في مواجهة الاستبداد الناعم: لماذا يرفض محامو المغرب تشريع الاستثناء؟

في مواجهة الاستبداد الناعم: لماذا يرفض محامو المغرب تشريع الاستثناء؟

عبد الإله الفشتالي

استهلال بومضتين من فكر توكفيل:

[أعتقد أنني كنت سأحب الحرية في كل العصور، لكني أشعر بميل لتقديسها في العصر الذي نحن فيه].

[ليست الحرية هبة من المجتمع، بل هي ثمرة نضال مستمر، وعلى الراغبين في الحفاظ عليها أن يظلوا ساهرين دوماً للدفاع عن حقوقهم]..

(أليكسيس دي توكفيل، مُنظر “الاستبداد الديمقراطي” أو ما يُسمى “الاستبداد الناعم“)

       تتويجاً للتعبئة النموذجية والإضراب الذي تلاها، تدفق المحامون والمحاميات من مختلف الأعمار ومن كافة ربوع المملكة، يوم الخميس 6 فبراير 2026، في صفوف متراصة وأمواج متتالية، ليحتشدوا أمام مقر البرلمان. جاءت هذه الوقفة لتجدد رفضهم القاطع لمشروع القانون “الاستثنائي” رقم 66-23، ولتؤكد تمسكهم الراسخ بجمعية هيئات المحامين بالمغرب.

كانت السماء رحيمة متضامنة، والفضاء هادئاً يفتح ذراعيه للمحتجين، قبل أن ترتفع الأصوات دون صخب أو فزع. وخلف اللافتات المرفوعة، طالب المحامون بسحب النص المفروض، ذلك النص الذي وُجه كطعنة في وجه العالم، ويمثل مسخاً للرباعي المقدس: الحرية، الحصانة، الاستقلال، والمسؤولية. وهي مفاهيم أربعة جوهرية، متكاملة ولا تقبل التجزئة من منظور الفلسفة والأخلاق، وبدونها تفقد مهنة المحاماة طبيعتها ويستحيل ممارستها.

في ذلك اليوم، ترافع المحامون في الهواء الطلق نيابة عن كل المتقاضين: الفرد، الجماعة، والوطن. وفي مشهد مهيب، رفع المتظاهرون أذرعهم كآلات موسيقية تضبط أوتارها نسمات الظهيرة، ليعزفوا بصوت واحد “نشيد العقل“.

كان ذلك تمهيداً للخطاب المرتقب لرئيس الجمعية، النقيب الأستاذ الحسين الزياني. وفي صمت رهيب، أخذ الكلمة متحدثاً دون مواربة أو تكلف خطابي، موجهاً خطابه مباشرة إلى الحضور بهدوء وصبر واتزان وبشكل منهجي، طرح الرسائل المفتاحية:

  – نعم للإصلاحات الناضجة، التشاركية، والضرورية للتقدم... نعم للتفاوض الشامل والشفاف... لا لتبديد المكتسبات... لا لتفكيك المهنة وتحقير قيمتها.

لم يكن هناك مجال للغضب أو المزايدة أو الغموض، بل كانت كلمة واضحة صافية متجذرة في مؤسسة الدولة ومنفتحة على أفق دولة الحق والقانون. حدد الخطاب، بلا نشاز، لحظة تاريخية في مسارنا القانوني والدستوري والمؤسساتي، وقوبل بعاصفة من التصفيق الطويل، قبل أن يعود الهدوء ليشهد على عدالة مشروعية قضيتنا.

بناءً على ما سبق، يجدر بشركائنا الذين يتابعون هذا الحشد الوطني أن يدركوا الواقع، ويعلموا أن للمحامي كلمة سيقولها دوماً:

  1. استقلال هيئة المحامين لن يضعف ولن ينحني لأغراض التلاعب.
  2. لن يتحول المحامون إلى مجرد وحدات إنتاجية خاضعة أو مأمورة.
  3. كل محاولة لتحريف مسار الاحتجاجات المشروعة محكوم عليها بالفشل.
  4. الخطابات المضادة استنفدت وقتها وفقدت كل وجاهة.
  5. يخدع نفسه ويغالي في تقدير ذاته من يتوهم، ضداً على الإرادة العامة، قدرته على إخضاع الهيئة لأي “إملاءات”  أياً كان مصدرها.
  6. النزعة الأبوية والوصاية ووضع المهنة تحت المراقبة، هي ممارسات غير ديمقراطية، مهينة وغير منتجة.
  7. الديمقراطية نفسها لا تحيا إلا إذا كانت تُمارس وتُعاش واقعاً ملموساً.
  8. على الحكومة أن تلزم نفسها برفع بصرها والنظر بعيداً.
  9. تعليق الإضراب رهين بصدور بلاغ حكومي مسبق، يتعهد بفتح باب الحوار مع الجمعية على القواعد الصلبة للديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور.
  10. الاستبداد الديمقراطي، بعدما كُشف قناعه، أصبح منبوذاً.

*  ستظل جدران البرلمان يتردد فيها طويلاً صدى الأصوات التي نادت بالدور المحوري للمحامي، وبسمو واحترام دولة الحق والقانون.

الدار البيضاء، 7 فبراير 2026

 

 

شارك هذا الموضوع

عبد الإله الفشتالي

محام وناشط في مجال حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!