قانون المالية 2027: بين الوعود الحكومية واختبار الأرقام

قانون المالية 2027: بين الوعود الحكومية واختبار الأرقام

د. رباب مقران

         كما قلت في المقال السابق، في مناقشة التصريح الحكومي لرئيسة الحكومة فاطمة الزهراء منصوري، إن نسبة النمو المتوقعة في تصريحها، والمحددة في خمسة بالمائة، غير واقعية. وها هو وزير الاقتصاد والمالية والأداء العمومي، السيد فوزي لقجع، يعتمد في مشروع قانون المالية لسنة 2027 نسبة نمو لا تتجاوز 3.7 بالمائة. وهذا الفارق ليس تفصيلا تقنيا، بل يطرح سؤالا سياسيا واقتصاديا حول مدى دقة التوقعات التي بني عليها الخطاب الحكومي، وحول المسافة الفاصلة بين ما تعد به الحكومة وما تسمح به الإمكانات الاقتصادية الفعلية.

حين تعلن رئيسة الحكومة نسبة نمو تبلغ خمسة بالمائة، ثم يأتي مشروع قانون المالية ليعتمد 3.7 بالمائة، نكون أمام فارق قدره 1.3 نقطة مئوية. وقد يبدو هذا الفارق محدودا في الخطاب السياسي، لكنه مهم في الحسابات الاقتصادية، لأن النمو يؤثر في توقعات المداخيل الضريبية، وفرص الشغل، وتمويل البرامج الاجتماعية، والتحكم في عجز الميزانية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تصحيح التوقعات وإثبات القدرة على تحقيقها. فنسبة 3.7 بالمائة نفسها ليست نتيجة محققة، بل فرضية حكومية تظل رهينة بتطور النشاط الفلاحي، والطلب الخارجي، والاستثمار، والظروف الاقتصادية الدولية. ومن هنا تبدأ القراءة النقدية الحقيقية للمشروع: ليس من خلال الأرقام المعلنة وحدها، بل من خلال مدى واقعيتها وقدرتها على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

النمو الاقتصادي لا يكفي وحده

تراهن الحكومة على نمو اقتصادي بنسبة 3.7 بالمائة خلال سنة 2027، في سياق تسعى فيه إلى الحفاظ على التوازنات المالية ومواصلة الاستثمار. غير أن السؤال الأساسي لا يتعلق بمعدل النمو في حد ذاته، بل بطبيعة هذا النمو، والقطاعات التي ستقوده، ومدى انعكاسه على التشغيل والدخل والقدرة الشرائية.

فقد يسجل الاقتصاد نموا إيجابيا من دون أن يشعر به المواطن في حياته اليومية، خصوصا إذا تركزت ثماره في قطاعات محدودة، أو لم يصاحبه إحداث فرص شغل مستقرة، أو ظلت الزيادة في المداخيل أضعف من ارتفاع تكاليف المعيشة. لذلك لا ينبغي التعامل مع النمو باعتباره غاية مستقلة، بل وسيلة يفترض أن تنعكس على مستوى الخدمات العمومية، وفرص العمل، وتوزيع الثروة.

وتزداد أهمية هذا السؤال حين ترتبط التوقعات الاقتصادية بعوامل يصعب التحكم فيها بالكامل، وفي مقدمتها الموسم الفلاحي والتقلبات الخارجية. فالاقتصاد الذي يظل جزء مهم من أدائه مرتبطا بالتساقطات المطرية يحتاج إلى سياسات تقلص هذه الهشاشة، لا إلى توقعات متفائلة فحسب.

استثمار عمومي كبير.. وأي مردودية؟

يرفع مشروع قانون المالية الجهد الاستثماري العمومي المرتقب إلى 400 مليار درهم. وهو رقم كبير، لكن حجمه وحده لا يكفي للحكم على نجاعته. فالاستثمار العمومي ينبغي أن يقاس بما ينتجه من قيمة مضافة، وما يخلقه من فرص الشغل، وما يساهم به في تقليص الفوارق المجالية، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الأموال المعلنة للاستثمار وبين المشاريع المنجزة فعليا. فالمواطن لا يستفيد من الاعتمادات المدرجة في الوثائق المالية بقدر ما يستفيد من مدرسة تتوفر على شروط التعلم، ومستشفى يقدم علاجا في الوقت المناسب، ونقل عمومي ملائم، ومرافق أساسية تصل إلى المناطق التي ظلت خارج دينامية التنمية.

كما أن ارتفاع الاستثمار العمومي لا يضمن تلقائيا عدالة توزيعه. لذلك تظل الأسئلة المتعلقة بالتوزيع الجهوي، والأولويات القطاعية، ونسب الإنجاز، والمردودية الاقتصادية والاجتماعية، أساسية في تقييم المشروع. فالمطلوب ليس فقط ضخ المزيد من الأموال، بل ضمان أن تتحول إلى خدمات وفرص حقيقية، وأن تخضع المشاريع للمحاسبة والتقييم.

62 مليار درهم للأولويات الاجتماعية: ما الذي سيشعر به المواطن؟

تقدر الحكومة الأثر الإجمالي للأولويات الاجتماعية بنحو 62 مليار درهم، وتشمل الإجراءات المعلنة دعم القدرة الشرائية، والحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والسكن، إلى جانب برامج موجهة للشباب. كما يتضمن المشروع رفع الحد الأدنى للإعانة الاجتماعية المباشرة من 500 إلى 600 درهم شهريا في مرحلة أولى، مع التوجه نحو زيادتها تدريجيا خلال الولاية الحكومية.

هذه الإجراءات تستحق التقييم من حيث أثرها الفعلي، لا من حيث قيمتها الإجمالية المعلنة فقط. فالدعم المالي يمكن أن يخفف بعض الأعباء عن الأسر، لكنه لا يعوض وحده ضعف الخدمات العمومية أو هشاشة فرص العمل أو ارتفاع تكاليف السكن والنقل والعلاج.

والأهم هو معرفة عدد المستفيدين الفعليين، وشروط الاستفادة، ومدى انتظام الدعم، والقوة الشرائية الحقيقية للمبالغ المخصصة له. كما ينبغي ألا يتحول الدعم إلى بديل عن إصلاح المدرسة العمومية والمستشفى العمومي، لأن كرامة المواطن لا تتحقق فقط بتحويل مالي، بل كذلك بضمان حقه في خدمات ذات جودة وفي فرص عادلة للعيش والعمل.

ومن جهة أخرى، لا يكفي الإعلان عن اعتمادات اجتماعية مهمة إذا لم تقترن بمؤشرات واضحة تسمح بقياس النتائج. فنجاح السياسة الاجتماعية يقاس بتراجع الهشاشة، وتحسن الولوج إلى العلاج والتعليم، وانخفاض الفوارق، وليس بمجرد حجم الميزانية المرصودة.

التشغيل وجودة الخدمات العمومية

يظل التشغيل أحد الاختبارات الأساسية لأي مشروع قانون مالية. فالمواطن الذي يواجه البطالة أو العمل غير المستقر لن يجد في معدل النمو وحده جوابا عن أسئلته. كما أن إحداث مناصب مالية في القطاع العام، مهما كانت أهميته، لا يعفي من ضرورة وضع سياسة أوسع قادرة على تحفيز الاستثمار المنتج، وتطوير المقاولات، وتحسين التكوين، وربط التعليم بحاجات الاقتصاد.

وينطبق الأمر نفسه على الصحة والتعليم. فزيادة الميزانيات قد تكون ضرورية، لكنها لا تضمن وحدها تحسن النتائج. إذ يتوقف ذلك أيضا على طريقة توزيع الموارد، وتدبير المؤسسات، وتوفير الأطر والتجهيزات، والحد من الهدر، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لذلك ينبغي أن يتضمن تقييم المشروع أسئلة عملية: هل ستتحسن جودة التعلمات؟ هل سيصبح العلاج متاحا في ظروف أفضل؟ هل ستتقلص فترات الانتظار؟ هل سيجد الشباب فرصا مستقرة؟ وهل ستصل آثار الإنفاق العمومي إلى الفئات والمناطق الأكثر حاجة؟

عجز الميزانية والدين: التوازن بأي ثمن؟

تستهدف الحكومة حصر عجز الميزانية في حدود 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام خلال سنة 2027، مع توقع تراجع طفيف في نسبة الدين العمومي إلى الناتج الداخلي الخام. ويعكس هذا التوجه رغبة في المحافظة على التوازنات المالية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول كيفية التوفيق بين ضبط العجز وتمويل الحاجات الاجتماعية والاستثمارية.

فضبط العجز ليس هدفا منفصلا عن الاقتصاد والمجتمع. فهو يصبح أكثر أهمية حين يحمي المالية العمومية من الاختلالات، لكنه يفقد جزءا من معناه إذا تحقق على حساب الخدمات الأساسية أو أدى إلى تأجيل إصلاحات ضرورية. وفي المقابل، فإن توسيع الإنفاق من دون ضمان مردوديته قد يزيد الضغط على الميزانية ويحد من هامش التدخل في المستقبل.

المعيار إذن ليس الاختيار بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، بل بناء سياسة مالية تجعل الإنفاق أكثر نجاعة، وتوسع قاعدة المداخيل على نحو عادل، وتحد من الهدر والامتيازات غير المبررة، وتضمن أن تكون الموارد المعبأة في خدمة التنمية لا مجرد أرقام في وثائق رسمية.

العدالة الضريبية جزء من العدالة الاجتماعية

لا يمكن مناقشة قانون المالية من دون مساءلة الطريقة التي توزع بها الأعباء الضريبية. فعدالة النظام الجبائي لا تقاس فقط بحجم الإيرادات التي يجمعها، بل كذلك بمن يتحمل العبء الأكبر، وبمدى قدرته على الحد من التفاوت بين الفئات، ومكافحة التهرب، وتوسيع الامتثال الضريبي.

ومن هنا تبرز أهمية تقييم الإجراءات الضريبية المقترحة وفق أثرها الفعلي على الأجراء والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وعلى الأنشطة الاقتصادية الكبرى. فالنظام الذي يطالب الفئات ذات الدخل المحدود بتحمل أعباء إضافية، بينما لا يحقق الإنصاف المطلوب في توزيع العبء، يصعب أن يحظى بالثقة الاجتماعية.

كما أن الإصلاح الجبائي لا ينبغي أن يقتصر على تعديل المعدلات أو إحداث تدابير جديدة، بل يفترض أن يحقق وضوحا واستقرارا في القواعد، وأن يحد من التفاوت في المعاملة، وأن يربط الامتيازات الممنوحة للمستثمرين بنتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.

من الخطاب الحكومي إلى المحاسبة على النتائج

يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجموعة من الأهداف المتعلقة بالنمو والاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية وضبط العجز. لكن الإعلان عن الأهداف لا يعادل تحقيقها، كما أن جمع الأرقام الكبيرة في وثيقة واحدة لا يكفي لإثبات وجود تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.

إن الاختبار الحقيقي للمشروع سيكون في نتائجه: هل ستتحسن القدرة الشرائية؟ هل ستتراجع البطالة والهشاشة؟ هل ستتحسن المدرسة والمستشفى العموميان؟ هل سيصبح الاستثمار أكثر إنتاجية وتوازنا بين الجهات؟ وهل ستتوزع الأعباء والفرص بصورة أكثر إنصافا؟

أما الفارق بين نسبة النمو التي أعلنتها رئيسة الحكومة وتلك التي اعتمدها مشروع قانون المالية، فيظل مؤشرا يستحق التوقف عنده، لأنه يذكر بأن الخطاب السياسي ينبغي أن يستند إلى تقديرات واقعية، وأن تكون الوعود قابلة للقياس والمحاسبة.

في النهاية، لا ينبغي تقييم قانون المالية بما يعلنه من نيات، بل بما يتيحه من إمكانات، وبما يحققه من نتائج. فالمواطن لا يعيش داخل توقعات النمو، ولا يستفيد من حجم الاستثمار المعلن لمجرد الإعلان عنه؛ إنه يحكم على السياسات من خلال العمل والدخل والخدمات والكرامة. ومن هنا، فإن نجاح قانون المالية لا يثبت يوم تقديمه، بل حين تظهر آثاره في حياة الناس.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!