في الذكرى الـ34 لرحيل عبد الرحيم بوعبيد: استحضار الدرس في زمن المتاهة
عبد الرحمان الغندور
تحلُّ في الثامن من يناير الذكرى الرابعة والثلاثون لرحيل الفقيد عبد الرحيم بوعبيد؛ وهي ذكرى لا تستدعي فقط شخوص الماضي، بل تستحضر رحيل “الدرس والمدرس” في سياق وطني وسياسي صار فيه كل شيء يميل نحو الأسوأ، بل واستفحلت فيه الأزمات في الدولة والمجتمع ومؤسسات التأطير، بما فيها الحزب الذي كان يقوده (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، والنقابة التي حرص على تأسيسها.
إن هذا الظرف يفرض علينا سؤالاً وجودياً وعميقاً يراود كل المناضلين الأوفياء، والذين لم تسلبهم “فيروسات المؤسسات” مناعتهم النضالية: ماذا تبقى اليوم من “السي عبد الرحيم”؟

إننا لا نستدعي الرجل من باب التقديس، بل سعياً للفهم من أجل التجاوز الإيجابي، فالسي عبد الرحيم، إلى جانب المهدي وعمر، يظلون ملهمين لنا كلما عايننا واقع الوطن ومتاهات الفعل السياسي الحالي بانزلاقاته وانحرافاته.
إن القراءة المتأنية للواقع تُجمع على أن هناك أزمة بنيوية تطال الدولة والمجتمع، كما تطال حزب “القوات الشعبية” الذي يعيش اليوم أسوأ فتراته التاريخية، حيث تجرّد الفعل السياسي من مصداقيته، وطغى الاستهجان والابتذال على منظومة القيم، وأصبح العنوان الأبرز لمغرب اليوم هو “صناعة الفساد والتضبيع”، وما ينتج عنهما من أزمة شاملة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً.
في هذا المستنقع، يبرز “الدرس البوعبيدي” كضرورة قصوى؛ ذاك الدرس الذي جعل من المعرفة نبراساً للعمل. فلم يكن بوعبيد يركن للنظريات الجاهزة، بل كان يغوص في فهم طبيعة الحاكمين وحاجات الناس، ممتلكاً حدساً تاريخياً خلاقاً يطوعه لخدمة الوطن وتقوية الحزب. لقد جعل الفقيد الوجدان خادماً للمعرفة، فلم تكن معرفته محايدة بل نابعة من حب الوطن، وهو الذي ودعنا بكلمته الخالدة: “إن ما قدمناه لهذا الوطن كان نابعاً من القلب”.
لقد سلح بوعبيد مواقفه ببنية قيمية عصية على الاختراق، صلبة أمام الإغراءات والتواطؤات والمساومات، في زمننا هذا الذي صار فيه الفراغ الوجداني مرتبطاً بمحبة الزائل، والمواقف مرتبطة بالمنافع الذاتية الضيقة. لقد عاصر بوعبيد أزمات كبرى هددت كيان المغرب، وعاش أوضاع حزبه في ظل القمع والتنكيل والفساد المستشري في الستينيات والسبعينيات، لكنه لم يستسلم، بل صاغ مع رفاقه جواب المرحلة بقطع الطريق على “الانتظارية المميتة” عبر قرارات 30 يوليوز 1972 والمؤتمر الاستثنائي، مراهناً على استراتيجية النضال الديمقراطي والتراكم الإيجابي وسط الجماهير، وهو ما تحقق فعلياً بقوة الخطاب وجاذبية الأداة الحزبية التي استقطبت الكادحين والمثقفين والشباب والنساء.
إن الدرس البوعبيدي علمنا أن القائد السياسي يمكن أن يكون رجل دولة بامتياز، يضع المسافات الضرورية بين موقف الدولة وموقف الحزب، دون أن تبتلع الأولى الثاني، ودون السقوط في معارضة دوغمائية، متمسكاً بالموقف المبدئي كفصل خطاب، كما تجلى في موقفه البطولي من قرارات نيروبي حين قال: “ربِّ السجنُ أحبُّ إلي مما يدعونني إليه”.
واليو، ونحن نرى الوطن يتحول إلى “محلبة كبرى للطامعين”، والحقل السياسي يعيش أقصى درجات التفسخ والميوعة، نتساءل بمرارة: ألا نعيش اليوم انتظارية جديدة من داخل مواقع الدولة؟ وانتحارية جديدة بالابتعاد عن العمق الجماهيري؟ إننا نعيش انتظارية المواسم الانتخابية التي فقدت بُعدها الديمقراطي، وانتحارية العزوف السياسي التي تنخر كل الشرائح، وانتظارية الريع السياسي والحصة الغنائمية التي تُمنح هنا وهناك، مما يقضي على ما تبقى من حزب “هز الدنيا وشغل الناس”.
إن الإخلاص لروح بوعبيد وللعهد الذي قطعناه في جنازته يتطلب نبذ هذه الانتظارية الريعية، والانتحارية الانزوائية، والعزوفية؛ فخدمة الوطن تبدأ من التفكير النقدي الجاد والهادف إلى إعادة تأسيس حركة يسارية ذات امتداد جماهيري حقيقي. فلا شيء محدداً مسبقاً، ولا شيء مخسوراً منذ البداية إذا استعدنا زمام المبادرة بإرادة حقيقية تعمل على تجميع كل الأطياف الوطنية والتنويرية والديمقراطية، وفتح فضاء للحوار الوطني العمومي من أجل صياغة خارطة طريق لمستقبل الوطن بكافة شرائحه ومكوناته.
