لا رياضة بدون إعلام

لا رياضة بدون إعلام

 جمال المحافظ

     أثبت منافسات بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم (الكان)، التي يحتضنها المغرب ما بين  21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، مرة أخرى بأنه لا يمكن تحقيق أي نجاح رياضي بدون التوفر على وسائل إعلام مهنية، وبالتالي فلا رياضة بدون إعلام الذي يتعين أن يدشن الكان على المستوى الوطني، لمرحلة جديدة في المشهد الإعلامي حتى يتلاءم مع مستوى الانجازات المحققة لحد الآن في مجال الكرة المستديرة.

وإذا كان المختصون  والمهتمون بالشأن الرياضي على أن دورة كأس أمم افريقيا كرة القدم بالمغرب، تعد أفضل نسخة منذ انطلاقتها سنة 1957 بالسودان. كما أبانت عن أهمية مواكبة هذا الحدث الرياضي القاري بمهنية واحترافية، وهو ما جعل الرأي العام، يكتشف المؤهلات العالية الجودة والكفاءة للأطقم الصحافية والتقنية المكلفة بتأمين التغطية الإعلامية ل” كان المغرب 2025 “، خاصة عندما تتوفر لها  الإمكانيات اللازمة وظروف العمل الملائمة، لمواكبة التظاهرات الرياضية الكبرى، مما يجعل وسائل الاعلام تحقق نسبا قياسية من الاهتمام بوسائل الاعلام وسائط الاتصال.

وهكذا فتحت التظاهرات الرياضية، آفاقا واسعة، همت مجالات متعددة، تتجاوز التنافس الرياضي على رقعة الملاعب، لتنتقل الى ميادين الاستثمار الاقتصادي والتجاري والسياحي، مما جعل العديد من البلدان تستغل هذه الملتقيات، للتعريف بتاريخها وحضارتها وثقافتها، وتتحول الرياضة في العصر الراهن إلى ” قوة ناعمة ” مؤثرة، تحاول فيها الدول المختلفة تصريف رؤيتها وأيضا مواقفها .

وإذا كانت الصحافة  المتخصصة في الرياضة، تعرف على المستوى العالمي، تطورا متناميا، يفوق في كثير من الأحيان التخصصات الأخرى في مجال الإعلام، من صحافة سياسية واقتصادية وثقافية، فإنها ظلت على المستوى الوطني بصفة عامة، في وضعية قد تكون دون مستوى التطلعات والرهانات، على الرغم ما يلاحظ من مجهودات مبذولة هنا وهناك، مع العلم بأنه بدون وسائل إعلام مهنية، لن تتمكن مختلف الأنواع الرياضية وفي مقدمتها كرة القدم، من اختراق الفضاءات، والاستئثار باهتمام الرأي العام.

بيد أن هذا التخصص الإعلامي، يعاني ليس فقط من الناحية النوعية والكمية، ولكن من مشاكل مركبة، في مقدمتها ضعف الالتزام بقواعد أخلاقيات مهنة الصحافة، ونقص التكوين والتكوين المستمر لطواقمه لمسايرة التحولات المتسارعة في القطاع الرياضي. فهذه العوامل كلها، تجعل الصحافة الرياضية، في الوقت الراهن قاصرة عن المواكبة الإعلامية، وتقديم صورة احترافية ومتكاملة، لما يحققه الرياضيون المغاربة من نتائج إيجابية، خاصة في كرة القدم

وبالمقابل، ساهمت الثورة الرقمية، في توسيع قاعدة الإقبال على ما أصبح يسمى بـ”مواد الاستهلاك الرياضي”، وهو ما فتح الباب واسعا لتنافس محموم ما بين وسائل الاعلام العالمية الكبرى، بهدف احتكار الحقوق الحصرية للتظاهرات الرياضية الكبرى، خاصة في مجال التلفزيون .

فكأس افريقيا للأمم لكرة القدم، الحدث القاري الذي يتجاوز البعد الرياضي، شكل فرصة مناسبة لإعادة اكتشاف المغرب في تعدده وتنوع روافده الحضارية والتاريخية والبشرية والثقافية. وفي هذا الصدد، يلاحظ بأن وسائل الإعلام الوطنية، نجحت الى حد بعيد في مواكبتها لهذه التظاهرة الإفريقية، خاصة من خلال تنويع موادها باستحضار، الإشعاع الحضاري والعمراني والتاريخي للبلاد مع تسليط الضوء على ما يتميز به المغرب من موروث ثقافي وفني وتراثي ولغوي، فضلا على الانفتاح على العمق الإفريقي، وعلى أصوات القارة، وإنجاز تغطيات ومراسلات ميدانية من عدد من العواصم والدول الإفريقية، واستقاء آراء الإعلاميين والخبراء الأفارقة.

وإذا كانت مجريات هذا الحدث الرياضي القاري، أبانت من جديد، الأهمية البالغة التي يكتسيها الإعلام المهني الملتزم بقواعد وأخلاقيات المهنة، فإنه بالمقابل يلاحظ انزياحا لوسائط تواصل عن قواعد المعمول بها في مجال الاعلام والاتصال، على الرغم من أنه من المهم تسجيل المجهود الذى تبذله الأطقم الصحفية والتقنية، بوسائل الاعلام العمومية، في مواكبة هذا الحدث “المونديالي الافريقي”، فإن مجهودات أخرى مطلوبة مستقبلا.

 وهو ما يتطلب استثمار ما أفرزته بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم بالمغرب، في القيام بتقييم موضوعي لهذه النسخة، للوقوف عند نقط القوة لتطويرها وتحديد مكامن الضعف لتجاوزها، خاصة والمغرب على مشارف احتضان مونديال 2030 بمعية اسبانيا والبرتغال، مما يتطلب تعبئة شاملة، ومقاربة تشاركية، مع الايمان بمركزية الإعلام المهني في إنجاح التظاهرات الرياضية مستقبلا.

غير أنه يلاحظ بأنه، قليلا ما يتم الانتباه الى التحولات التي يعرفها جمهور كرة القدم، خاصة تأثيره على مجريات المباريات داخل الملاعب وخارجها، وهو ما ساهم في تغيير النظرة النمطية التي سادت على مر العقود، حول طبيعة العلاقة القائمة ما بين لعبة كرة القدم والجمهور الذى تحول إلى شريك فاعل في الأحداث الرياضية، نتيجة الأجواء الحماسية التي يخلقها، وتنويع  أساليب احتفاليته التي تحفز اللاعبين والفرق  بهدف تحقيق الفوز .

وبصفة عامة، إذا كانت كرة القدم أصبحت تحقق، ما عجزت عنه السياسة، فإن هناك العديد من التحديات، أضحت مطروحة في ظل الإنجازات التاريخية في مقدمتها الفوز بكأس العالم لفئة أقل من 20 سنة، ووصول المنتخب الوطني الى نصف نهاية مونديال قطر 2022، كأول منتخب افريقي، فإن تساؤلات تظل مطروحة،  منها مدى تمكن الاعلام الوطني من أن يكون في المستوى المطلوب، ويطور ما حققه لدى مواكبته لبطولة افريقيا للأمم في كرة القدم، وهو  ما يتعين الاستفادة من الفرص التي يتيحها التطور التكنولوجي للارتقاء بأداء الإعلام الوطني، لكسب رهانات المستقبل، من خلال التعامل الجدى مع انعكاساتها وتأثيراتها على الأداء المهني مع استحضار الاشكاليات التي تطرحها بالمتغيرات المجتمعية، وتحولات مزاج الرأي العام، من أجل استعادة الثقة المفقودة، خاصة في ظل كسر التكنولوجيات الحديثة، لاحتكار الصحافيين والإعلاميين، لنشر وتعميم الأخبار والمعلومات التي كانت الى وقت قريب، اختصاصا خالصا للصحافيين.

شارك هذا الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!