فنزويلا واختبار الضمير في زمن التفاهة

فنزويلا واختبار الضمير في زمن التفاهة

عبد الرحيم التوراني

       لطالما حذر الفيلسوف والروائي الإيطالي إمبرتو إيكو من ضريبة الديمقراطية الرقمية، حين قال إن “وسائل التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى”، ممن كانوا يتكلمون سابقا في المفاهي والبارات فقط دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، ولكنهم اليوم يمتلكون نفس حق الكلام الذي يمتلكه حائز على جائزة نوبل…

 هذا التشخيص الدقيق يتجلى اليوم بأبشع صوره ونحن نرقب ردود الفعل في “الفيسبوك المغربي” حول واقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

لا يجب أن نصاب بالدهشة أمام كم التعليقات الشوفينية التي ضجت بها المنصات، تلك التي راحت تشيد بالاختطاف وتشمت في مصير رئيس دولة مستقلة، متذرعة بمساندته للانفصاليين من جبهة البوليساريو..

إنها نظرة لا ترى أبعد من أرنبة الأنف، نظرة حصرت قضية كبرى تمس صميم السيادة الدولية والأمن العالمي في زاوية تصفية حسابات ضيقة…

هنا تكمن المصيبة، حين تعجز النخبة عن تبيان الخيط الرفيع بين الخلاف السياسي وبين المبدأ الأخلاقي القانوني.

هؤلاء الشامتون، الذين أعمتهم الغشاوة، سقطوا في فخ التفاهة الرقمية التي تجعل من الحدث الجيوسياسي الضخم مجرد مادة للسخرية أو التشفي، دون استحضار المخاطر الوجودية التي يمثلها التدخل العسكري الأمريكي المباشر ضد دولة ذات سيادة.

بينما الواجب يقتضي لجم الغوغائية الرقمية التي تروج لانتصارات وهمية تحت ظلال الغطرسة الأمريكية.. إن النصر الذي يأتي على حساب كرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها هو نصر مسموم. يستلزم إعادة صياغة اللغة التي تجمع بين التمسك بالوحدة الترابية وبين رفض العدوان الغاشم، فلا تعارض بين مغربية الصحراء وبين سيادة فنزويلا.

إن الدفاع عن مادورو في هذه اللحظة ليس صك غفران لسياساته، ولا هو تبنٍّ لمواقفه من قضية الصحراء المغربية، بل هو دفاع عن مبدأ شرعية الشعوب.. فمادورو، مهما اختلفنا معه، يبقى رئيسا منتخبا، والشعب الفنزويلي وحده هو صاحب الحق الأصيل في تقرير شرعيته أو انتزاعها، وليس فرقة كوماندوز أمريكية تأتمر بأمر “كاوبوي” أو “رامبو” يسكن البيت الأبيض.

في هذا الزمن الذي انحدر فيه الوعي العالمي إلى أدنى مستوياته، لم يعد مفاجئا أن تضج منصات التواصل الاجتماعي بفيالق الحمقى الذين حذر منهم إمبرتو إيكو، فما نشهده في الفيسبوك من تشفٍّ وشماتة باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، ليس مجرد تعبير عن رأي سياسي، بل هو إعلان عن موت الضمير الأخلاقي تحت وطأة الشوفينية الضيقة. هؤلاء الذين يهللون لبلطجة ترامب، بذريعة أن مادورو كان خصما للوحدة الترابية المغربية، هم أنفسهم من يعانون من عجز رؤية مزمن، فلا يبصرون في الحدث سوى زاوية تصفية الحسابات الصغيرة، متجاهلين أن ما حدث هو اغتيال لسيادة دولة مستقلة، وتدمير لما تبقى من هيكل القانون الدولي الذي يُفترض أن يحمي الضعفاء قبل الأقوياء.

إن الغشاوة التي أعمت أبصار هؤلاء الشامتين منعتهم من إدراك حقيقة “القاموس الترامبي”، ففي منطق هذا الغول المتوحش، لا تعني كلمة مخدرات سوى “النفط”، ولا تعني العدالة سوى “السيطرة على الثروات”…

لقد أجمعت التقارير، حتى من داخل معسكر خصومه الديمقراطيين، وبينهم كامالا هاريس، على أن جريمة اختطاف مادورو لم تكن استجابة لوازع أخلاقي، بل هي غزوة للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، لإشباع نهم كائن لا يرى في الأرض سوى مساحة عقارية… ومن هنا، يبرز التناقض الصارخ لدى هؤلاء الذين تليق بهم دائما تسمية “العيَّاشة”، فهم يقدسون القوة الغاشمة طالما أنها تخدم وهْم الحماية، غير مدركين أن من يستبيح سيادة فنزويلا اليوم من أجل النفط، هو نفسه الذي ينظر إلى الصحراء المغربية وغزة كأصول تجارية ومنتجعات محتملة، لا كقضايا حق أو هوية.

إن هذه الفئة التي تخلط بين التصفيق لدونالد ترامب والهرولة المحمومة نحو التطبيع، مع إعلان الولاء الأعمى لمنظومة الاستبداد والتفقير في الداخل، تمثل أبشع تجليات الوطنية الزائفة. إنهم مستلَبون يقتاتون على فتات السلطوية، ويتخذون من شعار مغربية الصحراء قناعا يختبئون خلفه لممارسة أبشع أنواع الخيانة للمبادئ الإنسانية الكونية.

هم أنفسهم من يملؤون الفضاء الرقمي بأزيز ذبابهم الإلكتروني، ولا يبتهجون لشيء قدر ابتهاجهم باستمرار النزاع بين الجارين الشقيقين المغرب والجزائر، إذ لا تنتعش تجارة شتائمهم وتعليقاتهم المسمومة إلا في أجواء التوتر، وهي شتائم لم تعد تقتصر على نقد النظام الجزائري، بل امتدت لتطال كرامة الشعب الجزائري الشقيق وجوهر الروابط الأخوية التي تجمعنا.

هؤلاء لا يمكن حصرهم في خانة الجهالة الجَهْلاء فحسب، بل هم كائنات مبرمجة على تمجيد الجلاد مادام يغدق عليهم الوعود والانتصارات الوهمية. إنهم يمارسون شيزوفرينيا مقيتة، حيث يتباكون على الحق في الأرض، بينما يباركون دوس الكرامة الإنسانية واستباحة سيادة الأمم تحت أقدام الجبابرةإنهم يطالبون بالاعتراف بحقهم في أرضهم، بينما يباركون انتزاع رؤساء دول من قصورهم بقرارات قادمة من خلف البحار...

إن الارتباط الوثيق بين “العياشة” المروجين للتفقير الداخلي وبين المشيدين بالعربدة الترامبية، يكشف أننا أمام طفيليات سياسية تعتاش على فتات القوة… يظنون أن الارتماء في حضن الغول سيقيهم طوفان التحولات، بينما التاريخ يعلمنا أن بطن النهم الذي لا يشبع ستنفجر حتما، وأن السمسار الذي يبيعك اعترافا اليوم طمعا في ثروتك، هو أول من سيبيعك غدا إذا وجد مشتريا يدفع أكثر…

 إن الدفاع عن سيادة فنزويلا اليوم هو في جوهره دفاع عن سيادة القرار الوطني المغربي، بعيدا عن مخالب القوى العاتية.. فالحرية لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية حزمة واحدة، ومن يبارك استعباد الآخرين تحت أي ذريعة، لا يملك حق الشكوى حين تدوسه أقدام الجبابرة غدا.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!