي ماري أيضاً. في السيارة، لم تنطق أمي بكلمة. فتحت النافذة، تستنشق هواءً بارداً وتحدق في السماء الصافية. يُخبرنا والدي بانتظام بعدد الأميال المتبقية. صوته رتيب على غير العادة. ماريان حزينة لتركها صديقتها، وأخي متكئ على الرف الخلفي يُخمّن أنواع السيارات المارة. عمتي ماري تغفو. أشاهد الحقول الخالية من الأشجار تمر مسرعة، مستطيلات مسطحة مسيّجة بإتقان بألوان واحدة لكنها متنوعة. الليل يهبط ببطء. يا له من صمت، يا للعطلات!
ما كاد أبي أن يصل حتى أخبرنا أنه سيخبرنا بأمر هام صباح الغد، وأنه سيوقظنا من أجله. لكن الآن وقت النوم. عمتي ماري منهكة. إنها في حالة نفسية سيئة. ذهبت أمي مباشرةً إلى غرفتها دون أن تتفقّد المنزل كعادتها، دون أن تكنس أو تفحص الثلاجة. الأثاث مُغطّى بملاءات. أسلي نفسي بتلويحة في الهواء لسحابة غبار كثيفة تجعل عمتي ماري تسعل. أخيراً، بعض الحركة، بعض الضجيج.
في غرفة النوم، ماريان ليست نائمة. تسألني عن المدرسة الداخلية. هل لديّ صديقات جدد؟ لقد كبرت، وتخبرني أنها جربت التدخين بالفعل. وبختها مبتسمة، سعيدة لأنها تشاركني غرفتي كما في السابق. أمسكت بأذنها كانتقام لطيف لهجرها لي. تظاهرت بالألم. لدينا مسابقة غناء. تبدأ بفيلم موسيقي شاهدته بالفعل ثلاث مرات: “صوت الموسيقى”. أضحك. لقد شاهدت الفيلم وهو ممتع، لكنه فيلم للأطفال. أختي لا تفهم الكلمات الإنجليزية ولكن الألحان البسيطة المثيرة. تهويدات مبهجة تسربت إليها كرسالة إلهية. تقف ماريان على السرير وتقلد جولي أندروز في ذلك المشهد حيث تحاول المربية اللطيفة تشتيت انتباه سبعة أطفال نصف أيتام مرعوبين من العاصفة: تُعلّمهم أنه عندما تشتد الحياة عليهم التفكير في أشياء بسيطة وجيدة لطرد الخوف.
أُمازح أختي: لا بد من الاعتراف أنني غنيت تلك الأغنية الرائعة في الفيلم أكثر بكثير مما صليتُ في المدرسة الداخلية. ثم أغني بعض أغاني البيتلز لأظهر لهذه الطفلة الصغيرة غير المثقفة إتقاني للغة الإنجليزية. وأخبرها أن وقت النوم قد حان.
***
‘الطقس عاصف، الطقس عاصف” تتمتم العمة ماري في الممر، بصوت يشبه صوت الأشباح.
لا أستطيع النوم. يريد والدي الإعلان عن أمر مهم. هل سيبيع الفندق؟ هل هو مريض؟ هل لم يعد يريدنا؟ أشعر بالقلق، وأتقلب في فراشي كأنني في بحر. تركتُ الباب مفتوحاً، وسمعتُ صوت أمي، أهدأ بكثير من المعتاد. اتجهتُ نحو الممر، وأصغيتُ إلى همساتها المتواصلة. لم أستطع تمييز الكلمات، لكنني استطعتُ تمييز نبرتها. بدت وكأنها تسأل والدي، الذي لم يُجب، بل كانت تتوسل إليه.
إنه الصباح. لم أنم كثيراً. دخل أبي وأيقظنا بفظاظة. أمي في المطبخ، لم ترتدِ فستانها الصيفي المزهر بلا أكمام. بدت باردة، فقبلتنا دون أن تنظر إلينا.
رن جرس الباب. قفزتُ، وكان الرنين عالياً وغير متوقع. استيقظت العمة ماري فجأة على كرسيها، تذمرت وذهبت للإجابة. سمعتُ صراخاً. اندفعنا نحو الباب لنرى امرأةً شاحبة الوجه. عيناها مُحدَّدتان بالأسود، وشفتاها رقيقتان وحمراوان فاقعتان، وشعرها المُصفَّف للخلف مُشَدوَّدٌ إلى أعلى كخلية نحل مستديرة ضخمة فوق رأسها. تراجعتُ خطوةً إلى الوراء، فبدت كساحرة. أبعد والدي العمة ماري عن الطريق ودعا المرأة للدخول. خرجت أمي من المطبخ، ووقفت خلف والدي، وأشاحت بنظرها بعيداً.
ـ أطفالي، هذه زوجتي الجديدة.
أمي لم تقل شيئاً. عرفت ذلك منذ أيام، ثم رضخت؛ يبدو أنها تقبلت كل شيء.
صرخت العمة ماري وثارت غضباً، وأمسكت بزجاجة الشيري من باب غرفة المعيشة وضربت بها المرأة على رأسها، كما في الرسوم المتحركة. أطلقت المرأة صرخات صغيرة مضحكة وخرجت سالمة. شكّلت خلية نحلها حاجزاً. أمسك والدي بأخته من خصرها واصطحبها إلى غرفتها، ثم جلس متعباً. كانت المرأة تنظر إليّ بابتسامة خفيفة.
هذا مستحيل. مستحيل. في هذه اللحظة، هنا، الآن، إذا هرعت إلى أبي، وأخبرته كم أحبه، وتوسلت إليه أن يحتفظ بأمي، فسيفعل. عليه أن يفعل، وسينصت إلى ابنته. أقفز على ركبتيه وأتوسل إليه.
ـ أبي، لا، لا يمكنك فعل هذا.
أهزّ كتفيه الثقيلتين. ينفجر في البكاء، متجنباً قبلاتي، قائلًا بصوتٍ متقطع: “لكنني ضعيف يا صغيرتي، ضعيف…”.
اختار أبي. لا تزال المرأة تبتسم. شعرها أشعث قليلاً، لكنها تقف ثابتة، يتدفق الدم إلى دماغي. أرى احمراراً. أنا غاضبٌة بشدة، غضب متراكمٌ على مدى أربعة عشر عاماً. أنا أسدٌ متعطشٌ للدماء. انقضّ على الساحرة، ألكمها وأخدشها، أسحب كعكتها البلاستيكية، وأصفها بالعاهرة، تلك الكلمة الجديدة التي لم تُنطق قط. أريد قتلها، ذبحها، التخلص منها.
تمكن والداي في النهاية من السيطرة عليّ. سقطت المرأة أرضاً لكنها لم تكن تبكي. مخلوقة قاسية، حقيرة، حشرة لا تُقهر. بقيتُ حبيسة غرفتي لبقية اليوم. أطرق الباب بقوة، أصرخ وأبكي، ثم أتوقف فجأة. أمسكتُ بنفسي. رفعتُ رأسي عالياً. “قفي بشموخ، ارفعي رأسكِ…”.
أقول لنفسي إنه لا جدوى من ذلك، وأن عليّ تقبّل هذا الانفصال كجزء لا يُفسّر، ولكنه ممكن وطبيعي من الحياة. غداً، قد يكون البحر الهائج هادئاً.
تظنّ أنك قادر على التحكم في الحب والحياة والروابط، تظنّ أنك تبني شيئاً ما، لكن في الحقيقة، كل ذلك مجرد فصول تمر.
ماذا سيحدث الآن؟ لا أعرف. أخشى المرحلة التالية في هذه الحياة. عليك أن تتقبل أنه لا يوجد معنى للحياة، الطبيعة عبثية ومتغيرة. عليك أن تستمر، تكافح بين الشمس والطقس السيئ، بين أول حفلة راقصة وآخر رقصة.
