قراءة مبسطة في التصريح الحكومي: 2026 – 2031

قراءة مبسطة في التصريح الحكومي: 2026 – 2031

 أحمد لعيوني

         قدّمت رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري تصريحها أمام مجلسي البرلمان يوم الإثنين 19 أكتوبر 2026، تطلّب عرضه خمس وأربعين دقيقة، ويتكون مما يزيد قليلا من ثلاثة آلاف كلمة، وذلك بوصفه مشروع عمل لائتلاف من أربعة أحزاب. والسؤال المركزي هو: ما قابلية تحقيق مضامينه في سياق داخلي ضاغط وسياق دولي مضطرب، تتأثر فيه سلاسل الغذاء والطاقة بالنزاعات؟

البنية الخطابية والمعرفية

التصريح خطاب سياسي تعاقدي يُلقى طبقا للفصل 88 من الدستور، وهدفه الإقناع والالتزام والتعبئة أكثر من البرهنة. ويجمع ثلاثة أنماط من القول: وصفي (تشخيص السياق)، ومعياري (الثوابت، دولة الحق والقانون، العدالة الاجتماعية)، والتزامي (“سنضع”، “سنطلق”، “نلتزم”) ينشئ التزاما سياسيا بمجرد النطق به.

يستدعي النص أربعة مصادر للشرعية بهذا الترتيب: الملكية – التاريخية (التوجيهات الملكية مرجعية أولى)، ثم الدستورية (دستور 2011)، ثم الانتخابية (اقتراع 23 شتنبر 2026)، ثم التقنية – الإنجازية (الأرقام والمؤشرات). وفي هذا الترتيب توتر ضمني: البرنامج “تعاقد” مع الناخبين، لكن مرجعيته الأولى خارج هذا التعاقد.

استراتيجيته قائمة على التراكم لا القطيعة (تثبيت المكتسبات، استكمال الأوراش، تصحيح الاختلالات)، أي إصلاح تدريجي يتجنب الإقرار بفشل نموذج سابق. وحين يعترف بالنقص ينسبه إلى “توزيع” ثمار التقدم لا إلى “الاختيارات”، فتبقى المسؤولية غير مسماة. ويعلن الانتقال من التغطية إلى الجودة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها، وهو تحول مقبول نظريا يطرح سؤال أدوات القياس.

أما الأرقام فتُستعمل علامات مصداقية: 2,9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، و29,2% بطالة لدى 15 – 24  سنة، و300 ألف منقطع عن الدراسة سنويا. غير أن مصادرها غير مذكورة، والتزامات النص متفاوتة الدقة: بعضها مؤرَّخ (2027، 2031) وبعضها بلا أفق (الرفع التدريجي للمعاش الأدنى).

القراءة السياسية

ترتّب الأولويات السبع المتمثلة في: دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والريع، ثم الهوية والتماسك، ثم الدولة الاجتماعية، ثم الشباب، ثم السيادة الاستراتيجية، وتأتي الأولوية الاقتصادية أخيرا بوصفها “شرط تمويل”. هذا الترتيب يبرز الاجتماعي والمؤسساتي سياسيا، لكنه قد يخفي أن القيد الاقتصادي (عجز 3%، مديونية 62%) هو المحدد الفعلي لما سبقه.

يصوّر النص الملكية “دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية”، مع ازدواج وظيفي: الاستمرارية للملك والمسؤولية للحكومة. وجعل التوجيهات الملكية مرجعية أولى يضع حدودا ضمنية على هامش المبادرة الحكومية في ملفات كبرى (الشباب، الماء، الصناعة الدفاعية، الجهوية). ولرئاسة الحكومة بصيغة المؤنث بعد رمزي ينسجم مع التزامات المناصفة ومحاربة العنف وتمكين النساء.

يرفع النص تجاه المعارضة خطاب الانفتاح (أمدّ يدي، نقد بناء) دون ضمانات مؤسساتية محددة، كإشراكها في اللجان أو تقاسم المبادرة التشريعية، وتُحال الإصلاحات الحساسة كالتقاعد على الحوار الاجتماعي لتخفيف كلفتها السياسية. ويرد في السيادة قرار مجلس الأمن 2797 كمحطة مفصلية تتبنى الحكم الذاتي، وتُحال فلسطين إلى الاختصاص الملكي عبر لجنة القدس.

ويتضمن النص تحوطا زمنيا في عبارات مثل “الواقعية التنفيذية” و”التنفيذ التدريجي”، تمنح الحكومة مبررا مسبقا لأي تأخر، مع أفق انتخابي في 2031 ومحطة 2030 (تنظيم كأس العالم) تفرض تركيز الإنجازات المرئية قبل نهاية الولاية. ويلتزم ترابيا برفع تحويلات الجهات إلى 12 مليار درهم ابتداء من 2027 وتعميم عقود البرامج، وهي لامركزية متعاقد عليها أكثر منها لامركزية سياسية كاملة.

القراءة الاقتصادية

يتضمن التصريح نموذجا مختلطا، هناك عناصر ليبرالية (ثلثا الاستثمار للقطاع الخاص، ميثاق الاستثمار، سقف العجز)، وعناصر تنموية – دولتية (سيادة صناعية ودفاعية، أسطول بحري، 30% من الطلبية العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة)، وعناصر توزيعية (دعم اجتماعي من 500 إلى 1000 درهم، معاش أدنى 3000 درهم، معاش الأرملة مائة في المائة) . 

الإطار الماكرو –  اقتصادي: يتوقع نموا متوسطا في 5% بين 2027 و2031، وتضخم قرابة 2%، وعجز 3%، ومديونية 62% في 2031، وطاقات متجددة فوق 52% في 2030، و26 مليون سائح في 2030. وتكمن المشكلة المركزية في المعادلة التمويلية: التزامات إنفاقية متعددة (الدعم، المعاشات، السكن القروي، التكوين، الجهات، السدود والتحلية) في ظل سقف عجز ثابت، يعتمد تمويلها على نمو مرتفع وتوسيع الوعاء الضريبي وترشيد النفقات وعائدات المؤسسات العمومية. وكلها فرضيات مشروطة بلا سيناريوهات بديلة، ولا تقدير للكلفة؛ فبرنامج 100 ألف مسكن بدعم 40 ألف درهم يعادل نحو 4 مليارات درهم في الدعم المباشر وحده.

وفرضية نمو 5% هي الأهشّ، لارتباطها بالمناخ والفلاحة والطلب الأوروبي وأسعار الطاقة، أي بالعوامل الخارجية ذاتها التي تضغط على الغذاء والطاقة عالميا.

التوترات الداخلية في السياسات:

التقاعد: رفع المعاش الأدنى إلى 3000 درهم يصطدم بإشكال استدامة الأنظمة، فيجتمع هدفا الكفاية والاستدامة.

الضريبة على الدخل: تخفيضها يعني تضحية جبائية قصيرة المدى تتعارض مع قيد العجز.

استهداف الدعم: اعتماد “الدخل الفعلي” صعب في اقتصاد غير مهيكل، دون تحديد الأداة، وإن كان التعويض التلقائي للكهرباء يفترض اكتمال السجل الاجتماعي الموحد.

الشباب: البرامج (100 ألف تكوين، 100 ألف تجربة مهنية، 150 – 200 ألف تدرج، 60 ألف مقاولة) تعالج جزءا من 2,9 مليون شاب، وهي مقاربة عرض رهينة بقدرة الاقتصاد على خلق الوظائف. والحركية القانونية نحو الخارج تناقض هدف استبقاء الكفاءات.

الماء: مقاربة عرض (سدود، تحلية 1,8 مليار م³، تحويل بين الأحواض) دون وضوح في تدبير الطلب (التسعير، ترشيد الفلاحة المسقية).

الغذاء: رفع السيادة في البذور من 20% إلى 50% وإعادة تكوين القطيع تحول مهم، لكن ضبط الصادرات يتعارض مع هدف توسيعها.

الريع والأسواق: تكوين شركات جهوية ومنصات تجميع بدفتر تحملات موحد، وآلية مخصصة بجانب مجلس المنافسة تحتاج تدقيقا مؤسساتيا. أما تخصيص 30% للمقاولات الوطنية فتفضيل وطني يحتاج موازنته مع الالتزامات التجارية الدولية، وهو ما لا يتناوله النص.

الخلاصة النقدية

نقاط القوة: تماسك بين التشخيص والأولويات السبع، وأهداف قابلة للقياس في عدد من المحاور، ووعي بالتوترات (كفاية التقاعد مقابل استدامته)، وربط الإصلاح الاجتماعي بإصلاح الحكامة (الجهوية، الرقمنة، النزاهة).

تستدعي بعض النقاط التدقيق: غياب خارطة تمويل واضحة، وعدم ذكر مصادر الأرقام، وآجال غير محددة تضعف المحاسبة، وغياب جهاز مستقل لتقييم البرنامج ككل، والتوتر بين جذب الاستثمار والتصدير وبين ضبط الصادرات والتفضيل الوطني، وضبابية توزيع المسؤولية بين الحكومة والجهات والتوجيه الملكي.

يقدم النص نفسه برنامج استمرارية محسَّنة لا قطيعة، ينقل السياسة العمومية من منطق التوسيع إلى منطق الجودة والأثر، موازنا بين الدولة الاجتماعية والانضباط المالي والسيادة الصناعية. ويتوقف نجاحه على أمرين: حل المعادلة التمويلية، خصوصا إن تعثرت فرضية النمو بفعل صدمات الغذاء والطاقة العالمية، وتحويل المؤشرات المعلنة إلى آليات تتبع ومحاسبة قابلة للتحقق.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!