لبنان: معركة ما بين النهرين

لبنان: معركة ما بين النهرين

أحمد مطر

           أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، في حديث صحفي، الأحد 21 كانون الأول، أنّ المرحلة الأولى أُنجزت، وأنّ الدخول إلى تطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش لحصر السلاح سيبدأ قريباً، والتي ستشمل المنطقة بين ضفتي نهر الليطاني جنوباً ونهر الأولي شمالاً.

وأشار سلام إلى أن المؤسسة العسكرية اللبنانية نجحت حتى الآن في بسط سلطة الدولة بالكامل على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني وصولاً إلى الحدود الجنوبية، باستثناء النقاط التي تحتلها إسرائيل، والتي يجب أن تنسحب منها دون تأخير.

ما أكد عليه رئيس الحكومة، أعاده قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، الذي عقد في اليرزة اجتماعاً استثنائياً حضره أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج العملانية وعدد من الضباط، الخميس 25 كانون الأول، وتناول فيه آخر التطورات التي يمرّ فيها لبنان، موضحاً أن المرحلة الأولى أنجزت وقد حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية. هذا، وكانت قيادة الأركان في الجيش اللبناني قد تقدمت بخطة عملانية على 5 مراحل لسحب وحصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية، وكانت حكومة سلام قد تبنّتها في سبتمبر- أيلول الماضي.

رغم أن الخطة تسير بحسب ما تمّ رسمها وضمن الآلية الزمانية المطلوبة، وأنها تنال رضىً أميركياً ودعماً فرنسياً وعربياً واضحاً، لكنّ مسار “ما بين النهرين” يبقى معبّداً بالكثير من العقبات، على رأسها ما اجتمع عليه سلام وهيكل من استمرارية إسرائيل في اعتداءاتها على لبنان، وفي احتفاظها بنقاط تمركزها في جنوب الليطاني، على اعتبار أنّ هذا يجعلها على استعداد تام لسيناريو حرب محتملة بين حزب الله وإسرائيل؛ وهذا ما تسوّق له الدعاية الإسرائيلية التي تراهن على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية شهر كانون الأول.

بشّر الرئيس اللبناني، جوزاف عون، الخميس 25 كانون الأول، في إطار مشاركته في القداس الاحتفالي في الصرح البطريركي بمناسبة عيد الميلاد المجيد، بأن «شبح الحرب» تمّ إبعاده عن لبنان، مشيراً إلى أنّ «الأمور ذاهبة نحو الإيجابية». هذا ما يريد سماعه اللبناني، ولا سيما أنّ الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل كانت مدمرة، ولكنّ الإيجابية التي يبشّر بها عون قد تكون مستندة إلى الواقع الميداني في منطقة جنوب الليطاني على اعتبار أن المرحلة الأولى قيد الإنجاز، ولكن هل سيستمر مفعول البشارة عندما يأتي لبنان على تطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش، والمرتبطة بنزع سلاح ما بين النهرين؟

في الشكل، هناك ارتياح لبناني (غير مفهوم المصدر)، ولا سيما أنّ كافة التصاريح من ناحية حزب الله تشير إلى أنّ الحزب يرفض بالمطلق تسليم السلاح. إذ لا يوفر المسؤولون في حزب الله مناسبة إلّا ويعلنون فيها التمسّك بالمقاومة كخيار نهائي لا رجوع فيه ولا عدول عنه، فالسلاح بالنسبة إلى الحزب ضرورة لحماية سيادة لبنان وردع العدو الإسرائيلي، وأكثر وربما أبعد من الحدود اللبنانية.

لا يرتبط التمسّك بالسلاح بالدفاع عن لبنان من أي هجوم إسرائيلي، بل يردّه الحزب أيضاً إلى نشر التقارير التي تظهر أهمية بقائه في وجه التطرف السنّي المتمثل، بحسب زعم قياديه، بوصول أحمد الشرع إلى الحكم في سوريا. فالحزب يجد في الجبهة الشرقية والشمالية مع الحدود السورية خطورة لا تقلّ عن خطورة الجبهة الجنوبية. إذ إن وظيفة السلاح تأخذ بُعداً إقليمياً وليس وطنياً محصوراً في منطقة النهرين في جنوب لبنان، فهو مرتبط حتماً بمحور طهران، ولا يقلّ خطورة النقاش اللبناني بشأن حصريته عن تلك النقاشات الدائرة في العراق حول حصرية السلاح للميليشيات التابعة لإيران، وعلى رأسها «الحشد الشعبي»، أو عن الحالة الانقسامية التي فرضتها حركة «أنصار الله» (الحوثيين) في اليمن.

ختاماً، بين البيضة والدجاجة وإشكالية من وُجد في الأول، يعيش لبنان ضمن إشكالية «ما بين النهرين» على اعتبار أن كافة الاحتمالات مفتوحة، بما في ذلك شنّ عملية عسكرية واسعة بعد التقارير التي تتحدث عن أنّ الحزب يعيد تموضعه وتسليحه، وما الغارات اليومية التي يشنّها الطيران الإسرائيلي إلّا دليل على ذلك بالمنظور الإسرائيلي. فهل مدة الصلاحية لبشارة الرئيس عون تنتهي بعد عطلة الأعياد؟ أم سيكون للرئيس ترامب رأي مخالف لنتنياهو ويعطي الجيش مهلة “ما بين النهرين”؟

شارك هذا الموضوع

أحمد مطر

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!