كيف وثقتْ “دفاتر الجديدة” حياة المغاربة؟
امبارك بيداقـي
تُعد كتابات الباحث المصطفى اجْماهْري، وتحديداً مشروعه الرائد “دفاتر الجديدة” الذي انطلق عام 1993، أحد أبرز المحاولات الفردية لصون الذاكرة المغربية المحلية وحمايتها من التلاشي. ويتجلى دور هذه الكتابات في صون الذاكرة من خلال المحاور التالية:
- التوثيق المونوغرافي للمدينة: نجح الكاتب في بناء “أرشيف محلي” متكامل لمدينة الجديدة (مازاغان سابقاً) ومنطقة دكالة، مُغطياً جوانب تاريخية، اجتماعية، واقتصادية كانت مهملة في التأريخ الرسمي.
- النبش في المسارات الإنسانية: أعاد الاعتبار لشخصيات وعائلات مغربية محلية من خلال سيرهم الذاتية وشهادات حية، محولاً “التاريخ الصغير” للأفراد إلى جزء من التاريخ الوطني.
- سد الفراغ الببليوغرافي: استهل سلسلته بوضع جرد ببليوغرافي لتاريخ الجديدة، مما وفّر قاعدة بيانات علمية للباحثين والطلبة في السوسيولوجيا والتاريخ المحلي.
- التحول إلى مرجع أدبي وتاريخي: أصبحت هذه الدفاتر مصدراً أساسياً لروائيين ومبدعين يبحثون عن “التفاصيل الجوهرية والحقيقية” للمجتمع المغربي في فترات تاريخية سابق، كما صرح بذلك الروائي فؤاد العروي في عدة مناسبات.
بهذه الإصدارات التي تجاوزت 30 كتاباً وحوالي 500 مقال، استطاع اجْماهري أن يجعل من “دفاتر الجديدة” واجباً للذاكرة وأداة للدبلوماسية الثقافية التي تعرّف بالهوية المغربية المنفتحة.
***
ويهمنا في هذا المقال، استجابة لطلب باحث في سلك الماستر، الوقوف عند النصوص التي خُصصت للمجموعة المغربية المسلمة ما دامت هناك كتابات سبق تخصيصها لباقي المجموعات والطوائف المشكلة للنسيج الإنساني المحلي والجهوي.
في هذا الجانب تحديدا أفردتْ “دفاتر الجديدة” الكتب التالية:
1- كتاب “ذكريات مغربية، الجديدة زمن الحماية”.. هذا المؤلّف اختار التطرق لموضوع يهم الذاكرة المغربية من خلال معايشتها لحقبة من الحقب المصيرية في تاريخ المغرب المعاصر (1912-1956) مركزا في ذلك على فضاء جغرافي محدد. وقد تـمت إضاءة هذا الحيز المادي من خلال شهادات شفوية لعينة تطوعية قوامها اثنان وثلاثون مغربيا من قدماء سكان المدينة والإقليم. وتطرقت الشهادات في مجملها، فضلا عن المعلومات الشخصية والعائلية، إلى الحديث عن مختلف مظاهر الحياة في المدينة وضواحيها في تلك الفترة وإلى الإدارة المحلية للحماية والعلاقة بين المغاربة والفرنسيين، كما حفلتْ بمعطيات أخرى ذات طبيعة اجتماعية وإنسانية واقتصادية.
وقد لجأ الباحث إلى أسلوب المقابلة في محاورته لهذه الشخصيات التي ضمت طيفا معبرا عن النسيج المجتمعي المحلي، غني بتنوعه من حيث السن (مزدادون بين 1920 و1945) ومن حيث المهنة (موظفون، تجار، مهندسون، الخ) ومن حيث الجنس (رجال ونساء) وكذا من حيث المستوى التعليمي. وتتميز أهمية الكتاب في كونه أصبح اليوم بعد نفاذه وثيقة نادرة لشخصيات رحلت عن هذا العالم لكنها تركت للأجيال القادمة شهادتها. من بين هذه الشخصيات سي الغالي العلمي، مصطفى بن الشرقي، النقابي حسن بزوي، والمحافظ مصطفى الناصري،
2- كتاب “شهادات نساء الجديدة” وهو كتاب أنجز تحت إشراف الراحلة فاطمة المرنيسي، ويتضمن قرابة ثلاثين شهادة لمجموعة من نساء المدينة عن الفترة بين 1949 و1969 التي تمتد بين نهاية الحماية وبدايات الاستقلال. وقد حدد الباحث ثلاثة أهداف لعمله وهي : رسم صورة للوضعية الاجتماعية والسياسية للجديدة في المرحلة المدروسة، ثم التعرف على وجهة نظر المرأة في نوعية العلاقات الاجتماعية بين مكونات المدينة وقتها، وأخيرا الاستجابة لحاجة بحثية اعتبارا إلى أن الكتابات عن المرأة المغربية جد قليلة.
ويوضح الباحث في مستهل الكتاب بأن خلاصة هذه الإضمامة من الشهادات تكشف عن تجارب معيشة، وتعبر عن وجهات نظر شخصية في الماضي المشترك. كما تكشف عن كثير من التفاصيل غير المعروفة حول المدينة وأهلها في بداية الاستقلال. وعلى العموم تتجلى من النصوص فكرة أساسية، وهي كون الجديدة كانت تعتبر، في بداية الاستقلال، نموذجا للمدينة الكوسمبوليتية المنفتحة على الحداثة. وقد توصل الباحث لهذه الخلاصات بعد تحليل شهادات من عينة قوامها 24 امرأة تمثل أطياف مهنية واجتماعية مختلفة لكنها تتوحد في انتمائها للمدينة. ونذكر من بين المستجوبات العالمة الأثرية نعمة الله الخطيب، والباحثة ليلى بنعلال، والسفيرة حليمة امبارك والصحفية ثريا السراج وغيرهن، بالإضافة إلى ثلاث نساجات أضافهن الباحث بنصيحة من الراحلة فاطمة المرنيسي لإغناء التمثيلية.
3– كتاب “المسار النضالي لمختار تيمور بالجديدة” هو الكتاب رقم 20 في السلسلة يقع في 96 صفحة وهو يسرد المحطات الرئيسية في حياة الرياضي والمناضل النقابي والجمعوي المختار تيمور. فمنذ ولادته بالجديدة سنة 1942، عرف مسار مختار تيمور تجارب مختلفة بدأها كحارس مرمى لفريق الدفاع الحسني الجديدي في نهاية الخمسينيات، ثم منسقا لخلية الحزب الشيوعي بالجديدة في بداية الستينيات، فمسؤولا نقابيا جهويا بالاتحاد المغربي للشغل. وعلى المستوى المهني، وعلى إثر تكوين بالمغرب والاتحاد السوفياتي، عمل تيمور تقنيا بالمكتب الوطني للري قبل أن ينتقل للمكتب الجهوي للحوز حين كان مديره بول باسكون ثم أخيرا إلى المكتب الجهوي لدكالة في الجديدة.
يحتوي الكتاب على تفاصيل غنية عن تاريخ المرحلة الممتدة من 1950 إلى 1990 كما عاشها بسلبياتها وإيجابياتها. وفي كل هذه المحطات، بتحدث تيمور عن الرموز والشخصيات المغربية والأجنبية التي عرفها أو عمل معها مثل رايمون أوبراك، وعبد الكريم الخطيب، والمحجوب بن الصديق، وبول باسكون، ومجيد العراقي، ومحمد أرسلان الجديدي وآخرين. وكما يقول عبد الرحيم بنصر، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، في المقدمة، فالكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع الشخصية بل إنه يقف أيضا على بعض الممارسات التي طبعت عمل مجموعة من المؤسسات الاجتماعية والسياسية والنقابية والإدارية في الفترة المذكورة. ويقول عالم الاجتماع غريغوري لازاريف، الباحث السابق في المكتب الوطني للري بالرباط، في التظهير الذي خصه للكتاب : “إن مسار مختار تيمور يظهر لنا فعليا تاريخ الناس البسطاء الذي لا تتحدث عنه الصفحات الرئيسية للجرائد، ومع ذلك فهو تاريخ شاهد على واقع قد لا نلحظه بشكل جيد. ذلك أن تيمور شخصية مهمة في التاريخ الاجتماعي لبلده. وضعته اختياراته في الجهة المعتمة فكان من اللائق إعطاءه بعض الضوء”.
4- كتاب “من الحماية إلى الاستقلال. مذكرات ثانوية ابن خلدون بالجديدة”، هذا العمل وهو في 160 صفحة يعد المرجع الوحيد عن مؤسسة تعليمية رائدة احتفلت مؤخرا بذكراها المائوية. الحيز الأكبر من الكتاب خُصص للتلاميذ المغاربة وعددهم 16 بينما هناك 4 أسماء لتلاميذ أوروبيين من الجديدة. تضمن الكتاب شهادات غنية من بينها مثلا شهادة عزيز بنبين المعتقل السابق في تازمامارت وشهادة السيد جمال الدين بوعمراني، وهو شخصية معروفة في الدار البيضاء بخاصة، وكان تلميذا داخليا بالثانوية سنة 1952 ويحكي في شهادته عن أحد رجالات المقاومة بالجديدة هو سي قاسم العراقي، كما تضمن شهادة للطبيب إبراهيم الهنتاتي وآخرين من قدماء المؤسسة.
5 – كتاب «الحسين الأيوبي، مسار مقاوم بالجديدة ومقالات أخرى حول المقاومة بالمدينة”، هو عنوان الكتاب رقم 18 في السلسلة. وتتجلى أهميته، حسب مقدمة الدكتور مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في إفراز قيمة مضافة ونقلة نوعية لرصيد التراكم المعرفي للذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية. فهو يتناول وجها من وجوه الحركة الوطنية بالجديدة أسدى خدمات جلى وتضحيات جسام في خضم الصراع المرير مع التسلط الاستعماري بجبروته واستبداده فكان مثالا حيا ونموذجا فريدا في الصمود والتضحية وقدوة حسنة في النضال الصادق والملتزم.
ويتضمن الكتاب أربع مقالات ثلاث منها بالعربية وشهادة بالفرنسية. يتحدث المقال الرئيسي عن مسار المقاوم الحسين الأيوبي (1925-2004)، المعروف كمناضل في إطار الحركة الوطنية بمدينة الجديدة زمن الحماية. كما يستعرض الدور الذي قام به الراحل في مواجهة المستعمر وذلك إلى جانب رجالات آخرين في خمسينيات القرن الماضي، مثل عبد الواحد القادري وقاسم العراقي وإدريس المسفر وغيرهم. بينما تناولت باقي المقالات أسماء ومسارات شخصيات ساهمت في مجهود المقاومة بمدينة الجديدة ودكالة.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتب الأخرى في السلسلة المتضمنة لمحتويات مختلفة عن النسيج البشري لمدينة الجديدة ودكالة قد نفضت الغبار بدورها عن مجموعة كبيرة من الشخصيات المغربية مثل المناضل امحمد بريهوم، والمناضل الشريف القاسمي، واليساري محمد المحجوبي بالإضافة إلى فاعلين جمعويين ووجوه من عالم التجارة والصناعة والأعمال مثل عبد الكريم بن الشرقي. كما تضمنت تعريفات مختلفة بوجوه شعبية معروفة في فترتي الخمسينيات والستينيات مثل سي محمد غريبيل وسي اللبار.
أما في جانب المقالات المتفرقة، المنشورة باللغتين العربية والفرنسية، فهي كثيرة كتلك التي تضمنت نبذا عن مسارات مواطنين مغاربة من مدينة الجديدة ودكالة. وقد أحصيتُ ما يقرب من مائتي اسم، نتمنى أن تتاح الفرصة لجمعها في كتاب مستقل، وهو ما يجدر التنويه به خاصة لكون سلسلة “دفاتر الجديدة” مشروع مستقل لا يحظى بدعم مادي مؤسسي أو جمعوي.
