في رحيل زياد

في رحيل زياد

 وديع جريديني

وكان قد “ذهب عميقًا في دمي”… وفي دم أجيالٍ كاملة.. فلم يكن عابرًا في زمننا، بل مقيمًا في وجداننا، مهما اختلفنا معه أو حوله.

جدّد موسيقانا، عصرنها دون أن يقطع جذورها، ففتحها على العالم، ومزجها بالكلمة الجميلة والبسيطة بروحٍ لا تشبه سواه، فكانت الأغنية عنده سهلة ممتنعة.. وأعطى المغنين والمغنيات وفي طليعتهم والدته فيروز أبعادًا جديدة وحديثة، حاكت جمهورهم والأجيال الجديدة على حد سواء.

وكان كاتبًا و مخرجاً مسرحيًا وممثلاً، صنع مسرحًا ساخرًا وفكاهيًا بامتياز، تناول فيه قضايانا المجتمعية والسياسية والمعيشية بعمقٍ قلّ نظيره، وبواقعية ممزوجة باستشرافٍ لما ستؤول إليه الأمور.

من أعماله خرجت عبارات صارت جزءًا من لغتنا اليومية، نرددها بعفوية ونضحك بها على وجعٍ لا يزال حاضرًا:

رأسه معكوف”، “بيفرد”، “زمان الطائفية”، “قرطة عالم”، “مجموعين؟ لا، مقسومين!”،”هدوء نسبي”، “من مرا لمرا عمترجع لورا”،”العقل زينة”، والكثير غيرها

عبارات تسللت إلى يومياتنا، نضحك بها على ما يؤلمنا، لأنها تُشبهنا، وتقول عنا ما لا نقوله. صارت مرآةً نطلّ فيها على أنفسنا، ولا نُفلت من صدقها.

فنّه سكننا، وغيابه يوجعنا.

باقٍ في وعينا، وفي أسلوبنا حين نفكر، نحب، نسخر ونحتج.

في زمن الحرب والكراهية والانهيار، أعطانا زياد ما هو أكثر من الفن.

أعطانا عالمًا بديلًا: لغةً نستنجد بها، ومخيلةً نعيش فيها، وعلاقاتٍ نتشبّث بها، ونهجًا يجعل من الصدق مسارًا لا شعارًا.

أعاد إلينا القدرة على رؤية وطنٍ عادل، ممكن، لكل الناس لا وطنًا قائمًا على الطوائف والمصالح، بل وطنًا يُبنى بالكلمة والفكرة والإرادة.

أما أنا، فلي معه ذكرى شخصية واحدة، لا تُنسى.

قبل نحو عشر سنوات، شاءت الصدفة أن ألتقيه وجهًا لوجه، وكان كما توقّعته: بسيطًا، بلا ادّعاء، حاضر النكتة، وهادئًا على نحوٍ يخيّل لك أنه يرى الدنيا من مسافة ساخرة.

استغليت اللقاء لسؤاله، ممازحًا، عن اسم شخصية ظهرت في مسرحيته شي فاشل (1983) تُدعى “مدام جريديني” وأنا من العائلة ذاتها.

ضحك كثيرًا، وطمأنني بألا أحمّل الأمر أيّ بُعد أو دلالة، وقال ببساطة: “كان في مدرسة بالحَي اسمها “روضة جريديني”… الاسم علِق براسي!”

ضحكنا.

ثم سألته عمّا تداوله الإعلام آنذاك عن قراره بمغادرة لبنان — وكان هو الرمز الذي انتظرنا أن يبقى، أن يصمد، أن لا يترك.

نظر إليّ بهدوء وقال: “59… يكفي.”

وكان يومها قد بلغ التاسعة والخمسين. قالها وكأنه يقول: “تعبت… وما عاد فيني.”

تحدثنا بعدها في أمور أخرى، لكن تلك العبارة بقيت في ذاكرتي، كأنها خلاصة رجل أحبّ بلده بمرارة، وصارع فيه الأمل حتى آخره.

لكنه، رغم كل شيء، لم يغادر.

ظلّ هنا، كما كان دائمًا: حاضرًا بفنّه، بصوته، بصدقه، وبأسئلته التي لا تزال معنا

سلامٌ إلى روحه الجميلة.

كل العزاء للسيدة فيروز، ولهلي وريما، ولعائلته الصغيرة، ولكل من أحبّه ووجد في فنّه ملاذًا أو مرآة.

شارك هذا الموضوع

وديع جريديني

أستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!