كرة القدم الإفريقية والتعبير الهوياتي

كرة القدم الإفريقية والتعبير الهوياتي

أحمد لعيوني

          تحتل كرة القدم في المغرب وإفريقيا مكانةً مركزية، ليس فقط بوصفها ممارسة رياضية، بل أيضاً باعتبارها «واقعة اجتماعية كلية» تكشف عن ديناميات ثقافية وهوياتية ورمزية متعددة. وتشكّل المنافسات القارية التي تُنظَّم على الأراضي المغربية، في هذا السياق، مجالاً مميزاً لملاحظة سلوكيات الفاعلين الرياضيين وتمثلاتهم.

خلال بطولة كأس أمم إفريقيا (كان)، يُظهر العديد من اللاعبين الأفارقة بشكل صريح انتماءهم الديني، من خلال الصلوات، أو حركات الشكر، أو الأدعية الظاهرة. غير أنّ هؤلاء اللاعبين أنفسهم يميلون إلى تجنّب مثل هذه التعبيرات عندما يمارسون نشاطهم في إطار كرة القدم الاحترافية الأوروبية. ويطرح هذا الاختلاف سؤالاً مركزياً:

كيف يمكن تفسير تباين التعبيرات الدينية لدى اللاعبين الأفارقة بحسب سياقات الممارسة الرياضية؟

في جزء كبير من المجتمعات الإفريقية، بما فيها المغرب، تشكّل الديانة مرجعاً بنيوياً للحياة الاجتماعية؛ فهي لا تقتصر على المجال الخاص، بل تحضر في الفضاء العام عبر ممارسات وخطابات ورموز تحظى بقبول واسع. وفي هذا السياق، لا يُعدّ التعبير الديني في المجال الرياضي خروجاً عن المعايير الاجتماعية السائدة، بل يظهر، على العكس، امتداداً طبيعياً للممارسات اليومية.
وعليه، فإن الإيماءات الدينية الملاحظة في الملاعب الإفريقية لا يُنظر إليها بوصفها ممارسات متجاوزة للمعايير، وإنما باعتبارها تعبيرات عادية عن هوية معترف بها اجتماعياً.

وبالنسبة لكثير من اللاعبين الأفارقة، تؤدي الديانة دوراً محورياً في بناء معنى مساراتهم الشخصية والمهنية. فالمسارات الرياضية، التي غالباً ما تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار وضعف اليقين، تشجّع على اللجوء إلى الدين بوصفه مورداً أخلاقياً ورمزياً. ويُفسَّر التعبير عن الإيمان عند تحقيق النجاح الرياضي حينها باعتباره فعلاً من أفعال الامتنان والاعتراف، ينسجم مع منظومة قيم يتقاسمها المحيط الاجتماعي القريب، ولا سيما خلال المنافسات المنظمة في إفريقيا.

في المقابل، تندرج كرة القدم الأوروبية ضمن إطار ثقافي يهيمن عليه مبدأ العلمانية وفصل أوضح بين الدين والفضاء العام. وتسعى المؤسسات الرياضية الأوروبية إلى ترسيخ صورة اللاعب القائمة على الحياد الرمزي، حفاظاً على الطابع التوافقي والتجاري للعرض الرياضي. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى التعبيرات الدينية الظاهرة باعتبارها مصدراً لإثارة الجدل أو للتأويلات الإيديولوجية. وإدراكاً لهذه القيود، يكيّف اللاعبون الأفارقة سلوكهم بما ينسجم مع المعايير الضمنية للحقل الرياضي الأوروبي.

ويحتل المغرب، بوصفه بلداً مستضيفاً لمنافسات إفريقية كبرى، موقعاً فريداً للوساطة بين عوالم ثقافية مختلفة. فتنظيم البطولات القارية على أرضه، ولا سيما كأس أمم إفريقيا 2025، يهيّئ مناخاً يعترف بالتعبيرات الهوياتية الإفريقية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على إطار مؤسسي منظم. وتسهم هذه الوضعية الوسيطة في تفسير ارتفاع وتيرة حضور التعبيرات الدينية خلال المنافسات الإفريقية المنظمة في المغرب، حيث يُنظر إليها على أنها مشروعة ومفهومة اجتماعياً من قبل الفاعلين والجماهير.

يتبين من خلال هذه القراءة أنّ اختلاف التعبير الديني لدى اللاعبين الأفارقة بين المنافسات القارية وكرة القدم الأوروبية لا يعود إلى تناقض هوياتي ولا إلى توظيف انتهازي للدين، بل يعكس بالأساس قدرةً على التكيّف مع المعايير الثقافية والمؤسسية الخاصة بكل فضاء رياضي. وتقدّم حالة المنافسات المنظمة في المغرب مثالاً دالاً على أهمية السياق في فهم السلوكيات الرمزية داخل المجال الرياضي.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!