في الحاجة إلى فكر العروي وإبداعه الأدبي

في الحاجة إلى فكر العروي وإبداعه الأدبي

 الدار البيضاء: مختبر السرديات

           في خضم عنف التحولات وتقلباتها الغريبة والتي تعصف بالقيم والروح الاجتماعية، نحتاج دائما العودة إلى الفكر المتماسك والخيال ذي القدرة على تمثل احتمالات وجودنا للفهم والتبصر والتشبث بالأمل لتجاوز الزمن الصعب بدون أعطاب مستديمة.

ونجد في الفكر والإبداع الذي أنتجته الانسانية ملاذا، في النص الواحد كما في المشاريع الكبرى، ومن بين هذه المشاريع التي نحن في الحاجة إلى إعادة قراءتها والإنصات إلى دلالاتها المتجددة ، مشروع عبد الله العروي بكل تشعباته والتي تستكمل تفاعلاتها كأنها مجرّة متناغمة فيها من القوة والدقة حيث تتكشّف الحاجة إلى عبد الله العروي بوصفه مفكّرا يعيد ترتيب الوعي حين يختلط السياسي بالانفعالي ويضغط الراهن إلى حدّ فقدان البوصلة. ففي لحظات الاضطراب الكبرى تتفجّر أزمة المفاهيم، إذ تُستعمل كلمات من قبيل الدولة والحرية والهوية والديمقراطية والمجتمع والتعاقد الاجتماعي الجديد دون اتفاق على معناها، وتتفاقم أزمة الزمن حين يطغى الحاضر المتسارع على كل تفكير تاريخي، وتنهار السرديات الجامعة لتحلّ محلها حكايات الخلاص السريع أو التفسير التآمري. في هذا السياق يبرز العروي باعتباره عقلانية متوهجة، لا تهرب من الواقع ولا تستسلم له، بل تصرّ على أن الفهم يبدأ من ضبط المفاهيم وربطها بسيرورة تاريخية طويلة.

إن مركز مشروع العروي، أو نواة مجرته الفكرية، هو التاريخانية لا باعتبارها ترفا نظريا ، وإنما منهجا صارما للفهم. فلا معنى لأي مفهوم سياسي أو اجتماعي خارج تاريخه، ولا إمكانية لبناء مشروع تحديث دون إدراك شروط نشأة الحداثة وكيف تعمل مؤسساتها. وهو بذلك يعيد طرح السؤال المركزي: كيف ننتقل من وعي تراثي أو مفكك إلى وعي تاريخي قادر على إنتاج الدولة والمؤسسة؟ ويظهر تماسك فكره بوضوح حين نتابع اشتغاله على مشكلة المفهوم، من اللغة إلى السياسة. فالعروي ينبه إلى خطورة استعارة مفاهيم جاهزة ثم انتظارها لتعمل تلقائيا في سياقات مغايرة. إنه يعلّمنا أن أول معارك التحوّل هي معركة المصطلح، وأن الغموض المفهومي ليس مسألة لغوية بريئة بل أساس ارتباك سياسي عميق. ويتعمّق هذا المنظور في معالجته لمشكلة الدولة، حيث يضع العروي المؤسسة في صلب أي أفق تحديثي. ففي لحظات العنف يميل الوعي الجمعي إلى التعلّق بالمثاليات، بينما يذكّرنا العروي بأن لا تحديث بلا دولة، ولا دولة بلا عقل مؤسساتي، ولا عقل مؤسساتي بلا تصور تاريخي للشرعية والقانون والإدارة.

أما في مقاربته للذات والثقافة، فيفكّك العروي وهم اختزال الحداثة في موقف نفسي أو وعي أخلاقي. فالحداثة عنده ليست خيارا ذاتيا معزولا، بل نظام علاقات معقّد يشمل التعليم والإدارة والقانون والاقتصاد واللغة العمومية. ومن هنا يربط الثقافة بالإنتاج التاريخي لا بالحنين، ويضعها داخل سيرورة اجتماعية لا خارجها. وتكتمل صورة هذه المجرة الفكرية حين نضع الكتابة الروائية إلى جانب التنظير المفهومي. ففي حين تتسم كتاباته الفكرية بصرامة التحليل، تشكّل رواياته مختبرا حيّا لاختبار هذه الأفكار داخل التجربة المعيشة، حيث تظهر كلفة التحوّل على النفس واللغة والعلاقات. هكذا يتجلّى العروي، في زمن التحولات العنيفة، كمفكّر للشروط لا للحلول السهلة، وكصوت يعيد الاعتبار للفهم التاريخي في مواجهة الضجيج الأخلاقي والهوياتي، مؤكّدا أن التفكير في زمن الصدمة فعل مقاومة عقلية قبل أن يكون موقفًا نظريًا.

  وفي هذا السياق، تعدد المقاربات التي اشاغل على مشروع العروي، ومن بينها ما أنجزه الناقد صدوق نور الدين في كتابه: “عبد الله العروي بين التمثل الذاتي وصورة العالم” (الآن ناشرون وموزعون) عمان / الأردن، وحوله يقول صدوق في المقدمة:

«يأتي هذا التأليف الذي قصدنا إفراده للروائي «عبد الله العروي»، ليستكمل منجزا نشر في ( 1994) ووسم بالتحديد «عبد الله العروي وحداثة الرواية»، حيث خصت التجربة الإبداعية متمثلة في الرباعية (الغربة، اليتيم، الفريق و أوراق) بالدرس و التحليل، علما بأني أوليت في (1996) أهمية لـ :
(«أوراق» سيرة إدريس الذهنية)، في سياق إقرارها على طلبة السنة الثالثة من التعليم الثانوي التأهيلي.
إن خطة الاستكمال، وليدة التحققات الأدبية السردية التي نشرها الروائي «العروي» والمجسدة في روايتين: «غيلة» و«الآفة» واليوميات «خواطر الصباح» التي ظهرت في أربعة أجزاء، إلى مسرحية «رجل الذكرى» التي ألحقت بداية برواية «الغربة» (1971)، لتتم إعادة نشرها في كتاب مستقل (2014). والواقع أن هذه التحققات أملت التفكير النقدي في هذه الآثار المتفردة الدالة عن اقتدار وكفاءة روائية تعي تما الوعي حدود انشغالاتها واهتماماتها الإبداعية. من ثم آلينا أن تنطبع خطوة الاستكمال بالشمولية، ويتحقق التركيز على التعبير الأدبي من خلال تنوع صيغه وأشكاله التي تجلو كون الإبداع في الرواية لا يتم و لا يتحقق تأسيسا من شكل بذاته، وإنما من خلال اشكال يمليها واقع التعبير والكتابة السردية، كما المعنى المتضمن في هذه الكتابة إلى التحولات الاجتماعية، التاريخية والثقافية.
على أن الاستكمال الشمولي اقتضى استعادة المنجز السابق، بالتالي الانخراط في توسيعه من منطلق المعاين من إصدارات متباينة في كمها دون أن يكون في نوعها والقصد منها. ذلك أن التراكم المتحقق على مستوى التجربة السير ذاتية، لم يتأكد بخصوص شكل الكتابة البوليسية أو الخيال العلمي. وهو ما يوضح بأن طبيعة الامتداد بالتعبير الأدبي لم تكن واردة، وإنما تحكم فيها التفكير في اللاحق، إلى التحولات الاجتماعية وما تستلزمه من أشكال الكتابة والتأليف، خاصة وأن الروائي «العروي» لم ينصص في التجربتين المتأخرتين بدقة «رواية بوليسية» و«رواية الخيال العلمي»، بل ظل الثابت التجنيس الرئيس والأساس «رواية»، مع مطلق الإدراك بكون المعنى في الرواية، يحدد شكل الكتابة في الرواية. بمعنى آخر، إذا كان تراكم الامتداد يتجسد في (الغربة، اليتيم، الفريق، أوراق)، فإن الكيف دلت عليه «غيلة» و«الآفة». والواقع أن هذه النقلة في الكتابة الروائية تفرد بها المنجز الإبداعي للروائي»العروي». وهو تفرد يكسر تقليدية الكتابة في الشكل عينه، وهو البارز على مستوى الرواية العربية ومنها المغربية. وهنا يطرح السؤال: أكان اللاحق مجسدا في التجربتين المتأخرتين يقع خارج دائرة الذات؟
من المؤكد أن ظلال الذات تظل حاضرة مهما جهدنا في تذويبها وتصريفها ضمن تفاصيل السرد بأحداثه وتفاعلاته. بيد أن اللافت كونها تبرز بجلاء ضمن تجارب روائية تأسيسا من اختيارات وقناعات الروائي إلى مرجعياته، وهو الملموس في الآثار الروائية لـ «محمد زفزاف»، «محمد برادة»، «غالب هلسا»، «حيدر حيدر» و«جبرا إبراهيم جبرا». إذ الكتابة في الجوهر تنبع من الذاكرة، الماضي بما هي «محفزة» (حسب تعبير الأستاذ «محمد برادة») لفهم الحاضر و قضاياه. وإذا كان الروائي «عبد الله العروي» أولى الذات المستحق في الرباعية، وإلا فمن تكون شخصية « إدريس» في تماهياتها، فإن تجربتي «غيلة» و «الآفة» تتمثلان الذات ممحوة عبر أكثر من شخصية.
نخلص إلى أن التوسيع الذي خضع له منجز «العروي» على المستوى السردي، يوازى بتوسيع نقدي لما كنا أقدمنا عليه سابقا، في محاولة للتركيز على التعبير الأدبي من خلال تنوع أشكاله، إلى المضامين المعبر عنها. واخترنا الختم إضافة ملحق يحيل على صورة «عبد الله العروي» رجل الآداب في تصوراته النقدية و مواقفه الأدبية حول الكتابة الروائية عالميا و عربيا”.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!