فيليب سوليرس: المتمرّد
ترجمة: سعيد بوخليط
فيليب سوليرس الكاتب والنّاشر وجه بارز ضمن رموز المشهد الفكري. ولد يوم 28 نونبر سنة 1936 في منطقة تالونس إقليم جيروند وتوفيّ في باريس يوم 5 مايو 1923 عن عمر السّادسة والثّمانين. أصدر سوليرس روايته الأولى ”عزلة غريبة” سنة 1958 عن منشورات سوي. راهن على اسمه المستعار ”سوليرس” الذي يعني في اللّغة اللاّتينية ”كلّ شيء فنّي”. عاشق للجمال، شغوف بالفلسفة، التّحف الأثرية، التوراة، الموسيقى (موزارت، باخ، سكارلاتي، هايدن، فيبرن)، تاريخ الفنّ كما يكشف عن ذلك بعض عناوين كتبه (نظرية الاستثناءات، حرب الذّوق، مديح اللاّنهائي، أزهار)، الصين، إيطاليا (دانتي كازانوفا والبندقية، الذي أوحى بمعجمه العاشق للبندقية)، أو أيضا هولدرلين، رامبو ونيتشه (كتاب ”حياة إلهية”). مثقّف واسع الاطّلاع أنجز عملا مجدّدا ومتمرّدا، أثراه أكثر من ثمانين إصدارا بين رواية، بحث نظري ودراسة، نذكر منها رواياته السير-ذاتية ”نساء” (1983)، ”فردوس” (1981)، ”بورتريه لاعب” (1984).
أشرف على إدارة مجلّة ”تيل كيل” منذ سنة 1960 غاية 1982 ثم مجلّة ”اللاّنهائي” ابتداء من سنة 1982، كما خَبِر حيثيات مهنة النّشر من خلال إشرافه على سلسلة ”اللاّنهائي” عند غاليمار، اعتاد منذ زمن طويل على أجواء استوديوهات التّلفيزيون (نشاهده باستمرار في غمرة سجالات تلفيزيونية، يلوّح بأصبعه المزيّن بخاتم وكذا حامل السّجائر!). حصل على عدّة جوائز أدبية، منها جائزة ميديسيس سنة 1961، والجائزة الأدبية الكبيرة ”بول موراند” سنة 1992، وكذا جائزة بيير أمير موناكو سنة 2006. صدرت آخر أعماله، شهر مارس 2022 تحت عنوان ”غرال” (Gral).
حاورت مجلة ”الشّرق الأدبي” فيليب سوليرس غير ما مرّة تبعا لإيقاع صدور رواياته. ونعيد هنا إعادة نشر حوارين، تكريما لهذا الرّمز الكبير على مستوى الآداب الفرنسية.
– س ”لا يوجد جدار بين الدّنيوي والمقدّس”، ”أن تقرأ، معناه الاستيقاظ”، مثلما ورد في مقالة كتبتَها عن القدّيس أوغسطين. فكيف ”أيقظتَكَ” القراءة؟
- ج- بدأ كلّ شيء منذ وأنا طفل في سنّ الخامسة. حينما كنت أتعتع أمام كتاب ثمّ أسمع بغتة صوت أمي تخاطبني: ”إنّكَ تعرف القراءة!” خلال تلك اللّحظة، تمتلكني نشوة معتبرة. بعدها أنهض وأغادر منزلنا في القرية، وأبدأ في الجري وسط المروج والغابة ينتابني شعور سعيد للغاية. ما سمعته آنذاك، خلال تلك اللّحظة، يشير إلى معرفتي بالقراءة وبالتّالي انفتاح الحرّية أمامي. بدا حينها العالم لانهائيا، ولن يقف أمامي شيء يذكر، لقد كان سلاحا مطلقا.
س- كيف حدث الانتقال من القراءة إلى الكتابة؟
- ج- الأمر سيّان لديّ. القراءة والكتابة! يشبه ذلك تمثالا برأسين: أقرأ خلال نفس لحظة الكتابة، ثم أكتب وأنا أقرأ. أعتقد بأنّ إشكالية القراءة تمثّل راهنا قضيّة أساسيّة. من يعرف القراءة أو لا يعرفها؟ من يعرف قراءة الشّعر، من يعرف التّموقع في التّاريخ؟
س- ساندت مجلّة تيل كيل خلال بداياتها الرّواية الجديدة والتأمت حولها شخصيات مثل رولان بارت، رومان جاكبسون، جاك ديريدا أو جاك لاكان. لماذا قرّرتَ القطع مع هذه الحركة؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر منظوركَ الجمالي؟
- ج- من العبث المحافظة دائما على نفس منحى الإبحار ضمن نطاق تغيّر الزّمان. نتحدّث عن حقبة بعينها حين استعادة سنوات السّتينيات، التي أفضت نحو انفجار أحداث سنة 1968 ثمّ مؤشّرات التّراجع سنوات السّبعينيات. بعد ذلك، تشكّلت ملامح حقبة أخرى تمثلت في سنوات الثّمانينيات. حدثت أشياء كثيرة، برزت تحدّيات إعلامية كبيرة، انهيار بعض الآفاق السّياسية، إلخ. لكنّنا سنلاحظ استمرار خيط ناظم ضمن المنعطفات بحيث يكمن الأدب في قلب الأشياء. من هنا سؤال ”ما الأدب؟” الذي نعيد طرحه باستمرار.
س- حافظتَ دائما على نوع من الاستقلال رغم التزاماتكَ السّياسية، لاسيما مع الماركسية أو الماوية. ماذا تبقى من هذه الالتزامات؟ هل تبدي تحسّرا بكيفية ما نحو اختياراتكَ الماضية؟
- ج- لا أعتقد ذلك. يلزم إعادة قراءة النّصوص مادام الكاتب شخص يلتمس أن يقرأ ثانية وليس استجوابه خارج مضمار ممارسته، سواء معنويا أو سياسيا. أعدت مؤخّرا، طبع كتابي ”نظرية الاستثناءات” ضمن سلسلة ”كتب الجيب”. تظلّ وستظلّ أصيلة النّصوص التي يطويها هذا العمل حول مونتين، سيرفانتس، الماركيز دوساد، دوستويفسكي، بروست، فرويد، سيلين. أيضا، رواية ”نساء” لم يعتريها تجعّد يذكر!
س- يقال بأنّ المرأة جسّدت آلية محرِّكة لمجمل كتاباتكَ. ما المكانة التي تشغلها المرأة في حياتكَ؟
- ج- نفس مكانة القراءة والكتابة! لقد حظيت النّساء بمكانة مهمّة جدا. بالنّسبة إليّ، لاتختلف الحياة عن الرّوايات. أحاول تأكيد هذه المعادلة بكيفية تحقّق تحاورا متواصلا بين ما أعيشه وأرويه.
س- كتبتَ في عملكَ الأخير: ”تعتبر نيللّي زوجتي الفيلسوفة، أمّا لاندي فإنّها زوجتي بكلّ بساطة. أمّ شقراء منشرحة (لاندي)، أخت سمراء شقيّة (نيللّي)”. هل يُحكم على المرأة أن تكون أمّا أو أختا؟ وهل توجد العاشقة خارج هذين البعدين؟
- ج- بالتّأكيد، هناك أبعاد كثيرة. مثلا تتناول الحماقات الفرنسية علاقات بين أب وفتاة. الأمّ، الأخت، المرأة… حكاية فرويد! كما لو أنّ الرّجل مضطرّ للالتزام بثلاثة وجوه! ينبغي الخروج من القرن العشرين. تصوّر دفعني كي أستحضر مفاهيم عسكرية تقريبا تنتمي إلى القرن الثّامن عشر مع كتب مثل كازانوفا، موزارت أو المعجم العاشق للبندقية… أستدعي حِقبا تحفيزية. تتميّز اللّغة الفرنسية بحيويّة، وكذا انبثاق للحريّة بكيفية لم يعرفها قط باقي العالم. حرية أقرّتها الرّومانسية وتجدّد الأمر خلال القرن العشرين. هل يمكننا الخروج نحو القرن الواحد والعشرين صحبة التّفكيكية وكذا التّطهيرية؟
س- يجد القارئ نفسه مرّة أخرى في كتابكَ الأخير، أمام مزيج من التخيّل الذّاتي، سيرة نيتشه، نصوص نقدية متناثرة، استشهادات… هل يمكننا قراءة حياة روحية مثلما نقرأ رواية؟
- ج – قطعا. هكذا اشتغل المعطى تحديدا ضمن التّقليد الفرنسي للرّواية الفلسفية. حاليا، فإنّ كلمة رواية ”تلازم المكان بشكل غير قانوني”، لأسباب تجارية، من خلال نمط الرّواية الأنغلوساكسونية، بمعنى ”الحكاية”. كتابي رواية، لكن ليس مثلما يفترضه التّقليد الأنغلوساكسوني، بل مثلما يتوخّاه التّقليد الأدبي الفرنسي. عندما يقولون لي الأمريكيون ”بأنّ نزعتي الفرنسية مفرطة!” يكون جوابي منطويا على نبرة التأسّف. حقيقة، تُوَجَّه هذه الملاحظة فقط للفرنسيين! هناك شيء ما يضايق وتحديدا الحرّية الجنسية. باستمرار تفضي حكايات الجنس في الرّوايات الأنجلوساكسونية إلى العنف، الكآبة، الانفصال، والحال السّارد في روايتي، هو فيلسوف تربطه علاقة بعيدة الاحتمال تماما مع امرأة شابّة حقّقت نجاحا مهنيا في مجال الموضة: لم يكن هذا الوضع ليتحقّق مع ذلك جرى الأمر! لايمكنني التّظاهر بالكتابة ضمن إطار لغة أخرى. فأنا من داعمي الرّواية الفلسفية الفرنسية. تحظى رواية كانديد (فولتير) براهنية كبيرة، ويكفي نقلها. أحيل القارئ على كانديد والشرق الأوسط، كانديد تحفة فنيّة على امتداد قرون.
س- يحظى لديك فولتير بالإعجاب، في المقابل تنتقد كثيرا مثقفي وفلاسفة زمنكَ!
- ج- فعلا أسخر من المثقّفين والفلاسفة الذين يعتبرون أساسيين بخصوص قول الحقيقي وكذا الصّواب داخل الحاضرة. يمتلكون حيوات بدت لي بشكل عام ضيّقة الآفاق بشكل غير عادي. لا أبدي سخرية نحو هذا الفيلسوف أو ذاك، لكن من مجتمع لاسيما داخل فرنسا، خلق كهنوتا بديلا قوامه كهنوت الجمهورية الذي يمثّل موضوع سخريتي. أقصد تحديدا الاخلاقيين وعلماء الاجتماع باعتبارهم ”كهنوت” زمننا الحالي والجامعيين طبعا. في المقابل، ما يثير اهتمامي أساسا، الشّخصيات القويّة التي تقدّم نماذج حياتية مغامرة!
س- هل تعتقد مع أمين معلوف بأنّ الفرانكفونية تعبير متجاوز، أو على العكس من ذلك يمثّل ”حظّا”؟
- ج- بالنسبة لفنّاني اللّغة، هناك سؤال يلزم طرحه: ”ماذا يعني هذا؟” دون الاهتمام بمعرفة مصدره، أو لون جسده. ما تبقّى يحيل على علم الاجتماع السياسي. يكمن طموحي في أن أرى ذات يوم معجما صينيا يدبِّج المدخل التّالي: ”فيليب سوليرس كاتب باللّغة الفرنسية اهتمّ باكرا جدا بالصين”. تحدثوا دائما عن مرجعيتي الماوية التي شكّلت مرحلة أثناء شبابي المتلاشي، غير أنّهم في الوقت ذاته لم يستحضروا قط العمل الهائل المنجز حول الثّقافة الصّينية.
س- تحضر كثيرا ضمن صفحات عملكَ فكرة العود الأبدي. هل تعتقد بأنّكَ عشت مثلما ينبغي لك أن تعيش؟ هل بوسعكَ البدء ثانية بنفس ذات النّمط؟
- ج- حتما! هو سؤال جوهري. لم تُفهم جيّدا في البداية فكرة العود الأبدي المقنّعة، إنّها قناعة أكثر منها فكرة. هل أفعل أبديا ما أفعله في الوقت الحالي؟ سؤال ممتاز للغاية يتيح إمكانية العيش بكيفية ثانية غير السّوداوية، الإحباط، اللاّمبالاة، النّسيان، الفتور، غياب الوعي، كما لو أنّ وجهة مصير الرّغبة الإنسانية الحقّة -هذا بالغ الخطورة- نهاية معيّنة، بالتّالي الموت، التّواري، عدم الرّغبة في العودة أبديا خلال اليوم الذي أتى على الانقضاء (يضحك ويلتفت نحو النّافذة بإشارة كبيرة) لنتأمّل منظر تلك الأزهار.
س- بعد رواية فلسفية جدا كتبتَها تحت عنوان ”حركة”، تعود مع روايتكَ الأخرى ”جمال” بلغة أكثر حسيّة وموسيقية. قلتَ عن البطلة، وهي عازفة بيانو يونانية بأنّها ”النّعمة الوحيدة داخل مجتمع بشري مجنون”. أعجبتَ دائما بالموسيقيين، هكذا في روايتكَ ”نساء” كانت موسيقية بمثابة الشّخصية الأكثر إيجابية، لكن للمرة الأولى وظّفت بطلا هيئته شخصية موسيقية.
- ج- بالنّسبة إليّ، تكتسح الموسيقى كلّ شيء بطريقة مذهلة. يهمّني أن تكون عازفة البيانو إغريقية. أردت التكلّم عن اليونان، جرّاء مأساتها الرّاهنة حيث تعاني جزيرة ليسبوس من البؤس. أحاول دائما الكتابة عبر استعراض التّناقضات الصّارخة من هنا جاء حديثي عن عازفة بيانو بارعة، داخل بلد يكابد ويعاني. قضت طفولتها في جزيرة إيجينا، ولعبت في معبد أثينا. توخّيت بعث مختلف الجوانب المذهلة في الحضارة القديمة. الألعاب الأولمبية والشّاعر بينداروس، الذي اجتاز مختلف القرون كي يعود إلى الفترة الحالية وينشد بمناسبة الألعاب الأولمبية. حين تناول إشكالية اليونان، شغلني في الوقت نفسه هاجس، تقليب الموضوع من مختلف جوانبه، هناك ظهرت الديمقراطية التي تجابه اليوم الخطر. إذن تبدأ الرّواية لحظة تواجد الرّاوي في أثينا رفقة صديقته. أثينا، مدينة ملوّثة بالموت، لكنها أيضا تنطوي على أكبر تفاصيل الجمال.
س- لا يتعلق الأمر فقط باسم بينداروس، بل كتّاب آخرين…
- ج- هل يوجد في الثّقافة الغربية من تمثّل اليونان، بكيفية عميقة جدا؟ أقف معارضا لمن يريدون القضاء على اللاّتينية واليوغريقية في التّعليم، وأعتبر هذا السّعي حركة رجعية جدا، ذلك أنّ استبعاد دراسة اليونانية، معناه رغبة التّخلص من الديمقراطية، أو اقتراحهم نسخة مزوَّرة. من الفئة الأكثر انشغالا بالإغريق؟ الفلاسفة حتما، لكن أيضا في المقام الأوّل الشّاعر الألماني هولدرلين، لذلك حظي بمكانة على امتداد صفحات هذا العمل.
س- نعاين أيضا حضور الكتّاب الذين تحبّهم: باطاي، سيلين، جويس، جان جنيه…
- ج- إذا سحبنا الخيط الأساسي، يغدو الجميع حيّا، ومعاصرا. ذلك ما أحاول القيام به عبر صفحات جلّ مؤلّفاتي. إذا تعرّض هؤلاء الكتّاب للحظر، فينبغي قراءتهم. وحدها اللّغة الفرنسية أفرزت بكثافة كتّابا متناقضين للغاية. يعتبر نيتشه أوّل من تحدّث عن المعجزة الاغريقية وأعادت إنتاجه مرّة أخرى المعجزة الفرنسية. عانى جيمس جويس، المنع في مكان ثان، ثمّ احتضنته باريس.
س- أيضا تضمّنت هذه الرّواية أسماء الموسيقيين الذين رافقوك دائما مثل يوهان باخ، جوزيف هايدن، أماديوس موزارت وكذا أنطون فيبيرن.
- ج- إنّها الحالة الأكثر إدهاشا وتراجيدية. ينبغي الإصغاء قصد تأمّل تغيّرات عزف كلين غولد على البيانو رقم 27 خلال خمس دقائق واثني عشر دقيقة. تعيد العازفة بين طيات رواية ”جمال”، تقديم ذلك في حفل موسيقي. أنطون فيبيرن موصول تماما بيوهان باخ. يستشهد فيبيرن بهولدرلين خلال مناسبات عديدة، لاسيما هذه الجملة: ”أن تحيا، يعني الدّفاع عن نموذج”. لذلك من البديهي اعتباره منحطّا من طرف النّازيين. التّاريخ مأساوي، فخلال تواجد فيبيرن صحبة زوجته في مكان لجوئهما، غادر المنزل لتدخين سيجارة لكنّه قُتِل عن طريق الخطأ من طرف جندي أمريكي.
س- قلتَ عن التّجربة: ”تكمن التّجربة في رؤية كلّ شيء للمرّة الأولى”.
- ج- هي عبارة موسيقيٍّ لكن ربّما بوسعها أيضا أن تكون كلمة كاتب، موسيقيّ الكلمات.
س- حينما نبدأ، فللمرّة الأولى دائما، مثلما تفعل بعد أن أصدرتَ خمسا وسبعين كتابا؟
- ج- حتما، مثل كلّ الأيام. تكمن هنا حمولة ميتافيزيقية: أن تعيش كما لو يحدث ذلك للمرّة الأولى.
س- رغم أنّ عازفة البيانو نسجت علاقة معلنة مع السّارد، تعتبر رواية ”جمال” ترنيمة حول التّواري عن الأنظار.
- ج- تحوّل كلّ شيء إلى مشهد استعراضي. قلتُ منذ زمن بعيد ”فلتعِشْ متواريا وعِشْ سعيدا”، لنستعد هذه المقولة، التي سادت دائما مختلف كتاباتي. يشمئزُّ المجتمع من الحبّ.
*هامش: مصدر الحوار Josyane Savigneau : L’Orient Littéraire. 01 Juin 2023
