لبنان أمام اختبار الاستقرار
أحمد مطر
في جلسة مجلس الوزراء أمس، قدّم قائد الجيش اللبناني عرضاً صريحًا ومباشرًا حول واقع انتشار الجيش جنوب الليطاني، مؤكدًا إنجاز المهمة المطلوبة ضمن الإمكانات المتاحة، باستثناء المناطق المحاذية لوجود الاحتلال الإسرائيلي، ومشيراً بوضوح إلى أن أي توسيع للعمل شمال الليطاني يحتاج إلى قدرات إضافية، وقرارات سياسية وخطوات عملية لا يمكن تجاوزها بالشعارات.
هذا الموقف، بقدر ما يعكس مهنية المؤسسة العسكرية وحرصها على الصدقية، يفتح في المقابل باباً واسعًا على مخاطر تصعيد عسكري إسرائيلي متدرّج في الأسابيع القليلة المقبلة.
العدو الإسرائيلي لم يتوقف يوماً عن خرق وقف العمليات العسكرية والقرار 1701، ويسعى اليوم إلى استثمار أي ثغرة سياسية أو ميدانية لبناء سردية جاهزة مفادها أن الدولة اللبنانية عاجزة عن بسط سلطتها، وأن الجيش غير قادر على مواجهة حزب الله أو نزع سلاحه بالقوة. هذه الذريعة، وإن كانت مكرّرة، تبقى الأداة الأنجع بيد تل أبيب لتبرير تصعيدها أمام المجتمع الدولي، وشنّ المزيد من الغارات تحت عنوان «الدفاع الوقائي» أو «إزالة التهديد».
الخطورة لا تكمن فقط في استمرار الضربات المحدودة جنوبًا، بل في احتمال توسّع بنك الأهداف ليشمل مناطق أوسع في الجنوب والبقاع، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، إذا ما قررت حكومة نتنياهو رفع مستوى الضغط العسكري والسياسي معاً. فالتجربة السابقة تؤكد أن إسرائيل غالبًا ما تمهّد لأي تصعيد كبير بحملة اتهامات سياسية وإعلامية، تترافق مع عمليات عسكرية محسوبة، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر عنفًا.
في هذا السياق، يصبح موقف الجيش اللبناني عنصرًا محوريًا لا يمكن القفز فوقه. فالجيش ليس قوة صدام داخلي، ولا يمكن تحميله مهمة تفجير الاستقرار الوطني عبر مواجهة لبنانيين آخرين بالقوة، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي وشحّ الإمكانات والدعم. تحويل الجيش إلى “شماعة” للفشل السياسي، أو إلى أداة لتبرير العدوان الخارجي يشكل خطراً مباشرًا على ما تبقَّى من تماسك الوضع اللبناني.
المطلوب اليوم مقاربة وطنية واقعية، تُحصّن الموقف اللبناني سياسيًا ودبلوماسيًا، وتقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية، عبر التأكيد أن معالجة القضايا السيادية الكبرى لا تتم بالقصف ولا بالابتزاز العسكري، بل بالحوار الداخلي وبرعاية الدولة ومؤسساتها الدستورية، بعد إعلان حزب الله استعداده تسهيل مهمة الجيش، سواءٌ بتجميد استخدام السلاح، أو البدء بحوار علني عنوانه التفاهم على تنفيذ قرار حصرية السلاح.
إن ترك الساحة مفتوحة أمام التصعيد الإسرائيلي، تحت حجج جاهزة ومعلّبة، قد يدفع لبنان مجددًا إلى مواجهة حرب مفتوحة لا يملك ترف خوضها، ولا قدرة على تحمّل أثمانها ولا تداعياتها المدمرة.
