في مهزلة التصريح الحكومي ومأزق الأداء التنفيذي للسيدة المنصوري
عمر بنعطية
لم تكن جلسات مناقشة التصريح الحكومي الذي تقدمت به رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مجرد إجراء برلماني شكلي أو محطة دستورية عابرة يتجاوز أمرها بمجرد التصويت، بل استحالت تحت مجهر التحليل والمتابعة، مرآة كاشفة لعمق الأزمة السياسية والتنفيذية التي تتربص بمسار التجربة الحكومية الحالية. فبين نص هجين أعد على عجل في كواليس القرار، وأداء ركيك مشفوع بالتعثر والارتباك من قبل رئيسة الجهاز التنفيذي، تجلت الهوة السحيقة والعميقة بين نبرة الاستعلاء الرسمي والتطلعات المجتمعية الحارقة، لتأتي تدخلات المعارضة مسددة كاشفةً وساترة لعورات الخطاب الحكومي المنسوج بعبارات إنشائية فضفاضة.
تجسدت أولى الخيبات الصارخة على منصة القبة نفسها، إذ ظهرت رئيسة الحكومة في مشهد متلعثم يشي بفقر الاطلاع المسبق على مضامين التقرير الذي بين يديها. فلم يتعد الأداء في حقيقته حدود الترديد الآلي الفاقد للروح، لبرنامج يرجح ترجيحا غالبا أنها لم تطالع تفاصيله إلا دقائق معدودة قبل الوقوف أمام النواب، مما سلب النص حيوية الطرح السياسي، وأفقد المؤسسة التشريعية هيبتها الدستورية المفترضة. والأنكى من ذلك استمرار المنصوري في ارتداء عباءة المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة، متناسية الدستور وما يفرضه الموقع الاعتباري لمنصب حكومي رفيع يفترض أنه يمثل الأمة بكامل أطيافها وتعبيراتها. هذا الفصام التنظيمي والسياسي انعكس صلافة في النبرة وتجاهلا لأبجديات اللباقة والخطاب المؤسساتي، ليبقي التصريح أقرب إلى بيان حزبي تعبوي هزيل منه إلى برنامج عمل تنفيذي ملزم للدولة والمواطنين.
أمام هذا المشهد الهش شكلت مداخلات ممثلي المعارضة في كلا المجلسين (النواب والمستشارين) جدارا نقديا متماسكا فكك الادعاءات الحكومية وأبان عن خلو التعهدات من أي سند رقمي أو إجرائي.
إدريس الأزمي الإدريسي (حزب العدالة والتنمية):
قدم الأزمي محاكمة دستورية صريحة، مبرزا عجز البرنامج عن تقديم أجوبة عملية لإشكاليات الحماية الاجتماعية والتنمية، ومستنكرا منطق الهيمنة السياسية والتضليل والهروب إلى الأمام في التعاطي مع المطالب الشعبية.
نبيلة جلال وعمر محمود بنجلون (تحالف اليسار):
صاغ النائبان وثيقة رفض قاطعة للبرنامج الحكومي، معتبرين إياه امتدادا ميكانيكيا لسياسات الولاية السابقة وتكريسا علنيا لـ “التزاوج الفاضح بين المال والسلطة”. وقد انتقد بنجلون استمرار توجهات “عدالة الأغنياء” وتثبيت وزير العدل عبد اللطيف وهبي المثير للجدل.
بينما ركزت جلال على ضرورة مدخل الإصلاح الدستوري القائم على الملكية البرلمانية، مع الإصرار على العفو العام الشامل عن معتقلي حراك الريف، وشباب “جيل زد”، والمعتقلين السياسيين والصحافيين والنقابيين.
ريم شباط (حزب الحركة الشعبية):
سلطت الضوء على الفجوة الهائلة بين الوعود الانتخابية الوردية والواقع المعيشي اليومي القاسي، مفككة ارتباك المنظومة الحكومية وافتقادها لأي التزامات زمنية أو ميزانياتية محددة.
في مواجهة هذه المحاكمة السياسية والقانونية الشرسة، عجزت فاطمة الزهراء المنصوري عن تقديم أجوبة سياسية رصينة تفند الانتقادات بالدليل والحجة، مكتفية بتصريحات انفعالية وتبريرات فضفاضة. فحين واجهها الأزمي بشبهات ارتباط قيادات محسوبة على حزبها بقضايا تهريب المخدرات والفساد المالي، لجأت إلى منطق “عليّ وعلى أعدائي”، مجيبة دون أدلة: “أنتم أيضا لديكم متهمون وسجناء ومروجو مخدرات”، وهو رد ضعيف أسقط هيبة المنبر الحكومي إلى مستوى التراشق الحزبي الضيق.
في ردها على ريم شباط، ادعت المنصوري أن “المغاربة لم يأتوا بها لتجيد نطق الحروف والهمزة”، وهو تبرير مضلل يهرب من جوهر الانتقاد المتعلق بضعف الرؤية وركاكة الخطاب.
وفي السياق ذاته، لم تكن زلة رئيس فريق “الجرار” حين أخطأ في نطق عبارة وزارة الذكاء ليقول تلقائيا “وزارة الصيكان” مجرد تعثر لسان عابر، بل جاءت بمثابة رمزية فاجعة لواقع الفساد الانتخابي وتوظيف المال الحرام في الاقتراعات.
علاوة على ذلك وثقت الكاميرات خروج رئيسة الحكومة المتكرر خارج القاعة للإجابة على المكالمات الهاتفية، في مشهد مفضوح يعكس التلقي الفوري للتوجيهات من الكواليس، فضلا عن رصد نظرات الاستهانة والاستعلاء التي وجهتها لمداخلة النائب الشاب أسامة عبد العزيز باريك.
إن هذا المسار يضع المتابعين أمام قناعة راسخة بأن البلاد تعيش إحدى أسوأ المراحل السياسية في تاريخها الحديث، حيث يرتدي الاستعلاء لبوس التدبير، ويتحول العمل الحكومي إلى واجهة تدار بالوكالة والتعليمات الفوقية.
تلك إذن إشارات وملاحظات مركزة حول أجواء المناقشة البرلمانية للتصريح الحكومي، لم تستهدف حصر كل ما أثير في مداخلات النواب ولا تفصيل كافة ردود السيدة المنصوري، بقدر ما سعى التقرير إلى تقديم صورة جليّة ومباشرة لروح اللحظة الجارية. صورة تختزل جوهر الصراع السياسي تحت القبة، وتضع اليد على مكمن الخلل في الآداء التنفيذي والحوار المؤسساتي بين حكومة تتعثر في دفاعاتها ومعارضة تسائل الشرعية والإنجاز. صورة تعكس بجلاء مأزق الخطاب الحكومي وتكشف عجز التدبير الرسمي عن مجاراة الأسئلة الحارقة للمرحلة.
والخوف كل الخوف من أن يكون المشهد برمته إعلانا عن الولوج الفعلي لمنطق “دولة البام”، كما عبر عن ذلك أحد الاتحاديين الغاضبين من خارج بطانة القيادة.
كما يظل الأمل حاضرا في ألا يتخذ وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى هذا المنصب الرفيع معيارا لتقييم الوزن السياسي والتنفيذي لنساء المغرب، فإن الإخفاق هنا يعود لطبيعة الخيارات والأسلوب وممارسات “المعاطية” بالمنطق السجالي الضيق، ولا يعكس بحال من الأحوال كفاءة المرأة المغربية وقدرتها على القيادة الرصينة.
