قطاع الصحة العمومية بين ذاكرة التكافل وسؤال الاستحقاق الدستوري
مصطفى المتوكل الساحلي
ذاكرتنا وثقت أحوال قطاع الصحة العمومية منذ الستينيات إلى العقدين الأخيرين ثم إلى هذا اليوم، والتي سجلت استقبال الأسر ببيوتها للمرضى من أصول وفروع الأم أو الأب، وكذا بعض أصدقاء ومعارف الأسر المستقرين بالعالم القروي أو المدن الصغرى لمرافقتهم لـ”الإفتحاص” أو الدخول للمستشفى إلى حين استكمال الاستشفاء، فتأويهم عندها للعلاج حتى استرجاع عافيتهم…
ولوحظ أثناء الولوج للمستشفى للفحص والتشخيص أو الإقامة للتطبيب أنه لا يطلب منهم أي أداء، سواء تعلق الأمر بالأدوية أو بالتحليلات المختبرية أو التصوير بـ”الراديو”… وكان أقصى ما يُطلب لاحقاً هو إحضار شهادة من السلطة المحلية التي لا تسأله عن وضعيته المالية. كما نتذكر اشتغال فرنسيات/راهبات بالمستوصفات والمستشفيات في بعض المدن، حيث يقمن بعمليات تمريض ومواكبة علاج النساء ببيوت المريضات، كما كن يتابعن مراقبة النساء الحوامل والحرص على “التلقيح” للمواليد الجدد بالتذكير وباستدعائهن.. كما كان الممرضون -على قلتهم- يتنقلون بالدراجات النارية إلى القرى لمساعدة المرضى وتقديم الخدمات التمريضية في المنازل..
وسياق هذا الموضوع أن الدولة والموارد البشرية المتوفرة – رغم قلتها ومحدودية الإمكانيات- كانوا يقومون بأدوارهم في مجالات الصحة العمومية تجاه الشعب، والأهم أيضاً هو التضامن والتكافل الأسري الذي يقوم بأدوار مهمة من الاستقبال إلى الإيواء، إلى استضافة مرافقين من أسرة المريض، إلى توفير التغذية واستدامة الزيارات.. أما اليوم فالمجتمع ومعهم الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والحقوقية المؤمنون بالارتباط بالشعب والترافع النضالي الإيجابي على قضايا وملفات التنمية والخدمات الصحية العمومية الوطنية، يسائلون أنفسهم ويسائلون الحكومة والسلطات المختصة…:
– هل الحكومة والمؤسسات العمومية ترجمت وطبقت مقتضيات الفصل 31 من دستور 2011 بتيسير الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية التي ترفع العنت والعناء والعجز عن الضعفاء والكادحين..؟
الفصل 31: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في: – العلاج والعناية الصحية؛ – الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛ …إلخ“.
– هل رُصدت في الميزانيات المتقاطعة والمتكاملة التي تتدخل جزئياً أو كلياً في خدمة ورعاية صحة المواطنين والمواطنات -سواء تعلق الأمر ببنيات الاستقبال اللازمة والتدبير الناجع والتسيير الحكيم، وكذا توفير التجهيز العملي للمستشفيات والمستوصفات- بتوفير المعدات التقنية والفنية اللازمة للفحوص الأولية والتشخيص الدقيق الميسر للعلاج الملائم..؟
– هل وفرت –وهي تعلم منذ عقود– الموارد البشرية الطبية والتمريضية والتقنية في جميع التخصصات، الذين هم مفاتيح يجسدون في الميدان مسؤولياتهم ومهامهم بمنهج المواطنة والاحترام الكلي لكرامة وحقوق المواطنين والمواطنات..؟
– هل بنت وجهزت مؤسسات جهوية وإقليمية بالأطباء والممرضين والممرضات المختصين في الطب العقلي والنفسي بما يجعلها تتجاوب وتتكامل مع مرتكزات الفصول الدستورية والحقوقية ذات الصلة بالصحة العمومية وظاهرة المشردين والمشردات والمرضى عقلياً ونفسياً..؟ إلخ.
إن مسؤوليات الحكومة الرئيسية الأولية هي الاهتمام الكلي بصحة الشعب في كل التخصصات، وبتوفير مستدام للتجهيزات والمعدات الطبية الفنية والتقنية من “التليفيزيون” إلى “الراديو” -كما يسميهما العامة- إلى “السكانير” إلى الرنين المغناطيسي… إلى مختبرات تستجيب لكل طلبات وعلاج واستشفاء المرضى والمريضات بالمستشفيات العمومية، بتكامل عملي بين المراكز الصحية الترابية المحلية والإقليمية إلى الجهوية فالجامعية…
– هل يعقل إنسانياً وحقوقياً ودستورياً مطالبة المرضى والمريضات بالمستشفيات -الذين غالبيتهم فقراء ويعيشون في وضعية صعبة يحيط بهم الخصاص بكل أنواعه- بأن يقوموا بتحليلات معينة بمختبرات المستشفى مؤدى عنها، أو الإحالة على مختبرات خاصة للقيام بتحليلات أخرى، أو بإحضار تشخيص “السكانير” عند المراكز الصحية الخاصة في حالة تعطل المتوفر..؟
– هل تعلم الحكومة أن هذه الوضعية المقلقة التي تبين نقصاً مزعجاً في الخدمات الاجتماعية والصحة العمومية تتسبب في حرج كبير للأطباء والممرضين والتقنيين وإدارة المستشفيات تجاه المرتفقين والمرتفقات الملتجئين للدولة؟ حيث يعانون من إكراهات ومعيقات تعطل العديد من الخدمات الصحية بما فيها المساس بالحالة النفسية للمرضى مما يعقد وضعهم ويؤزم أسرهم..؟ وهل يدركون أن كل هذا وغيره مما يعلمه أهل الاختصاص ومنهم النقابات يتسبب في هدر زمن الاستشفاء وقد يتسبب في تدهور الوضع الصحي..؟
إننا جميعاً عندما نقول من حق الشعب أن يعالج مرضاه بالقطاع العمومي المسؤول باسم الحكومة عن الصحة وتقديم الخدمات والعلاج والاستشفاء.. فإننا نخص بالذكر دون استثناء أي مواطن أو مواطنة من الفئات الواسعة بالمجتمع من الفقراء والمساكين والكادحين والعاطلين، وحتى للأثرياء والأغنياء الذين عندهم من الخيرات ما يجعلهم يتخيرون بمرونة وسلاسة بين أكبر المؤسسات الصحية خارج الوطن وبين المراكز والعيادات الخاصة الراقية دون أن يحتاجوا إلى أية تغطية صحية عمومية..
وهنا نطرح سؤالاً جماعياً: هل نعلم ونستحضر أن الكادحين وعامة الشعب عاجزون بسبب الدخل الهزيل عن توفير التغذية في حدودها الدنيا التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ والأحوال كما يعلمها العامة والخاصة، هل يستطيع هؤلاء الذين أنهكهم العسر والإملاق أن يعالجوا أنفسهم وأسرهم حتى ولو وفرت لهم التغطية الصحية….؟
إن أوجب الواجبات دستورياً استقبال المرضى والقيام بكل ما يلزم طبياً مع العلاج والاستشفاء، ثم بعد ذلك يُدبّر أمر التعويض أو الأداء أو التغطية الصحية أو الإعفاء من الأداء… في انتظار أن نتوفر على منظومة للتغطية الصحية تطمئن لها الفئات الشعبية المسحوقة.. أو في انتظار التنمية الشاملة المحققة للعدالة الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على البطالة ورفع الأجور للتغلب على ارتفاع الأسعار وللتوازن المالي المحقق للعيش الكريم..
تارودانت: الأربعاء 4 فبراير 2026
