قراءة المشهد السياسي المغربي من الماضي إلى الحاضر والمستقبل
عبد الرحمان الغندور
في قراءة نقدية حادة للمشهد السياسي المغربي، يبدو أن “الفنجان” الذي يحاول الكثيرون فك طلاسمه اليوم لا يحمل بشائر انفراج بقدر ما يعكس ترسبات عقود من “هندسة الخرائط” التي أفضت إلى نفق مسدود. إن العودة للمساءلة السياسية اليوم، وسط هذا الركام من انتصارات الواجهة وركام الخيبات التنموية، ليست ترفاً فكرياً أو ادعاءً لامتلاك الحقيقة، بل هي محاولة اضطرارية لاستنهاض ما تبقى من نخب “نظيفة مشتتة” في مواجهة انهيارات شاملة تهدد المستقبل. وإذا كان التاريخ هو مرآة الآتي، فإن تشريح أدوات تدبير الشأن العام منذ الاستقلال يكشف أن “الإرادة المتحكمة” كانت دائماً هي الناظم الوحيد، حيث تحول الملك الراحل الحسن الثاني إلى مركز القرار المطلق، محاطاً بـ “خدام أوفياء” مروا جميعاً من دهاليز وزارة الداخلية، تلك “أم الوزارات” التي طبخت فيها أولى سيناريوهات الدولة العميقة. فمنذ دستور 1962 “الممنوح” الذي فجر الصراع مع المعارضة التاريخية، تشكل “المربع الملكي” كجهاز غير معلن لصناعة الخرائط، حيث تماهى فيه دور مدير الديوان الملكي بوزير الداخلية في شخص أحمد رضا كديرة، ليصبح المطبخ السياسي هو المنتج الحصري للسيناريوهات التي تضمن بقاء النظام وتحكمه، سواء عبر القمع أو عبر صناعة أحزاب هجينة لمواجهة المد النضالي، كما حدث مع “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية“.
إن العودة إلى المسار “الديمقراطي” في منتصف السبعينيات لم تكن سوى مناورة سياسية مخدومة لامتصاص الاحتقان الذي بلغ ذروته مع المحاولات الانقلابية وأحداث “مولاي بوعزة”، حيث انخرطت الدولة العميقة بقيادة إدريس البصري في عملية “ترويض” ممنهجة للمعارضة عبر ثنائية الترهيب والترغيب. ومن هنا نسجت خيوط المسلسلات الانتخابية التي لم تتوقف عن إنتاج “التزوير” وصناعة أحزاب “الأنابيب” التي ولدت في ردهات الإدارة، من التجمع الوطني للأحرار إلى الاتحاد الدستوري، وصولاً إلى تفجير الأحزاب التاريخية من الداخل وتفريخ كيانات مجهرية لإضعاف الكتلة الوطنية. ولم تكن “حكومة التناوب التوافقي” بقيادة عبد الرحمن اليوسفي إلا ذروة هذا المخطط البراغماتي، حيث تم استدراج اليسار إلى فخ التدبير لتطبيع علاقاته مع الأحزاب الإدارية، مما أدى في النهاية إلى “قَولبة” الجميع في قبيلة سياسية واحدة، تتصارع على الريع والمواقع لا على البرامج والأفكار. ومع انتقال الحكم إلى الملك محمد السادس، استمرت نفس المنهجية بوجوه جديدة، حيث برز تلامذة “المعهد المولوي” ليحلوا محل الحرس القديم، وبدأت هندسة جديدة قطعت مع “المنهجية الديمقراطية” بتعيين تكنوقراطي على رأس الحكومة في 2002، معلنة بذلك تعطل الانتقال الديمقراطي لصالح “دولة المقاولة” والبحث عن نخب مطيعة.
لقد تفتقت عبقرية المطبخ السياسي الجديد عن “تقرير الخمسينية” كأرضية إيديولوجية لمشروع “حركة لكل الديمقراطيين” التي تحولت إلى حزب “الأصالة والمعاصرة”، ليعيد إنتاج تجربة “الفديك” بلبوس عصري ولغة ” شبه يسارية “، لكن “الربيع العربي” وانفجار حركة 20 فبراير في 2011 خلطا الأوراق، مما اضطر الدولة العميقة للانحناء للعاصفة وتقديم تنازلات دستورية عجلت بصعود الإسلام السياسي. ومع ذلك، لم يتوقف صناع الخرائط عن المناورة، فتم تسخير “الوافد الجديد” كفزاعة لمواجهة العدالة والتنمية، وجرى التلاعب بالتحالفات الحكومية لفرملة شعبوية بنكيران، وصولاً إلى استبدال “الإسلاميين” بـ “حزب الهولدينغ” (أخنوش) في انتخابات 2021. هذا التحول كشف عن زواج كاثوليكي بين السلطة والمال، حيث أصبحت “الهولدينغات” هي المتحكمة في تفاصيل الاقتصاد والسياسة معاً، وسط عزوف شعبي واسع وتحلل كامل للقيم السياسية. ليقف المغرب أمام تحالف حكومي “غير متجانس” يزرع الخيبات ويدمر ما تبقى من وعي اجتماعي، بينما يبدو “كاراج” صناعة الخرائط السياسية قد استنفد كل قطع غياره؛ فالأحزاب الوطنية تم تخريبها، والكيانات الإدارية تحولت إلى “خردة سياسية”، وحتى الأوراق الحالية للحكومة تحترق يومياً تحت وطأة الفضائح وسوء التدبير وتفاقم الأوضاع الاجتماعية.
إن السؤال المرعب عما يخبئه الغد يجد إجابته في هذا الفراغ المهول؛ فماذا تبقى بعد أن تم مسح الذاكرة النضالية لليسار، وتدجين الإسلاميين، وتسييد “التفاهة” عبر تكنولوجيا التواصل لتصبح هي المؤطر الوحيد للشباب؟ لم يتبقَ سوى “أحزاب المناولة” التي تمارس السياسة كمطية للارتقاء المادي، وشارع يتم التحكم فيه عبر ” العصا الغليظة ” و”التضبيع” والتمييع الممنهج. إننا نتجه نحو انتخابات 2026 التي لا يمكن وصفها إلا بـ “انتخابات القمار”، حيث يراهن الجميع على “خيول وبغال” هي في النهاية مجرد أدوات مأمورة في يد المطبخ السياسي. في هذا المشهد السريالي، تبدو الجموع المتحلقة حول “أكشاك الرهان” خاسرة بالضرورة، بينما الرابح الوحيد هو “منظم الرهان” الذي يمسك بخيوط اللعبة من وراء الستار، تاركاً الوطن يواجه مصيراً مجهولاً في ظل غياب أي مشروع سياسي حقيقي قادر على انتشال البلاد من مستنقع الرداءة والانتهازية والفساد والتقهقر الاجتماعي والانحدار الثقافي والاخلاقي.
إن ما يشهده المغرب اليوم ليس مجرد أزمة عابرة في تدبير الشأن العام، بل هو انسداد تاريخي ناتج عن تزاوج غير مسبوق بين مراكز النفوذ المالي وسدة القرار السياسي، في وقت تعيش فيه النخب الثقافية المستقلة النظيفة حالة من الحصار المزدوج بين مطرقة التهميش الممنهج وسندان الإغراءات الريعية. لقد أفرز هذا الزواج “الكاثوليكي” بين الهولدينغات العابرة للقطاعات وبين مؤسسات التحكم والأدوات التشريعية والتنفيذية واقعاً سياسيا واقتصادياً مشوهاً، حيث تحولت السياسة من فضاء لتدبير التعددية والبحث عن المصلحة العامة إلى أداة لخدمة “البيزنس” وحماية الاحتكارات، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى واتساع الهوة الطبقية بشكل ينذر بانهيارات اجتماعية وشيكة. هذا التغول المالي لم يكتفِ بالسيطرة على مصادر الثروة، بل عمل على تجريف الحقل السياسي من كفاءاته، مستبدلاً إياها بـ “تقنوقراط” لا يملكون سوى الولاء لمن يدفع، مما حول الحكومة إلى “مجلس إدارة” لشركات كبرى تدبر الدولة بعقلية الربح والخسارة، بعيداً عن أي أفق اجتماعي أو وطني جامع.
في ظل هذا المشهد القاتم، تبرز مسؤولية النخب الثقافية المستقلة كحلقة أخيرة للمقاومة، غير أن هذه النخب تجد نفسها اليوم أمام حصار سياسي خانق يسعى إلى تدجينها أو دفعها نحو “الانتحار الرمزي” عبر الصمت. لقد نجحت الدولة العميقة في تحويل جزء كبير من المثقفين إلى “مؤثثين” للمشهد، يقتاتون على فتات المهرجانات والجوائز التقديرية، بينما تم إقصاء الأصوات النقدية التي ترفض الانخراط في “جوقة التطبيل”. إن كسر هذا الحصار يتطلب أولاً تحرراً من النرجسيات الفردية ومن وهم “المثقف العضوي” الذي ينتظر إشارة من الأحزاب المدجنة، والذهاب بدلاً من ذلك نحو بناء جبهة فكرية قادرة على تفكيك خطاب “التضبيع” الذي تروجه وسائل التواصل الاجتماعي وتدعمها ماكينات التمييع. لا يمكن للنخبة الثقافية أن تستعيد دورها إلا إذا استطاعت إعادة الاعتبار للفعل النقدي بوصفه فعلاً سياسياً بامتياز، يواجه تغول المال ليس بالشعارات الجوفاء، بل بتقديم بدائل معرفية وبرامجية تفضح زيف “التنمية” التي لا يستفيد منها إلا القلة القليلة من المنتفعين القريبين من “المربع المعلوم“.
إن التشريح العميق للتداعيات الاقتصادية لهذا التحالف يظهر أننا بصدد بناء اقتصاد “الريع المنظم”، حيث يتم تفصيل القوانين والتشريعات على مقاس الشركات الكبرى المحظوظة، مما يقتل روح المبادرة الحرة ويقوض التنافسية الشريفة. هذا التزاوج أدى إلى “صندقة” السياسة (من الصندوق)، حيث أصبحت صناديق الاقتراع وسيلة لتثبيت صناديق المال، وهو ما أفرغ الديمقراطية من محتواها وحولها إلى مجرد إجراء شكلي لشرعنة الهيمنة الاقتصادية. إن خطورة هذا الوضع تكمن في أنه يجعل الدولة رهينة لمصالح ضيقة، ويجردها من دورها كحكم ومعدل للتوازنات الاجتماعية، مما يترك الشارع في مواجهة مباشرة مع “الغول” المالي دون وسائط سياسية ذات مصداقية. لذا، فإن المعركة القادمة ليست انتخابية فحسب، بل هي معركة وجودية لاستعادة “السيادة الوطنية” على القرار الاقتصادي، وهي مهمة تبدأ من استعادة المثقف المستقل لمكانه في قلب النقاش العمومي، ليس كتابع، بل كقائد لعملية التنوير والتحرر من قبضة “تحالف المال والسلطة” الذي يرهن مستقبل الأجيال القادمة.
ومن المعلوم اليوم أن عملية “تضبيع” الرأي العام تتم عبر آليات تفوق القمع المعروف في دقتها وخطورتها وتفوق أساليب البروباغندا التقليدية، حيث انتقل المطبخ السياسي، إلى جانب القمع المادي عبر الهراوات والمحامات، من مرحلة “الرقابة” إلى مرحلة “الإغراق” وتوجيه السيولة المعلوماتية. إن آلة التحكم تعتمد حالياً على استغلال “الخوارزميات” والذكاء الاصطناعي لتحويل الفضاء الرقمي من ساحة للنقاش العمومي إلى “مختبر للتدجين الجماعي”، حيث يتم تسييد “التفاهة” كاستراتيجية بقاء سياسي. عبر جيوش من “الذباب الإلكتروني” والمؤثرين المأجورين، يتم توجيه الاهتمام الشعبي نحو قضايا هامشية، وسخافات يومية، وصراعات وهمية، بهدف تفتيت الوعي الجمعي وعزل الفرد داخل “فقاعات معرفية” تجعله عاجزاً عن إدراك الروابط الهيكلية بين معاناته اليومية وبين قرارات زواج المال والسلطة. هذا التضبيع يهدف أساساً إلى خلق “إنسان رقمي” مستهلك، مشتت الانتباه، ومحبط سياسياً، يرى في الانتخابات “سيركاً” لا يعنيه، وفي التغيير “مخاطرة” غير محسوبة، مما يسهل عملية اقتياد “العامة” نحو صناديق الرهان ككتلة صماء يتم التحكم في إرادتها عبر “اللايك” والتحفيز الغريزي.
ولمواجهة هذا الحصار التكنولوجي، لم يعد كافياً التعويل على المقالات الرصينة أو الخطب الكلاسيكية، بل يجب على النخبة المثقفة المستقلة اقتحام “الميدان الرقمي” بأدواته ذاتها لقلب الطاولة على هندسة التضبيع. المواجهة التكنولوجية تبدأ بإنشاء “منصات مضادة” تعتمد على البيانات الضخمة (Big Data) لتشريح السياسات العمومية وفضح تضارب المصالح بالأرقام والرسوم البيانية التفاعلية التي تكسر احتكار الحقيقة. إن الانتقال من “المثقف المنظر” إلى “المثقف الرقمي” يعني القدرة على إنتاج محتوى “ذكي، مكثف، وناقد” ينافس التفاهة في جاذبيتها دون السقوط في ضحالتها، وتوظيف تقنيات “التحقق من الزيف” (Fact-checking) لمحاصرة الأخبار المضللة التي يبثها المطبخ السياسي. كما يتطلب الأمر بناء شبكات “تواصل مشفرة” ومستقلة بعيداً عن الرقابة، لضمان استمرارية التوعية والتأطير في صفوف الشباب، وتحويل “الهاتف الذكي” من أداة للتخدير إلى منصة للمقاومة الثقافية والسياسية التي ترفض أن تكون مجرد “رقم” في معادلة اليانصيب الانتخابي.
إن كسر آليات التضبيع يمر حتماً عبر “التربية على الوسائط”، أي تسليح الجيل الجديد بالوعي النقدي الذي يمكنه من التمييز بين “المعلومة” و”التوجيه”، وبين “الرأي الحر” و”الإملاء الخوارزمي”. إن المعركة الحقيقية اليوم تدور في الحواسيب والهواتف الذكية بل أن تصل إلى “صناديق الاقتراع”، وإذا استمرت النخب في التعالي على التكنولوجيا أو الاكتفاء بالتذمر من الرداءة، فإنها تمنح صك بياض للمطبخ السياسي للاستمرار في عملية “الزندقة الرقمية”. إن الرد الحاسم يتجلى في تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لـ “تسييس الشارع” مجدداً، عبر فضح آليات الريع بوضوح لا يقبل التأويل، وخلق ضغط رقمي وازن يجبر صناع الخرائط على التراجع أمام قوة “الرأي العام الواعي”، الذي يدرك أن مستقبله لا يقرأ في فنجان، بل يصنع عبر انتزاع السيادة على الوعي والفضاء الرقمي معاً.
